مع الساعات الاولى من صباح الاثنين20سبتمبر الحالي بدأت اعمال الدورة الرابعة والخمسين للجمعية العامة للامم المتحدة, هذا الاجتماع الدولي الهام والمشهود, الذي يتكرر مرة مع خريف كل عام حيث يقضي النظام الداخلي للجمعية العامة بان تفتح جلسات دورتها السنوية يوم الثلاثاء الثالث من شهر سبتمبر , على شكل اجتماع يضم مندوبي كل الدول الاعضاء في منظمة الامم المتحدة وقد وصل عدد اعضائها خلال الساعات القليلة الماضية إلى 190 دولة بعد ان انضمت إلى عضوية المنظمة دول جديدة كان اخرها دولة تعرف باسم كيريبارس الواقعة وسط اجواء المحيط, كانت تعرف في الساعات الاخيرة باسم كيريباتي والله أعلم, ومن المعروف ان الجمعية العامة تمثل ـ من الناحية الاصولية أو الدستورية على الاقل اعلى سلطة تشريعية في المنظمة الدولية في حين يكتسب مجلس الامن اهمية من كونه الاداة التنفيذية للجمعية العامة وهو رغم هذه الاهمية الدينامية, ورغم كونه ناديا مغلق العضوية تحتكر عضويته الدول الاعضاء الخمس دائمة العضوية, فيه ومع ذلك فمجلس الامن انما يتلقى التوجيه الدستوري من الجمعية العامة وهو يعمل على ترجمة هذا التوجيه إلى قرارات يصدرها المجلس المذكور لتكون واجبة التنفيذ, ناهيك ان يحيل المجلس في قراراته إلى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة الذي يخول المنظومة الدولية اتخاذ اجراءات تنفيذية بحق هذه الدولة أو تلك وهي اجراءات لها صفة الالزام الدولي وتتراوح, كما اصبح معروفا بين فرض العقوبات (تسمى في ادبيات الامم المتحدة بالجزاءات) وتصل إلى التدخل العسكري كما حدث في حرب الخليج الثانية التي مازال العراق الجريح يدفع ثمنه حتى الان (وصفه الجريح انما نخصصها لتصدق على الشعب العربي في العراق ولا نقصد قيادته التي قادته إلى هذه الهاوية السحيقة التي لا يبدو لها قرار) . من البروتوكول إلى القضايا صحيح ان الايام الاولى من اعمال الجمعية العامة للامم المتحدة تقسم في الغالب الاعم بطابع بروتوكولي اجرائي احتفالي بالدرجة الاولى, ما بين الوقوف (دقيقة صمت للصلاة أو للتأمل) (بالنسبة للذين لا يمارسون الصلوات) وما بين القاب واحد من الدبلوماسيين المقتدرين لمنصب رئيس الجمعية لمدة ولاية تمتد سنة بأكملها من (ابرز السياسيين العرب الذين حظوا بهذا الموقع الرفيع على ما تعيه الذاكرة الرئيس الجزائري بوتفليقة والدبلوماسي العراقي عصمت كتاني والدبلوماسي السعودي سمير الشهابي ووزير خارجية تونس ايام الستينات, المنجى سليم) , وتتوالى الفعاليات الاجرائية للدورة الجديدة, كما تشمل اعتماد واقرار جدول اعمال الدورة الذي يلاحظ المراقبون لاحوال المنظمة الدولية بنوده تزداد إلى حد تضخمي ـ ولا عجب فهي تعكس مدى ازدياد, بل وتضخم مشاكل العالم, همومه واهتماماته على السواء. يبلغ عدد بنود جدول الاعمال المبدئي للدورة الرابعة والخمسين الحالية 166 بندا تعكف الجمعية العامة على بحثها والبت فيها واتخاذ قرارات بشأنها في الفترة اواخر سبتمبر إلى الاسبوع ما قبل الاخير من شهر ديسمبر وقد تؤجل النظر في بعضها لدى انعقاد نفس الدورة بصورة مستأنفه, بعد حلول عام 2000 باذن الله, وبالمناسبة فالبند رقم واحد من اعمال الدورة هو افتتاحها بواسطة رئيس الدورة الثالثة والخمسين السابقة وهو رئيس وفد اوروجواي (الدولة الامريكية ـ اللاتينية) طبقا للمادة 30 من النظام الداخلي للجمعية العامة حيث يسلم صولجان الرئاسة إلى الدبلوماسي الناميبي جويراب رئيسها الجديد, اما البند الاخير في تاريخه ويحمل رقم 166 فيقول بالنص: الاحتفال بالذكرى السنوية العاشرة لاتفاقية حقوق الطفل (بناء على اقتراح مقدم من باكستان والسويد ومالي ومصر والمكسيك) , ذلك ان تلاحظ ـ من فضلك ـ ان الدول المذكورة اعلاه يأتي ذكرها حسب ترتيب هجائي اعمالا لمبدأ مستقر في القانون العالمي وهو مبدأ مساواة الدول في السيادة ايا كان حجم الدولة أو جبروتها أو عدد سكانها تماما مثل