تشير التقارير الصحافية الصادرة أخيرا حول الازمة العراقية, ان ثمة مناخا جديدا يسود الدوائر السياسية في بعض عواصم الغرب, تجلى خصوصا في الاجتماعات التي تعقدها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن على مختلف المستويات للتوصل الى اجماع حول العراق. وهناك تفهم جدي لأول مرة ربما للآثار الكارثية التي نجمت عن الحصار الظالم المفروض على العراق, وأخيرا هناك مجلس الامن المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل. في المقابل ثمة اجواء انفراج دبلوماسي وسياسي شهدته الساحة العربية تجاه العراق مؤخرا, توج بنجاح اجتماعات المجلس الوزاري العربي في القاهرة هذا الشهر والتي ترأسها العراق وبدا واضحا بروز اتجاه عربي لتأييد رفع العقوبات, وميل جدي لايجاد حل للتأزم الذي تشهده العلاقات العربية العربية منذ أزمة الخليج. ووسط هذين التطورين حافظت السلطات العراقية على قدر كبير من الهدوء والمرونة وضبط النفس في تعاملها مع القضايا ذات الخلاف, ما شكل انطباعا لدى الكثيرين في الوقت نفسه بوجود رغبة لدى بغداد بتغيير خطابها السياسي, وقبولها ربما بفكرة التنازلات المحسوبة, والتعبير هنا للأمين العام للجامعة العربية عصمت عبدالمجيد. اذا جمعت هذه كلها, ربما أمكننا الخروج بنتيجة أساسية مفادها, ان هناك فرصة جديدة آخذة في التبلور لاعادة وضع ملف الازمة العراقية من جديد على السكة الصحيحة. والمقصود بالسكة الصحيحة أولا, اعادة الاعتبار لدور الامم المتحدة التي جرت في ظلها معالجة أزمة الخليج الثانية, بعيدا عن مواقف الادارة الامريكية الخاصة بالعراق, وثانيا, اعادة الاعتبار للدور العربي في هذه الازمة من خلال الجامعة العربية, وبعيدا عن سياسات المحاور الثنائية أو الجماعية. ينبغي ان نشير هنا قبل الاستطراد, الى جملة العوامل الدافعة وراء هذه التطورات التي يمكن تلخيصها كالتالي: 1 ـ فشل سياسة الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق منذ عام 1991 وحتى الآن, وان بطرق مختلفة, في تحقيق اهدافها والمتمثلة في دفع العراق للتعاون مع الامم المتحدة حسب الشروط الامريكية. وقد ادى ذلك الى انتهاء دور اللجنة الخاصة المكلفة تدمير اسلحة الدمار الشامل في العراق (اليونسكوم) وخروج المفتشين نهائيا من العراق, وتأزم العلاقة داخل مجلس الامن. 2 ـ اخفاق الادارة الامريكية في تحقيق هدف الاطاحة بالنظام في بغداد, عبر اساليبها الخاصة والمتمثلة في دعم فصائل المعارضة العراقية في شمالي وجنوبي البلاد, فضلا عن محاولات وكالة الاستخبارات الامريكية القيام بعمليات سرية ضد بغداد, انهاها الجيش العراقي عام 1996 بدخوله الى مدينة اربيل. 3 ـ ونتيجة هذه الاخفاقات تشعر الولايات المتحدة بالعزلة اكثر فأكثر داخل مجلس الامن, سيما وانها اعطيت ما يكفي من الوقت لتجربة خططها وسياساتها الخاصة لحل الازمة العراقية بالطريقة التي تريدها, لكن دون جدوى. 4 ـ تزايد الصراع بين الادارة الامريكية والكونجرس حول السياسة الواجب اتباعها تجاه العراق, مع ملاحظة وجود اتجاه بدأ ينمو داخل الكونجرس يدعو الى ضرورة فصل مسألة العقوبات (التي لم يعد مقبولا استمرارها) عن الموقف من الحكومة العراقية. 5 ـ في المقابل يتصاعد الرأي العام الدولي, بما في ذلك الرأي العام الامريكي والبريطاني, في المطالبة بوضع حد للعقوبات الشاملة المفروضة على العراق, والتي أدت الى موت اكثر من مليون ونصف المليون عراقي, وتدمير شبه كامل لأشكال الحياة الحديثة في العراق. 6 ـ اتجاه عدد متزايد من المؤسسات الانسانية الدولية, بما فيها مؤسسات الامم المتحدة للتحرك بصورة واسعة لفضح سياسة الحصار وتبيان اثارها المدمرة, على الصحة والبيئة والانسان العراقي لأجيال مقبلة. وفي هذا الصدد تشير تقارير هذه المؤسسات بصورة واضحة الى فشل صيغة النفط مقابل الغذاء في الوفاء بالالتزامات الغذائية والصحية للشعب العراقي, والحاجة من ثم الى رفع العقوبات. 