أصدرت الخارجية الأمريكية مؤخرا تقريرها الخاص بالحريات الدينية في العالم. ومثلما امتدحت بعض الدول على تسامحها وتوفير مناخات ايجابية للتعايش بين الاديان المختلفة, فقد انتقدت دولا أخرى وجدت أنها مارست بعض التمييز والاضطهاد للأقليات الدينية أو فشلت في منع ممارسات من هذا القبيل من جانب آخرين . وفي الاجمال يظل التقرير تقييما أمريكيا بحتا, وهو يعني أساسا تلك الدول التي تربطها علاقات ممتازة (وتريد أن تحافظ على هذه العلاقات) مع الولايات المتحدة. لكن ثمة سؤالا يتعلق بفاعلية هذا التقرير والمجالات القابلة لتطبيق هذه النظرة التقيمية عليها. وبصورة أكثر مباشرة فان السؤال يمكن أن يتخذ الصيغة التالية: كيف يمكن ضمان أن يشمل سريان مثل هذه النظرة على جميع الدول بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها, ومن ثم امكانية حماية الاقليات الدينية في هذا البلد أيضا؟ أما الاسئلة الأكثر تشاؤما وحدة فهي يمكن ان تكون من قبيل: كيف تعطي دولة من دول العالم لنفسها الحق بأن تحاسب وتحاكم دولاً أخرى في شأن انساني عام, في حين أن هذا الامر ينبغي أن يكون من اختصاص الامم المتحدة أو أية جهة دولية محايدة؟ وتاليا ما هي المعايير التي أستند اليها في هذا المجال, هل هي معايير أمريكية خالصة أم معايير انسانية عامة؟ وكيف سيتم ايقاع العقاب على الدول المتهمة, سيما في المناطق المتوترة والتي تشهد نزاعات دينية وعرقية؟ المبدأ والممارسة ان هذه الاسئلة ليست بلا معنى. فهي تنطلق من واقع التجارب التاريخية في التعامل مع الولايات المتحدة. وبتحديد أكثر, من الخوف من أن يكون تقرير الحريات الدينية هذا جزءا من الصراع الدولي على المصالح والنفوذ. وشأنه في ذلك شأن تقارير أمريكية أخرى (تقرير الارهاب مثلا), وظفت بصورة انتقائية كي تخدم المصالح الأمريكية وحلفاءها ليس الا. وليس هناك ما يمنع من أن يكون التقرير الجديد مدخلا لمعاقبة دول بعينها, وممارسة ضغوط على دول أخرى, بما في ذلك التدخل في شؤونها الداخلية, عبر تحديد الطريقة التي ينبغي أن تعامل بها أقلياتها الدينية والقومية. الحقيقة أن هذا الاحتمال قائم وواقعي, وثمة سوابق كثيرة في هذا الميدان, تبرر الخوف والحذر. سنقول هنا أيضا بأن الموقف من التقرير الامريكي الذي ذكرناه اعلاه, هو موقف سياسي ولا يمكن الا ان يكون كذلك. أما من الناحية الانسانية فلا ينبغي أن يكون هناك اعتراض أبدا على انتقاد أو معاقبة أية جماعة بشرية, بما في ذلك الدول, على انتهاكات تمارسها ضد أقلياتها الدينية أو العرقية. فحرية الدين والاعتقاد والتعبير هي من الحريات الأساسية التي لاينبغي أن تكون موضع جدل أو مساومة. فهي حقوق طبيعية يجب ان تكفل للانسان في أي ظروف وفي أي مكان من العالم. وينبغي النضال من أجل ضمان أن يكون الأمر كذلك على الدوام. والموقف من الولايات المتحدة, لايعطي أية دول حجة أو حصانة في التصرف على هواها, حينما يتعلق الامر بمسألة الحريات الدينية. فهذه الحريات متضمنة أيضا في المواثيق والعهود الدولية الخاصة بحقوق الانسان, وهي جزء من التراث الانساني المضيء في هذا الجانب. مخاوف ومحاذير وكما نرى فان الاختلاف مع التقرير الامريكي ليس اختلافا مبدئيا أو جذريا. وانما هو اختلاف قائم على مخاوف من استغلال الولايات المتحدة لنفوذها وقوتها في فرض رأيها ومفاهيمها بطرق واساليب معينة. ونحن نرى اليوم طائفة واسعة من المفاهيم والمجالات التي يجري بواسطتها مثل هذا الاستغلال. نذكر منها على سبيل المثال, كيفية معاقبة مرتكبي جرائم الحرب أو الجرائم ضد الانسانية. فحتى الان تمت مطاردة واعتقال عدد من المجرمين الصغار فيما كان يعرف بيوغسلافيا السابقة, وتجري مطاردة آخرين في أماكن أخرى من العالم. ولكن في الوقت نفسه لا أحد يتحدث عن العسكريين والمدنيين الأمريكيين الذين قاموا بجرائم ضد الانسانية وجرائم ابادة في العراق, سواء خلال حرب الخليج أو بعدها. ان هؤلاء مسؤولون بصورة من الصور عن موت أكثر من مليون ونصف المليون عراقي بسبب الحصار المفروض على العراق. وخلال الحرب المستمرة منذ عام ,1991 بما في ذلك عملية ثعلب الصحراء, والغارات اليومية على مناطق شمالي وجنوبي العراق, سقط الكثير من المدنيين العراقيين ضحايا لاستهداف الطائرات الأمريكية والبريطانية لمواقع مدنية. وخلال حرب الخليج اطلقت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة آلاف الأطنان من مادة اليورانيوم المستنفذ على أهداف داخل العراق والكويت. وهي مادة أخذت تتسرب الى دورة الحياة الطبيعية للانسان والنبات والحيوان مسببة دمارا للبيئة وتلوثا دائما للحياة. وفي المدن العراقية الأكثر تضررا من عمليات القصف, بدأت تظهر آثارها على هيئة تشوهات خلقية في المواليد, وأمراض جينية غريبة, فضلا عن تزايد حالات الاصابة بالسرطان ومختلف الأورام الخبيثة. ولايزال عدد من العسكريين الأمريكيين الذين ارتكبوا جرائم حرب في فيتنام وفي غيرها, مطلقي السراح لم توجه اليهم أية تهمة. فيما لايزال ضحاياهم يعانون بصورة مستمرة, نتيجة التعرض للاسلحة الكيماوية والجرثومية التي استخدمتها القوات الأمريكية هناك. ان المسؤولين الأمريكيين عن قرارات الحرب والدمار في أكثر من مكان في العالم, ينبغي ان يلاحقوا أيضا ويدانوا بتهم ارتكاب جرائم ضد الانسانية. والحال أن المسألة هنا اذن على درجة كبيرة من الأهمية, وهي تتعلق بالانتقائية والتمييز في تطبيق المفاهيم والاحكام على الدول. وهذا ما يقلل من مصداقية وفاعلية السياسة الأمريكية عموما, وفي تقاريرها بصورة خاصة. * كاتب بحريني