مساواة مواطني الدولة الحديثة ولو من الناحية الاصولية, حسب الدستور ومن ثم تقضي التعليمات بترتيب الدول حسب مواقع اسمائها من حروف الهجاء, وعليه فان قائمة الترتيب في اللغة العربية (وهي كما لا يخفى عليك واحدة من اللغات الرسمية الست في المنظومة الدولية) , تبدأ عند قمتها بدولة الاتحاد الروسي ويتلوه اثيوبيا التي تظهر اول دولة عربية, وترتيبها الخامس في قائمة الدول وهي الاردن (الامارات العربية تشغل المركز رقم 16 في القائمة في حين ان اخر القائمة يضم كلا من الولايات المتحدة واليابان ثم اليمن ويوغسلافيا واخيرا اليونان, (اللجان الرئيسية الست), مع هذا كله, ويطول انشغال المندوبين بعمليات الانتخابات والترشيحات للجان الرئيسية الست المنبثقة عن الجمعية العامة وهي التي تتولى على وجه من التعمق بحث الجوانب الغنية, الموضوعية, وايضا المالية لكل بند يحال عليها, ثم ترفع بعد نقاشات مطولة وشديدة الاجهاد توصياتها إلى الجمعية العامة على شكل مشاريع قرارات قد توافق الجمعية ـ المستوى التشريعي الاعلى كما المحنا على اصدارها, أو قد ترفضها أو قد تعدلها, وبالمناسبة كذلك, فان انشطة هذه اللجان الرئيسية الست التابعة للجمعية العامة تغطي, أو تكاد تغطي جميع القضايا والمشكلات التي تشغل بال عالمنا اليوم وتقض مضاجعه, فاللجنة الاولى معنية بقضايا نزع السلاح ومراقبة الاسلحة ومعاهدات واتفاقات والتزامات الحد من التسلح وبخاصة حظر انتشار الاسلحة النووية, واللجنة الثنائية معنية بمسائل التعاون الدولي في مجالات التنمية وما يتفرع عن ذلك من مشاكل الديون التي يرزح تحت وطأتها معظم بلدان العالم الثالث الفقير, ناهيك عن مسائل التحول إلى اقتصاديات السوق والدور الذي تقوم به مؤسسات (بريتون وودز) وخاصة الثلاثي الاكبر, البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, والمؤسسة المالية الدولية في اطار النظام الاقتصادي العالمي الراهن, اما اللجنة الثالثة فتشغلها تحديدا القضايا الاجتماعية ما بين حقوق الانسان ومركز المرأة وخاصة دورها كشريك في عملية التنمية, وحقوق الاطفال والاقليات والعمال المهاجرين والاشخاص اللاجئين والمشردين عن ديارهم, واللجنة الرابعة ظلت محافظة رغم ترقيمها على اسمها القديم الابلغ في دلالته وهو: اللجنة السياسية الخاصة وهي من اهم لجان الجمعية العامة لانها معنية لاتزال بالمناطق والاقاليم التي مازالت تحت الاستعمار أو قيد الاحتلال أو تحت الوصاية, ومن ثم فهي تبحث قضايا تقرير المصير للشعوب المحرومة من الاستقلال الوطني والمطالبة بحريتها في انشاء الدول والكيانات السياسية الخاصة بها متحررة في ذلك من الوصاية الاجنبية. اما اللجنة الخامسة فهي تكتسب اهميتها الفائتة من كونها لجنة الاموال, أو هي جيب الامم المتحدة أو الحارس القيم على خزانتها وهذه اللجنة مسؤولة عن بحث تمويل كل انشطة المنظمة الدولية, ومن ثم فكل قرار تتجه المنظومة العالمية إلى اصداره في هذا الميدان أو ذلك المجال, لابد وان يرد اقتراحه أو شروعه مشفوعا في الاصل بوثيقة اصطلحوا على وصفها بانها في عبارة مهمة تقول: الاثار المالية المترتبة على مشروع القرار وهذه الاثار المالية هي التي تعرض على بساط البحث في اطار اللجنة الخامسة اياها وتمارس اللجنة الموقرة بحثها من خلال تدارسها للاعتمادات المطلوب اقرارها للتنفيذ, وتلتمس تدبير هذه الاعتمادات سواء من واقع الميزانية العادية للمنظمة التي تقدم كمشروع ليغطي فترة سنتين باستمرار أو من اموال خارج الميزانية ينبغي توافرها على شكل مساهمات طوعية أو منح أو تبرعات تقدمها الدول ذات القدرة والامكانات, ولك ان تتصور باستمرار ان عدم موافقة اللجنة الخامسة على الاثار المالية اياها معناه ببساطة ان يظل مشروع القرار, اي مشروع واي قرار مجرد حبر على ورق, أو مجرد كلام سياسة أو تحصيل حاصل أو امنيات تظل معلقة ـ بانتظار التمويل ـ بين ارض الواقع وسماء الاحلام. اخيرا تتصل