7 ـ ولا يختلف الامر كثيرا بالنسبة للوطن العربي, فهنا ايضا تخيم الازمة العراقية بكل تبعاتها الثقيلة, ان على مستوى العلاقات العربية العربية التي تشهد جمودا وتنافرا, او على مستوى عملية السلام أو التحديات الاقليمية المختلفة التي يواجهها العرب. هذه العوامل التي نمت وتشكلت على مراحل وفي فترات مختلفة من عمر الازمة العراقية, أوجدت المناخ اللازم للدفع بعملية الحل, او على الاقل, للبحث عن حلول مقبولة محليا واقليميا ودوليا. بالنسبة للجانب الأمريكي, وعلى الرغم من التزامه المعلن بهدف تغيير الحكم في بغداد, ودعمه لفصائل المعارضة العراقية عبر ما يسمى (قانون تحرير العراق) من جهة, ومن جهة اخرى تصلبه تجاه اي تخفيف للعقوبات المفروضة على بغداد. الا ان وكيل وزارة الخارجية الامريكية توماس بيكرينج الذي حضر اجتماعا لممثلي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن في لندن الاسبوع الماضي لبحث موضوع العراق, ابدى موافقة امريكية لأول مرة على مبدأ تعليق العقوبات على الصادرات والواردات العراقية. وهو ما يسمح بادخال تعديلات على مشروع القرار البريطاني الهولندي, ويلتقي في نصف الطريق مع المقترحات الفرنسية والصينية والروسية. ومن نافل القول ان المشروع في حد ذاته, ورغم العيوب الكثيرة التي تعترضه, فانه يعتبر تقدما, اذا قورن بالسياسة الامريكية المعلنة التي ظلت تربط حتى الآن بين رفع العقوبات وبين تغيير النظام في بغداد. لكن ذلك لا يعني ان الموقف الامريكي قد تغير من حيث الجوهر, فالولايات المتحدة لاتزال تصر على ضرورة التأكد من خلو العراق من اسلحة الدمار الشامل, عبر لجنة جديدة من المفتشين الدوليين على غرار اليونسكوم, مع بعض التغييرات الطفيفة فيها. وهو ما يعني استمرار المخاوف من رهن رفع العقوبات بموافقة هذه اللجنة, الأمر الذي يكرر اخطاء تجربة اليونسكوم, ويجعل مجلس الأمن والعراق يدوران في حلقة مفرغة. والواقع انه من الصعب تصور حدوث اي تغيير في السياسة الامريكية تجاه العراق, لجهة الاهداف النهائية المعلنة لهذه السياسة, لكن في الوقت نفسه فان اي سياسة لا يمكنها ان تكتسب معنى الثبات, اذ هي رهن بعوامل شتى داخلية ودولية. وفي حالة السياسة الامريكية فان فشلها وجمودها الراهن يدفعها للتفتيش عن خيارات اخرى, مع ما يفترضه ذلك من تغيير في التكتيكات وحجم وطبيعة الاهداف, وهو ما يسمح بتعظيم المكاسب العراقية والنفاذ عبر الثغرات الجديدة التي يوفرها هذا التغيير, بشرط ان تحسن بغداد التصرف تجاه ذلك. وفي المقابل تبرز المواقف الصينية والروسية والفرنسية الى حد ما, مشكلة عامل اغراء وتشجيع للحكومة العراقية, للتعاون من جديد مع الامم المتحدة. ويبدو ان الوظيفة الحقيقية لهذه المواقف, ليس في انها ستجد طريقها للتنفيذ يوما ما, وانما كي تخفف من الغلواء والتشدد الامريكي وتخلق جملة من الخيارات امام بغداد وامام المجتمع الدولي على السواء. ويمكن استنتاج طبيعة الحلول التي سوف يلجأ اليها مجلس الامن في المرحلة المقبلة بالنسبة للعراق, من خلال تأمل الطرحين الامريكي والروسي على سبيل المثال وما يمكن ان ينتج عنهما من حلول وسط. بيد أن كل تحرك دولي يعكس نفسه ايضا على الساحة العربية, ولعل الاجواء الايجابية التي سادت اجتماعات المجلس الوزاري العربي الاخير في القاهرة, وما جرى خلال لقاءاته الجانبية, كانت مؤشرا على رغبة عربية جماعية في الخروج من الجمود الراهن, وفرصة لبغداد ايضا كي تبدي تصوراتها ورؤيتها لكيفية حل هذه المشكلة. لكن ذلك كله سيظل مجرد ارهاصات لفعل لم يتم, وتعبير عن ضيق وتبرم واضحين من استمرار الطريق المسدود التي آلت اليه السياسة الدولية الحالية تجاه العراق, مالم تلتقط بغداد الخيط وتشرع من جانبها في بناء خطاب سياسي واعلامي جديد ومقبول يستوعب الحالة الراهنة. والحال ان سؤال (ما المطلوب؟) يعبر هنا بالضبط عن هذه الوضعية. فاذا كان الآخرون, عربا واجانب, مطالبين بمساعدة العراق على التخلص من الحصار الجائر المفروض عليه, فان العراق مطالب هو الآخر بأن يساعد نفسه. والمقصود هنا هو ان يتقدم العراق بعض الخطوات تجاه العرب وان يقوم بمبادرات, وان كانت رمزية, لتعزيز التفاهم وبناء الثقة والطمأنينة بينه وبين الدول العربية. ومن الافضل بالطبع ان تتخلى بغداد نهائيا عن خطاب التهديد الجريء والاستجابة للاستفزازات, وان تبعث باشارات تصالحية واستعدادا لمناقشة جميع مسائل الخلاف مع اشقائها العرب. نقول ذلك وفي ذهننا الضغوط الامريكية الهائلة على الدول العربية لمنعها من اي تقارب, ولو كان شكليا مع العراق. ولم توفر الولايات المتحدة الاجتماع الوزاري العربي دون ان تحتج على رئاسة العراق لهذا الاجتماع. لكن تصرف العراق الايجابي سوف يمنح هذه الدول المزيد من الاسلحة كي تواجه بها تلك الضغوط. وفي النهاية فان كل تحسن في العلاقات العراقية العربية يقوي من مواقف الروس والصينيين والفرنسيين في مجلس الامن ويضعف الموقف الامريكي والبريطاني, ويضغط عليهما لوقف المشاريع العدوانية ضد العراق, بما في ذلك الحرب الحالية التي يخوضانها منفردتين في شمالي وجنوبي هذا البلد. ومن ثم خلق الاجواء الاجبارية لرفع الحصار الظالم.