فنزويلا.. (ثورة وطنية) ضد الأحزاب والعولمة!بقلم الدكتور طلعت شاهين

بعض الأزمات تبدو محلية ولا علاقة لها بما يجري حولها, تماما كالعواصف التي تهب فجأة بسبب تصادم رياح ساخنة مع أخرى باردة, فتهب العاصفة وتهدأ بمجرد أن تلقي بما تحمله من سحب على رؤوس بعض البشر ثم تغادرهم يواجهون مصيرهم, ودول أمريكا اللاتينية تعرف هذا النوع من العواصف التي عصفت بها طوال السنوات الأخيرة , بل أن بعضها ما أن يخرج من عاصفة حتى تهب عليه أخرى, وتعددت أسماء العواصف حتى أصبحت تذكر بعضها بعضاً, إلا أن العواصف الطبيعية ليست هي ما تتعرض له دول أمريكا اللاتينية, بل تتعرض أيضا لعواصف من أنواع أخرى, كالعواصف السياسية التي لا يقل تأثيرها عن تأثير عواصف الأمطار المدمرة, وتعيش دولة فنزويلا حاليا عاصفة سياسية نتجت عن محاولات الرئيس الجديد (هوجو تشابث) القضاء على نظام فاسد لإقامة نظام جديد لا يعرف أحد ملامحه حتى الآن, لكن هذا النظام يبدو مثيرا لأطراف خارجية لها مصالح خاصة ليس في فنزويلا فقط, بل في أمريكا اللاتينية كلها, خاصة أن أهم الملامح, التي يبدو أن مشروع تشابث يتضمنها, لها علاقة بالعولمة الاقتصادية التي أصبحت موضة السياسة العالمية في زمن ما بعد الأيديولوجيات. كانت فنزويلا من أكثر دول أمريكا اللاتينية ثراء لفترة طويلة, منذ الخمسينات من هذا القرن, كانت تتمتع بثروة كان يمكن أن تجعل من شعبها من اكثر شعوب المنطقة تمتعا بالرفاهية, لذلك كانت محط أنظار المهاجرين الاسبان, الذين كانوا يبحثون عن فرص عمل في الخارج, بعد أن شح العمل في عهد الجنرال فرانكو, وزاد ثراء فنزويلا بعد ارتفاع أسعار البترول في السبعينات, تلك الزيادة الضخمة التي نتجت عن الموقف الذي اتخذته الدول العربية المصدرة للبترول خلال حرب أكتوبر 73 لدعم مصر وسوريا. استغلت فنزويلا هذه المقاطعة لتكون المُصدر الأول لهذه المادة الخام التي تغطي حاجة الولايات المتحدة الأمريكية, حيث لا تزال تحتل هذه المرتبة حتى اليوم, لكن العائد المالي الضخم من العملة الصعبة الذي كانت تحصل عليه البلاد لم يتم توجيهه لتنمية حقيقية يمكن أن تعود على الشعب بأكمله بالخير كما فعلت العديد من الدول العربية البترولية, لكن هذه الثروات الضخمة التي كانت تدخل خزينة البلاد تم توجيهها إلى الدولة مباشرة, خاصة بعد أن تم تأميم الشركات العاملة في هذا القطاع التي كانت تمتلكها الشركا ت الأجنبية, وتم استغلال الأموال الناتجة عن بيع خام البترول في إنشاء شركات عامة بلا حساب, ولا عمل لها سوى إنشاء وظائف حكومية غير منتجة, يتمتع موظفوها والعاملون فيها برواتب عالية, إضافة إلى امتيازات خاصة تفوق ما يحصل عليها العاملون في المجالات الأخرى, وبدأت البلاد تعيش حالة من الانتعاش المصطنع الذي يعتمد بشكل أساسي على المضاربة التي لعبت فيها البنوك الدور الأكبر, فقامت ناطحات السحاب في العاصمة كاراكاس تحيط بها أحزمة من البيوت الورقية المهدمة التي يعيش فيها اكثر من نصف سكان المدينة في حالة