مازلت اتذكر دعوة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الاعلام والثقافة حينما أكد على حرية الاعلام, وان اعلامنا لايستفيد من هامش الحرية الكبير في طرح قضايا الوطن وهموم الانسان في دولة تنشد التقدم والازدهار. ان كلمته تلك تؤكد على مدى أهمية الاعلام ودوره في معالجة الاختلالات الهيكلية في البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .. انها دعوة امينة وصادقة بضرورة التوجيه والمعالجة وضرورة الصراحة.ذلك ان الاعلام كلمة, والكلمة أمانة والأمانة مسؤولية لايتحملها إلا من هو أهل لها. من هنا فان امانة المسؤولية والكلمة لن يكون قادراً عليها سوى من يشعر بأهميتها في المجتمع, وابناء الوطن من المتخصصين والعارفين بشؤون الوطن هم الأقدر على ذلك. تغييب متعمد وحتى تستطيع شريحة المتخصصين هذه من القيام بواجباتها, فإنه يجب على المسؤولين عن المؤسسات الاعلامية اعطاء الفرصة لابناء الوطن كي يمارسوا دورهم ومسؤولياتهم تجاه وطنهم, بالتعبير عن شؤون الوطن وقضايا الانسان.. ولايكفى أن نوظف ابناء الوطن في تلك المؤسسات ليكونوا صورا تجميلية معبرة عن تواجد المواطن فيها, وانما بتدريبهم وتأهيلهم ومتابعة انتاجيتهم ومنحهم الفرصة كاملة, وتوفير كل وسائل الاستقرار النفسي والاجتماعي, كي يبدعوا دون خوف ويطرحوا المعالجات لتلك الاختلالات دون تردد, ويشخصوا الواقع بمختلف جوانبه ليبينوا أوجه الضعف ويحددوا كيفية العلاج.. ويساهموا بدورهم في خدمة وطنهم بالكلمة الأمينة والامانة والمسؤولية.. والطرح المباشر, والحقيقة دون تشويه أوزيف. انها المسؤولية التي تقع على عاتقهم بصفتهم مواطنين يحملون هوية الوطن وينتمون اليه.. انهم الجنود الساهرون على امانة وطنهم وحقوق انسان هذا الوطن. فكيف نوجد تلك الشريحة؟ بل أين هو العنصر المواطن في اعلامنا؟ ماهذا الذي نقرأه, أو نسمعه أو نشاهده؟ من يتحدث الينا.. من يكتب لنا.. من يخاطبنا؟ أين هي نكهة الوطن في صحافتنا.. في اعلامنا؟ ماهذا الانقلاب الذي حدث في تلفزيوناتنا.. في إذاعاتنا؟ أين تلك الوجوه السمراء من ابناء الوطن؟ لماذا طمست معالم الوطن؟ هل وصلنا الى قناعة بأن الاعلامي المواطن ليس اهلاً للعمل في تلفزيوناتنا.. في اذاعاتنا.. في صحافتنا؟ ماهي أوجه القصور؟ أين الخلل؟ لماذا لانبحث عن الاسباب ونحن الذين ننادي ليلاً ونهاراً بالتنمية.. تارة.. وبالتوطين تارة.. وبالوطن تارة ثالثة؟ ما هو الوطن في نظرنا.. هل هو يافطة نعلقها.. أم علم نرفعه؟ أم ان الوطن ممارسة يومية.. ومعايشة يومية؟ لماذا أصبح العنصر المواطن مغيباً في مؤسساتنا الاعلامية رغم اعداد خريجي الجامعة المؤهلين؟ لماذا يتردد الخريجون على مؤسساتنا الاعلامية فيجدون ان الابواب موصدة أمامهم؟ فيما هي تعاني من تخمة عددية من غير المواطنين.. ومن غير المؤهلين؟ كيف يمكن أن نقبل ان صحافتنا.. اذاعاتنا.. تلفزيوناتنا يعقد المسؤولون فيها الندوات ويطرحون قضايا التوطين, فيما نجد ان بعض الصحف تفتقر تماماً للعنصر المواطن؟ اما تلك المؤسسات الاعلامية التي توجد بها عناصر قليلة من المواطنين, فتلك العناصر تعاني من تهميش واهمال المسؤولين لها, أو تعاني من منافسة غير شريفة.. أو مزاحمة غير متكافئة, فيما نجد أن تلفزيوناتنا العديدة تعاني من شحة العنصر المواطن, سواء من اولئك الذين يطلون من على الشاشة أو أولئك الذين يعملون في الاجهزة الفنية. بل ان بعض المواطنين الاعلاميين قد عانوا الكثير ممن يعمل في تلك المؤسسات, فما كان منهم الا الخروج منها والاستسلام لواقع غير منطقي!! معركة محتدمة لقد أصبحت تلك المؤسسات بسبب غياب العنصر المواطن وفي غياب سياسة التوطين التي تنادي بها نفس المؤسسات, ساحة يحتدم فيها الصراع, وتمارس فيها شتى اشكال الاسلحة المعنوية, وأصبحت مرتعاً للتطاحن, الأمر الذي جعل اعلامنا يعاني من ضعف في المضمون والمعنى.. ضعف في الطرح والمعالجة وبعد عن الحقيقة والواقع!! لم يعد الأديب والكاتب الاماراتي المبدع مغيباً في اعلامنا بسبب تجاهله له, وانما أصبح الفنان الذي لانجد له صورة ولاصوتاً ولاصدى في مؤسساتنا الاعلامية.. إلا فيما ندر. لقد أصبح المعد والمخرج والمقدم في تلفزيوناتنا من غير المواطنين.. وكذلك هو الحال في إذاعاتنا.. فمن ينصف المبدع الاماراتي ومن يساعد الفنان الاماراتي على الانتشار؟! من يحافظ على ابداعنا.. فننا.. هويتنا؟ لقد أصبحت تلفزيوناتنا مجيرة للغير.. صحافتنا مفتوحة الصفحات, ولكن لابداع الخارج.. اذاعاتنا وخاصة ما يطلق عليها (F.M.) للفنان الخارج, رغم ان بعض الذين تتم استضافتهم في صحافتنا وفي تلفزيوناتنا واذاعاتنا يفتقرون الى الفهم الصحيح والطرح السليم.. فالعديد من الفنانين والفنانات الذين تتم استضافتهم في وسائل اعلامنا يفتقرون الى الثقافة الفنية, بل وحتى فن الحوار. ما هذا الاعلام الذي يغيب إعلامييه ويهمش مواطنيه.. ويطمس معالم الابداع والثقافة الوطنية ويغيب قضايا الوطن وهموم الانسان؟ ولايعير اهتماماً للاختلالات واشكال الضعف في جسد الوطن؟ هل انتهى عصر المطالبة بالتوطين.. وجاءت دعوة الاستمرار في الاستيراد.. حتى في الاعلام؟ الا يكفي ما نستورده من برامج معلبة وقضايا ميتة؟ أين الوطن في صحافتنا.. في اعلامنا؟ * كاتب وباحث من الإمارات