صواريخ (توماهوك) الامريكية تتساقط على تل ابيب! واذ يتوالى انقضاض الصواريخ على اهدافها المبرمجة سلفا ينتشر الدمار في قواعد عسكرية اسرائيلية ومبنى الموساد ومحطات التوليد الكهربائي وشبكات الاتصالات الخ! وتأتي المرحلة الثانية من الهجوم متمثلة في اندفاع قوات دولية ارضية في ساحل البحر الابيض تتقدمها وحدات(المارنيز)الامريكية مع الاخذ في الاعتبار الواقع الدولي الراهن فان الصورة الخيالية المرسومة اعلاه لاتصلح حتى كفكرة لرواية من نسج الخيال, غير ان الصورة مطروحة بمناسبة ما اعلنه الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان هذا الاسبوع على ممثلي دول العالم بشأن مشروعية التدخل الدولي (بقوة) من اجل (حماية المدنيين الذين تهددهم التجاوزات والحروب) ومغزى فكرة الامين العام بايجاز هو إلغاء اي قانون دولي او ميثاق عالمي (بما في ذلك ميثاق الامم المتحدة نفسها) فيما يتعلق بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وقدسية السيادة الوطنية. إن مثل هذا القول الخطير يثير ذلك الجدل القديم حول اسلوب التعامل بين الدول في ساحة العلاقات الدولية: هل تكون الغلبة للمبادىء والقيم المثالية ام للمصالح الوطنية كما تراها كل دولة منفردة على حدة؟ وبازاء الواقع الدولي المرئي والملموس في الحاضر والماضي فإن هذا جدل تنظيري متبطل, فالاسلوب الاوحد السائد في واقع الساحة الدولية هو ان الغلبة للمصالح الذاتية وفرضها بالقوة العارية اذا لزم الامر, اما المبادىء والقيم المثالية ـ مثل نصرة حقوق الانسان, والعدالة, والوقوف مع الحق ـ فانها لاتطبق الا بمقدار ما يخدم مصلحة ذاتية محددة في ظرف جيوبولتيكي) معين. هكذا على الاقل تقول السوابق والشواهد المرئية وابرز هذه السوابق والشواهد قضية الشعب الفلسطيني في اطار الصراع العربي الاسرائيلي. لقد استشهد كوفي عنان بالتدخل الدولي الحاصل الآن في تيمور الشرقية بموجب قرار صادر عن الامم المتحدة.. واستشهد بالتدخل الدولي الذي جرى في كوسوفو, وكون ان الحلف الاطلسي تبنى هذا التدخل دون الرجوع الى (الشرعية الدولية) الرسمية لا ينتقص من قيمته الانسانية في نظر عنان. ولكن ماذا عن اسرائىل وقضية الشعب الفلسطيني؟ اذا كان الهدف الانساني من التدخل الدولي في كوسوفو هو حماية الاقلية الالبانية من اضطهاد تمارسه عليها الاغلبية الصربية اليوغسلافية.. واذا كان الهدف من التدخل في تيمور الشرقية هو تمكين الأقلية التيمورية من ممارسة حق تقرير المصير وحمايتها من الاغلبية الاندونيسية بعد ان اختار التيموريون الاستقلال الكامل.. فلماذا لم يحدث مثل هذا التدخل الدولي ضد اسرائيل لمساعدة الشعب الفلسطيني في التخلص من الاستعمار الاسرائيلي الاستيطاني.. وبالتالي تقرير مصيره باختيار الاستقلال الوطني كما فعل شعب تيمور الشرقية؟ في شأن كوسوفو تصدرت الولايات المتحدة عملية التدخل الدولي العسكري ضد يوغسلافيا الصربية بشقيه الجوي والارضي. وبدعم أمريكي شامل تدخلت في تيمور الشرقية قوات بقيادة استرالية بعد ان مهد الرئيس الامريكي لذلك بتهديدات متتالية الى اندونيسيا. واذا كان الخيال نفسه مهما جنح لا يمكن ان يسمح لنا بمجرد تصور حملة عسكرية دولية عاتية بدعم ومشاركة الولايات المتحدة ضد اسرائيل لارغامها بقوة السلاح المتفوق, وباسم التدخل الدولي المشروع, على تصفية احتلالها نهائيا في الضفة وغزة تمهيدا لقيام دولة فلسطينية مستقلة, فما هي مصداقية الدعوة التي يتبناها الآن الرجل الاول في جهاز الأمم المتحدة؟