مزرية. هذا الوضع المختل خلق معه نظاما سياسيا مزدوج الحزبية, قائما على الابتزاز في الدوائر الحكومية, حيث كان الحزبان الرئيسيان الحزب الديمقراطي المسيحي وحزب العمل الديمقراطي يتناوبان على الحكم لا لحكم البلاد أو إدارة ثرواتها لصالح المواطنين, بل لاقتسام تلك الثروات بين زعماء الحزبين ومن يلتف حولهما, فكانت فترات حكمهما متشابهة في الفساد, وتحول في ظلهما نظام الحماية الاجتماعية إلى نوع من السوق التي يمكن فيها الحصول على الأصوات مقابل تلك الخدمات, والمقاطعات التي تصوت لحزب دون الآخر تحصل من ذلك الحزب على الخدمات التي تريد إذا فاز هذا الحزب بالحكم, أما إذا عجز هذا الحزب عن الوصول إلى الحكومة يكون مصير المصوتين للمعارضة الحرمان من كل الخدمات الاجتماعية, وزاد هذا من حدة انعدام العدالة الاجتماعية التي زادت من التباعد بين الطبقات. خلال كل هذا كانت ولا تزال الصحافة ووسائل الإعلام الرئيسية حرة تحاول أن تكشف الفساد هنا وهناك, ولكن قطاعا من تلك الوسائل الإعلامية سقط في التناقض الحزبي, ولم يعد قادرا على ملاحقة الفساد في الجانبين, إضافة إلى تدخل قوى اقتصادية ذات مصالح كبيرة لإسكات الصحف الحرة و المستقلة, والسيطرة على توجهاتها من خلال الدعم المالي لها أو قطع هذا الدعم, ولعب هذا الدور البنوك الرئيسية, التي كانت تمارس كل أنواع الفساد الاقتصادي من المضاربة وحتى غسيل الأموال, فيما كانت الشركات الأجنبية والمتعددة الجنسية تلعب دورها أيضا في هذا المجال, إضافة إلى تدخل بعض الدول الخارجية ذات المصالح في المنطقة, وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تعتبر فقط فنزويلا جزءا من الفناء الخلفي لها الذي يجب أن تحافظ عليه بعيدا عن أيدي الاتحاد السوفييتي, الذي كان يحاول خلال الخمسينات والستينات أن يمر إلى تلك المنطقة ليحرم أمريكا من حرية العمل هناك, بل كانت فنزويلا ولا تزال المصدر الأول للبترول الذي تحتاجه, وبرزت هذه الحاجة اكثر لبترول فنزويلا خلال أزمة النفط التي وقعت بسبب حرب أكتوبر 73. هذه الأوضاع جعلت من قيام حزب من الأحزاب باتهام الحزب الآخر بالفساد مجرد لعبة تدخل في حقل الدعاية السياسية لكل حزب في مواجهة الآخر, حتى يحصل على الحكم ليمارس الفساد نفسه الذي كان يمارسه منافسه, فبينما كان الرئيس السابق كارلوس اندريس بيريث يتهم الرئيس الأخير لفنزويلا كالديرا بالفساد, كان هو نفسه يخضع لتحقيقات واسعة حول حصوله على رشاوى من شركات أمريكية مقابل تسهيل حصولها على عقود تتنافس فيها مع شركات أخرى, ولا يزال الرئيس السابق اندريس بيريث رهن الحبس في بيته تحت حراسة مشددة, تنفيذا لأحكام صدرت ضده بعد أن ترك الحكم. ثم ازدادت حدة الأزمة في فنزويلا بعد أن بدأت تزحف عليها ملامح العولمة, التي تطلبت تخلي الدولة عن الشركات التي كانت تمتلكها بالبيع في السوق, عندها استغلت الأحزاب الحاكمة الفرصة لبيع تلك الشركات لشركات أجنبية عن البلاد, التي حولتها بدورها إلى مصانع للبطالة, فألقت بعمالها