يبدو ان الدور قد جاء على اسرائيل لتشرب من كأس التطرف الديني الذي خمرته وعتقته وعبأته في براميل خشبية تحولت الآن الى قنابل عنقودية . ان الدولة العبرية ـ التي قامت على تحالف غير مقدس بين الجنرالات والحاخامات ونمت بخليط غريب من النبوءات والمعجزات والمخابرات ـ تتعرض لوحش شرس خرج من قفصه وكسر سلاسله الحديدية ووضعها بين انيابه الحادة وهو يتمتم بآيات من التوراة ويحلم بمستوطنة كبيرة في الجنة يأكل فيها المؤمنون لحم سمك انثى الحوت المشوي على حد ما جاء في التلمود. لقد خرج هذا الوحش من عقاله وفرض سطوته وقسوته على دولة كانت تفخر بسلوكها الديمقراطي ولسانها العلمي وسلوكها العلماني, فراحت تمشي على لوح من الزجاج المكسور واصبحت مهددة بأن تكون افغانستان اخرى.. ولكن يهودية .. وفي هذه الحالة فإن نيران التعصب ستمد ألسنتها الى ما حولها.. وظلام العقل سيفرض سواده على كل ما يتصل بمفاوضات الحل النهائي.. وهي الأشد صعوبة.. والأكثر تفجراً بالأشواك والخناجر والمسامير والاسلاك الشائكة. ان اسماء مثل (الجهاد) و(التكفير والهجرة) و(الناجون من النار) عندنا ستجد لها مقابل في اسرائيل مثل (يد الاخوة) و(ميليشيا الحفاظ على الطهارة) و(حراس الفضيلة) ولكن رغم اختلاف المرجعية الدينية فإن التطرف في النهاية هو التطرف.. يأخذ نفس الاشكال ويتصرف بنفس الأساليب ويحرق بنفس النار ويحرم ويحلل نفس الاشياء. في ضواحي تل أبيب توجد مدينة صغيرة اسمها (بنيه براك) يقطنها 140 يهوديا متشددا. تكاد تخلو من المقاهي وتحرق فيها نوادي الفيديو وتوضع القنابل في اكشاك الصحف التي تبيع المطبوعات العلمانية والقومية.. غير الدينية.. وتحطم اجهزة الراديو والتلفزيون وتداس كتب الفلسفة والادب بالاحذية وتدمر المكتبات التي تبيع الاسطوانات ويسب علنا بوصفه خائناً كل من لا يتبع ذلك. وفي موقع آخر من مواقع المتطرفين اسمه (رامات جان) لا تتردد (ميليشيات الطهارة) في رمي المرأة بالزنا لو اطالت الحديث مع رجل غريب عنها.. وتصل لأهلها رسالة مجهولة تشرح ما حدث وتهدد برجمها لو كررت ما فعلت. وفي موقع ثالث وقع المتطرفون اليهود اللعنة على سيدة اتهمت بالتعاون مع (عدالة الدولة العلمانية الكافرة) وطرد اولادها من مدرستهم الدينية.. وكان سر هذه القسوة ان هذه السيدة تجرأت وفضحت امر زوجها الى السلطات الشرعية بعد ان اكتشفت ان هذا المربي الفاضل في المدرسة الدينية كان يقهر ابناءه على فعل الفحشاء معه. وفي كل مواقع التطرف توجد قوائم سوداء تضم اسماء رجال ونساء محرم عليهم الزواج بسبب شكوك تحوم حول جذورهم اليهودية ويصعب على من في القائمة الزواج لان كل امور الاحوال الشخصية ـ وهي الزواج والطلاق ودفن الموتى ـ في يد الحاخامات وليس في اسرائيل ـ كما في النظم الديمقراطية ـ زواج مدني بحجة ان هذا النوع من الزواج يهدد الهوية اليهودية بالضياع. ويصل هذيان هذه الجماعات الى حد يصعب تصوره عقلياً ونفسياً واجتماعياً .. ان عمانويل هيمان مؤلف كتاب ( في عقر ديار التطرف اليهودي) تعرض لتجربة صغيرة لكنها تكشف كيف سدت كل منافذ النور في عقول المتطرفين, لقد ذهب الى مقابلة واحد منهم في حي جديد مقام فوق مرتفعات القدس يسمى (جيلو) واثناء الحوار معه كانت ابنته تحبو تحت الطاولة فانحنى المؤلف نحوها فتوتر الوالد وأوقف يده, (اذ ليس من المفروض ان يلمس احد الغرباء الطفلة) , وقال الاب: (انها طريقتي لمحاربة انحلال القيم, فابنتي لن يمسها اي رجل قبل ان تتزوج) . وفي الآونة الاخيرة زودت جميع سيارات النقل العام في اسرائيل (وقوامها 1300 وحدة) بلافتة تنبيه طبعت عليها صلاة خاصة لحفظ الركاب من شرور الطريق.. وعينت شركات النقل حاخامات مهمتهم مراجعة ملصقات الدعاية على السيارات حتى لا تتعارض مع تعاليم التوراة ومنعت شركات الطيران رحلاتها يوم السبت.. لكن القرار لا ينطبق على رحلات الشحن.. ويجبر طلاب الطب على منع دروس التشريح.. ويصعب على طلبة كليات الفنون والنحت ان يجدوا موديلاً يرسمونها او ينحتون ملامحها في تمثال. وتوجد في القدس اكاديمية تلمودية يكرس جميع طلابها انفسهم لتأدية مهمة في غاية الخصوصية وهي اعداد الكهنة الذين سيرسمون لخدمة الهيكل في المعبد الكبير لدى اعادة بنائه عند حائط المبكى.. الحائط الغربي للمسجد الاقصى, لقد هدم الهيكل منذ 3 آلاف سنة لكنهم يرون ان الوقت قد حان لاعادة قيامه ولاعادة ما يسمونه بمجد اسرائيل, وهم يجهزون الآن كل ما تحتاجه طقوس العبادة فيه .. حطب المحرقة, اواني الشراب, ثياب الكهنة البيضاء, الابواق المصنوعة من قرون الكباش والتي تستخدم في الاعلان عن الاحتفالات الدينية. ويتدرب فريق من طلبة هذه الاكاديمية الدينية على المقاومة المسلحة وزرع الالغام والمتفجرات ومقاومة فرق مكافحة الشغب في انتظار اشارة السماء لهدم المسجد الاقصى وبناء الهيكل. فالرب (لا يحترم الا الذين ينفذون مشيئته بالدم) ان هناك عشرات من هذه الفرق نذرت نفسها للاستشهاد لتحقيق مملكة التوراة في ارض الميعاد. وليست مفاجأة ان واحدا من هؤلاء (ايجال عامير) قاتل اسحق رابين الذي غرق في دمائه وهو يغني للسلام وقد اصبح عامير بطلا قومياً, حفرت صورته على جدران المعابد وحائط المبكى وعلى رقائق الفضة التي تعلقها الفتيات على صدورهن, ان رابين بالنسبة لهم اصبح كافرا في اللحظة التي وضع فيها يده في يد عرفات ومن ثم يستحق ما جرى له. وبرر بعض الحاخامات عملية الاغتيال وقالوا:(انها تصرف مسموح به شرعياً) واستندوا في تبريرهم على قانون يهودي ضارب في القدم هو قانون (دين رودوف) ومعناه (قانون المطاردة) وهو قانون يسمح بقتل اليهودي اذا ما كان ينوي الحاق الضرر بيهودي آخر, وكان رأيهم ان رابين بتوقيعه على اتفاق سلام مع الفلسطينيين قد ألحق الضرر باليهود.. ويكون سفك دمه حلالا, ان ما جرى للسادات في مصر, تكرر في اسرائيل بعد حوالي 16 سنة, فالتطرف مهما كانت مرجعيته الدينية يفكر بنفس العقلية, ويتصرف بنفس الطريقة, ويصل الى نفس النتيجة. ان المتطرفين اليهود يعتبرون الصلح مع العرب مأساة ووقوع في الفخ, فهم يعتبرون ان التوراة قد منحتهم ارض الميعاد كاملة لهم بمفردهم لا يشاركهم فيها احد حسب آية (ارض اسرائل لشعب اسرائيل طبقاً لشريعة اسرائيل) كذلك فإن الصلح مع العرب سيؤدي الى ظهور كيان فلسطيني في اسرائيل وسيؤدي الى عودة جزء من الاراضي المحتلة لهم وازالة المستوطنات وهذا كله مرفوض في الشريعة واصحاب العبارة الاخيرة ليسوا رجال دين وانما رموز لامعة في المجتمع المدني مثل كاتب السيناريو, ديفيد بلحش, واستاذ الفلسفة بنيامين جروس, واللحام ديفيد تروتسكي حفيد ليون تروتسكي المفكر الشيوعي ورفيق لينين في التمهيد للثورة البلشفية. ويؤمن هؤلاء وغيرهم من المتطرفين في اسرائيل بأن الجيش فقد شرعيته بقبوله مبدأ الانسحاب من اراضي منحها الرب لهم, وان الحرب مع العرب قادمة لا محالة, بعد ان تضخمت طموحاتهم بشدة خلال السنوات الاخيرة, وستكون حرباً دامية, وشرسة, ولا مفر من ان يموت العرب فيها ببساطة, ولو لم يحارب الجيش الاسرائيلي العرب فستكون هذه مهمة (كتائب الرب) المكلفة بتطهير (ارض الرب) . ان الحرب على هذا النحو هي واحدة من ابرز اهداف وبرامج حزب موراشتي او حزب التراث, ولا يكتفي اتباعه بفتح النيران على العرب فقط بل يضمرون ايضاً نية محاربة جزء من المجتمع الاسرائيلي حسب ما جاء في كتاب (عمانويل هيمان) الذي ينقل على لسان احد قادته:(نحن نستعد لشن حرب ضد الشعب اليهودي, حرب عقائدية, ربما تتحول الى حرب اهلية معلنة اذا لاحظنا ان نسبة كبيرة من اليهود يتعاونون مع اعدائنا ويكررون نفس ما حدث منذ ألفي عام عندما تعاون السنهدريم او مجلس الكهنة مع الرومان للقضاء على الغيورين والأتقياء من شعبنا) . ولا يمكن الاستهانة بهذا الكلام فكل المؤشرات تؤكد ان التطرف في اسرائيل يكسب ارضا جديدة ويسيطر على عقول كثيرة يوما بعد يوم فعدد الطلبة المتدينين يشكل الآن نسبة 33% وكان العدد لا يزيد عن نصف الألف في عام 1950 يوم صدر قانون اعفاء المتدينين من الخدمة العسكرية ووصلت نسبة اليهود المتعصبين الى 29% من عدد السكان في عام 1990 ويتوقع مؤلف كتاب (في عقر ديار التطرف اليهودي) الذي ترجمته مؤخراً سميرة دميان وفوزية ضرار ونشرته الهيئة العامة للاستعلامات مؤخراً ـ ان تصل هذه النسبة الى حوالي 38% في عام 2010 بسبب زيادة الموالد خاصة وان المتدينين يصرون على انجاب اكبر عدد ممكن من الاطفال مثلهم مثل العرب تماماً, فكل طرف يحاول ان يفوز في سباق الانجاب حتى تكون له الغلبة في المستقبل, ويصل معدل المواليد عند المتدينين في القدس الى 8 اطفال وهو معدل لم تصل اليه جماعة او طائفة اخرى في اسرائيل, بل ويتجاوز معدل انجاب العرب للأطفال في كثير من الاحيان. اكثر من ذلك تشجع الحكومات العلمانية المتعاقبة المتطرفين اكثر من غيرهم, فقد خصصت لهم 85% من الشقق وقطع اراضي البناء الجديدة, كما انها تركت لهم 67% من المستوطنات يسيطرون عليها وفي عهدي مناحم بيجن وبنيامين نتانياهو (وهما من الليكود) كان المتطرفون في غاية التدليل ورغم ذلك وصفوا بيجن بأنه كافر لتوقيعه معاهدة صلح مع السادات ووصفوا نتانياهو بأنه زاني ومنافق ويستحق الرجم لأنه اعلن خيانته لزوجته وبدا ان درس الرهان على التطرف الذي لم يتعلمه السادات في مصر ودفع حياته ثمناً له يتكرر في اسرائيل وبنفس الحماس. ولعلنا لا نعرف ان التطرف كان المحرك الاول للانتخابات الاسرائيلية الاخيرة التي اطاحت بنتانياهو واتت ببراك وليس السلام كما تصورنا نحن ان حوالي 5 آلاف اسرائيلي مهم كانوا يهاجرون سنوياً من هناك خوفاً على حياتهم وعلى عقولهم من المتطرفين كذلك فإن التطرف جعل كل طائففة او جماعة تعيش في جيتو مغلق عليها معزولة عن غيرها فكان ان اصبح الجيتو الاسرائيلي الكبير المعزول عن ما حوله عشرات من الجيتوهات الصغيرة الممزقة المتفرقة غير المتصلة ببعضها البعض وهو ما اضاف لاسرائيل مشكلة اخرى هي الصراع بين الجيتو والعولمة بين الانغلاق التاريخي المزمن والانفتاح الاجباري الذي لا مفر منه. وامتدت الغربة في اسرائيل من الجماعات الى العائلات فكل المتطرفين الصغار قطعوا علاقاتهم بأسرهم بعد ان تعرضوا لعملية غسيل مخ بمعنى الكلمة. واسبوع واحد كفيل بهرس عقولهم وشل تفكيرهم على حد قول دان ماهلر جراح التجميل المشهور والمسؤول عن جمعية مناهضة القهر الديني والذي فقد اربع بنات وثلاثة اولاد تركوه وانضموا الى احدى الجماعات المتطرفة وتزوجوا منها وانجبوا 22 حفيداً لم يتح له رؤية احدهم لانه كافر. وهو يقول: ان الديمقراطية الاسرائيلية لا تزال في مأزق بسبب الدين, فغموض المفاهيم الدينية مثل (امة يهودية وشريعة التوراة او الهلاخاه) يفرض على الواقع سيطرة الحاخامات على السلطة العلمانية واختلاط الدين بالدولة على نحو ما يجري يضغط بشدة على حياة الناس بما يصعب احتماله في دولة او امة عصرية. بل اكثر من ذلك يهدد هذا الاختلاط عملية السلام ويحرق كل المعاهدات والاتفاقيات ويفتح الطرق كلها الى الحروب في المنطقة كما ان عدوى التطرف لا بد ان تنتقل بين اسرائيل ومن حولها مهما تنوعت المرجعية الدينية والوطنية, فعندما يرفع الناس الكتب المقدسة فكل العنف يصبح مشروعاً, على الاقل يقتنع المتطرفون بذلك. ان ملف التطرف الاسرائيلي يجب ان يدرس من جانب الذين يتفاوضون على القدس, زهرة المدائن التي تمزج الروعة بالقسوة, والذين يخشون ان ينتقل ميكروب التطرف عبر الحدود الينا, فنعود مرة اخرى للعطس بالقنابل والحرائق والموت المجنون المجاني بلا مقابل.