اعمال اللجنة السادسة التابعة للجمعية العامة بقضايا القانون الدولي في اطاريه العام والخاص وما يتفرع عن ذلك من انشطة محكمة العدل الدولية والمحاكم الدولية التي عمدت الامم المتحدة إلى انشائها في السنوات الاخيرة لملاحقة مجرمي الحرب وخاصة في يوغسلافيا ورواندا, دع عنك المحكمة الجنائية الدولية التي تشغل المحافل والمجامع الحقوقية الدولية في هذه الايام بعد انعقاد موعدها التمهيدي الاول في رد ما في العام الماضي على مستوى اكبر فقهاء القانون الدولي (ونذكر منهم البروفيسور العربي من مصر شريف بسيوني) ويتردد ايضا في المحافل القانونية الدولية اسم حقوقي كبير اخر من الخليج هو الدكتور (حسين البحارنه) , وهم عاكفون على التعمق في السبل الارشد الكفيلة بانشاء محكمة جنايات دولية دائمة تقف في موازاة مع محكمة العدل الدولية العتيدة في لاهاي ـ هولندا, حيث تنظر المحكمة المرتقبة في مقاضاة ومعاقبة المسؤولين عن ارتكاب جرائم الابادة الجماعية وقتل البشر أو تعذيبهم أو انزال عقوبات بحقهم تراها المحاكم أو يراها القانون الانساني الدولي عقوبات مهينة أو قاسية أو موغلة في التعنت والجبروت. تجمعات غير بيروقراطية ولا يتبادر إلى ذهنك ان اللجان الست المذكورة هي مجرد تجمعات بيروقراطية يقوم على امرها موظفون على شاكلة اللجان التقليدية التي تشهدها الدوائر الحكومية في اطارها التقليدي المعروف, انها لجان سياسية أو كما تسميها ادبيات المنظومة الدولية هي محافل تداولية أو منتديات برلمانية بمعنى انها منابر تضم في عضويتها بالترشيح والانتخاب دبلوماسيين من اعضاء وفود الدول المختلفة وهي من ثم تشهد حوارات ومناقشات غاية في الجدية والتعمق بحكم ما تعرض له من مشكلات تهم العالم كله, وقد يساعد في اثراء هذه المناقشات و(تنوير) الدبلوماسيين المحترفين اعضاء اللجنة, وجود نفر من كبار مسؤولي الامانة العامة للامم المتحدة بالمقر في نيويورك الذين يتمثل دورهم في تقديم الافادات عما انجزته الامانة وما قدمه الامين العام في سبيل تنفيذ توجيهات الجمعية العامة في هذه القضية أو تلك. تقرير الامين العام هي إذن خلية عمل دائبة وموجة نشاط قوية تجتاح الايام الاولى من اعمال الدورة الرابعة والخمسين للجمعية العامة للامم المتحدة ورغم غلبة الجوانب الاجرائية في تلك الايام الاولى, فثمة اهتمام مشترك بين الجميع يتمثل في عكوفهم منذ مجيئهم من بلادهم في فجاج الارض الاربعة على تدارس الوثيقة المحورية التي تحمل رمز الملحق رقم واحد للدورة الرابعة والخمسين وقد صدرت في الايام أو هي الساعات القليلة الاخيرة تحت العنوان المعروف: تقرير الامين العام عن اعمال المنظمة, وتاريخ اعداد التقرير قبيل ترجمته واصداره في صيغته الحالية النهائية هو 31 اغسطس 1999. وبديهي ان صاحب هذا التقرير هو السيد كوفي عنان امين عام الامم المتحدة ذلك المواطن الغاني الذي درس الادارة والعلوم السياسية في امريكا, وتزوج من سيدة سويدية ولم ينجب اولادا, ويطل على العالم بعينيه الواسعتين ولحيته المشذبة التي علاها لمحات من بياض الشيب الذي يضفي مزيدا من وقار السن والمنصب على صاحب اللحية بوجهه الافريقي الاسمر واسلوبه بالغ الهدوء في الحديث, وايضا في معالجة ما يتعرض له النظام العالمي من ازمات ومشكلات. وتجدر ملاحظة ان السيد كوفي عنان قد خالف التقليد الذي سبق إلى اتباعه سلفه المصري الدكتور بطرس غالي الذي كان يصدر تقريره السنوي في مئات من الصفحات (بلغ في اخر سنة من ولاية الدكتور غالي نحو 700 صفحة تحوي سردا لكل تفاصيل انشطة الامم المتحدة) ان السيد عنان اثر ان يقدم تقرير الامين العام عن اعمال المنظمة في صورة موجزة أو شبه موجزة أو شديدة التكثيف (56 صفحة في النسخة العربية المترجمة عن الانجليزية) وكان رائده في ذلك ليس مجرد عرض وسرد اعمال المنظمة التي يقودها, بقدر ما كان يتمثل في طرح رؤيته لقضايا العالم واساليب المنظمة في معالجتها وإلى الجزء الاخير.