وموظفيها إلى الشارع, وأدى انخفاض أسعار البترول خلال العامين الماضيين إلى إفلاس خزينة الدولة لان المسروق اكثر من الدخل, فتم إغلاق المستشفيات والمدارس والجامعات لعدم وجود ميزانيات كافية لتشغيلها, وتوقفت برامج الحكومة الخاصة بدعم السلع الأساسية, التي كانت تحفظ للفقراء القدرة الشرائية للمواد الأساسية, مما أدى إلى زيادة نسبة الفقراء في هذا البلد البترولي إلى حوالي 70 في المائة من مجموع السكان. هذا كان يتم في الوقت الذي كانت فيه الطبقة الثرية تزداد ثراء, لأنها كانت تتاجر في السلع الأساسية, وفي ظل غياب الدولة كانت تمارس المضاربات على تلك السلع, وبينما كان الفقراء ينظمون أنفسهم في جماعات مسلحة تمارس الجريمة للحصول على الطعام, كانت الطبقة الثرية تسّير الرحلات الجوية الخاصة لقضاء عطلات نهاية الأسبوع في ولاية ميامي الأمريكية القريبة والمعروفة بشواطئها وكازينوهاتها المرفهة, وأيضا لشراء احتياجاتها الخاصة. في ظل هذه الأزمة التي حاقت بفنزويلا ـ فكانت نموذجا لمساوئ العولمة الاقتصادية التي تطلب لها القوى الكبرى ـ كانت الحياة في البلاد تزداد صعوبة وتنذر بحدوث هزة اجتماعية, لذلك كان الانقلاب الفاشل الذي قاده عام 1992 الكولونيل السابق آنذاك والرئيس الحالي لفنزويلا هوجو تشابث, الذي خلط ما بين الحلم العسكري بالسلطة واستخدام الخطاب الديماغوجي, لكنه على الرغم من ديماغوجيته في النهاية كان يعبر عن الاستياء المتزايد بين السكان بسبب فساد الطبقة السياسية الحاكمة بكل ألوانها, ويرى في الديمقراطية التي تطبقها أسوأ نموذج للحكم. عندما فشل الكولونيل هوجو تشابث في الوصول إلى السلطة عبر الانقلاب العسكري بسبب تدخل قوى خارجية ضده, إضافة إلى عدم قدرته على تحريك كل القوى العسكرية التي يقف جزء منها متهما بالفساد مع النظام السياسي القديم, قرر أن يستغل الديمقراطية نفسها لصالحه كما تستغلها الأحزاب القائمة لتحقيق مصالحها. لذلك ما أن تم العفو عنه بعد أن قضى ثلاث سنوات في السجن حتى تحول إلى الشارع السياسي يبحث عن الجماهير الغاضبة من الفساد الذي كان يسيطر على الطبقة السياسية بأكملها من حكومة ومعارضة, ووجد صدى واسعا لخطابه الذي يحاول استغلال حاجة الناس لتغيير حقيقي للتخلص من الطبقة السياسية التي فشل في مواجهتها بالسلاح. نجح الكولونيل السابق في الحصول على أغلبية ساحقة ووصل إلى مقعد الرئاسة ببرنامج تغييري شامل, يطمح إلى الإطاحة بكل المؤسسات السياسية القائمة, وإقامة مؤسسات جديدة, وذلك من خلال إنهاء هذا النظام السياسي وإقامة ما يطلق عليه اسم (الجمهورية الرابعة) , فأجرى انتخابات عامة لاختيار جمعية تأسيسية تتولى صياغة دستور جديد يحل محل الدستور الحالي, وخلال انتخاب أعضاء هذه الجمعية حصل مؤيدوه على 90 في المائة من الأعضاء المنتخبين. عندها شعر هوجو تشابث بمدى القوة التي يتمتع بها, فقرر التخلص من أكثر المؤسسات الدستورية قوة ليعبد الطريق أمام النظام الذي يرغب في إقامته, وبدأ بالمحكمة الدستورية العليا التي اتهمها بالمشاركة في الفساد ومباركة فساد الأحزاب السياسية, ونظرا لضعف هذه المؤسسة فقد قررت المحكمة الدستورية العليا تجنب الفضائح التي تلف أعضاءها, فتخلت عن دورها وتركت مقاعدها لأعضاء الجمعية الوطنية التأسيسية. لكن البرلمان الذي لا يزال أغلبية أعضائه من الحزبين التقليديين قرر أن يدخل معركته الخاسرة الأخيرة قبل أن يودع الشارع السياسي عند التصويت على الدستور الجديد, الذي سيعلن نهاية النظام الذي على أساسه تم انتخاب هؤلاء لتمثيل مصالح غير شعبية, ولأن المعركة كان يمكن أن تكون أكثر شراسة, ويمكنها أن تترك آثارا يتم استغلالها للعب على وتر الانقلاب العسكري للجيش, قرر الرئيس هوجو تشابث وأعضاء الجمعية التأسيسية التخلي مؤقتا عن هدف الإطاحة بالبرلمان الحالي بتركه لحاله, خاصة أن الدستور الجديد من المقرر الاستفتاء عليه قبل نهاية هذا العام, والذي سيكون النهاية الدستورية الديمقراطية لهذا البرلمان الذي يواجه موته البطيء في صمت. لكن بما أن الأزمة التي تعيشها فنزويلا تعتبر نموذجا للآثار السيئة للعولمة الاقتصادية, فإن الخبراء السياسيين يرون أن تلك الأزمة لن تنتهي كمايريد الرئيس هوجو تشابث, بل ستحاول قوى خارجية لها مصالحها الخاصة تقويض مايمكن أن تصل إليه هذه الثورة الفنزويلية, خاصة أن الدول المجاورة لفنزويلا كالمكسيك والأرجنتين وكولومبيا تعيش على حافة المأساة نفسها, والأحزاب السياسية الحاكمة في تلك الدول ترى فيما يفعله تشابث خطرا عليها إذا نجح في مسعاه نحو التخلص من الطبقة السياسية التقليدية الحالية, وإقامة نظام ينجح إلى حد ما في إقامة عدالة اجتماعية أكثر توازنا مما كانت عليه البلاد من قبل. ونجاح مشروع هوجو تشابث لإقامة نظام وطني يساري في فنزويلا يمكن أن يمتد تأثيره إلى العولمة نفسها, لأن هذا النجاح يمكن أن ينتج عنه طريق جديد يعيق امتداد العولمة الاقتصادية إلى دول كثيرة في العالم الثالث يمكنها أن ترفع راية الوطنية في مواجهة العولمة, وإعادة النظر في محاولات الدول الكبرى مد تلك المظلة حيث تريد, من هنا يرى البعض أن تحركات الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة في المنطقة من خلال سببها المعلن للتدخل في كولومبيا ضد الجماعات المناهضة للحكومة, يمكن أن ينتج عنها أيضا تدخل عسكري في فنزويلا يحاول إجهاض مسيرة المشروع الوطني للرئيس هوجو تشابث. لكن في رأي هؤلاء الخبراء إذا حدث هذا فان تأثير أي تدخل عسكري أو سياسي خارجي في فنزويلا في الوقت الحالي ستكون له تأثيرات عكسية ليس في فنزويلا فقط بل في العالم كله, لأن أي تدخل هناك يمكن أن ينتج عنه رد فعل عكسي في كل دول أمريكا اللاتينية على المستوى الشعبي, وهو الأمر الذي يخشاه المطالبون بالعولمة الاقتصادية, لأن الأموال الأوروبية والأمريكية المنتشرة في دول أمريكا اللاتينية ضخمة بحيث يمكنها أن تؤدي إلى أزمة اقتصادية حادة في العديد من المؤسسات الاقتصادية الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات