الاقتراب من المعاصرة, يعني بالضرورة انشاء الفكر المؤسس على المعرفة, وللمعرفة طريق واضح في المنهج يبدأ من التعليم, والتعليم هو يقظة العقل وتربيته عبر نظام معرفي ينطلق من مخطط مؤسساتي يبدأ من نطاق العائلة الضيق الى رحابة الجامعة من خلال هذا التناغم بين المؤسسة والادارة والسلطة والنظريات وفعالية الوقت.من هنا يمكن ان نطل على مشكلة هامة تواجه هذا القطاع الحيوي لعالمنا العربي مع نهاية القرن العشرين وبداية الالفية الثالثة . ولعل هذا الجدل القائم الآن بين كل الهيئات في عالمنا العربي من وزارات التعليم الى المؤسسات المختصة الى وسائل الاعلام ومراكز البحوث والدراسات يبدو جدلا مبررا وان لم يصل بعد الى تحديد المنهج كونه لايزال يبحث في الاولويات. وانطلاقا من ايمان هذه الجهات بالدور الكبير الذي يمثله قطاع التعليم في هذا العصر الذي يموج كل يوم وكل ساعة بل وكل دقيقة وثانية بالافكار الجديدة والتطورات المتسارعة والمفاهيم العلمية التقنية التي لا حدود لها فانه لابد لنا من التنبيه لحالة المسارعة القائمة عبر الرغبة في مسايرة هذا التطور واللحاق بالركب الحضاري الذي تفصلنا عنه مسافات بعيدة تحتاج الى جهود جبارة للاقتراب منه والاستفادة من هذه الثورة العلمية التي تجتاح العالم في ظل القرية الكونية, وثورة الاتصالات والمعلومات حتى لانقع في وهم البحث ونفقد المقومات الذاتية ايضا خاصة وان الفارق شاسع بين ما وصل اليه قطاع التعليم في الغرب الذي سخرت له الامكانيات المادية الضخمة والطاقات البشرية المؤهلة. واصبح الطالب هو الذي يحدد نوع التعليم الذي يرغبه ويتفق مع استعداده وميوله حتى يكون ناجحا في المستقبل, فيما لانزال في عالمنا العربي اسرى نمط التعليم النظري المبرمج احيانا. لقد اصبح العالم مكشوفا والمعلومات متاحة عبر مختلف وسائل الاعلام وبخاصة شبكة الانترنت والمحطات الفضائية التي لم تترك شاردة ولا واردة الا والقت اليها الضوء, مما احدث وعيا كبيرا لدى مختلف القطاعات واصبح الحديث, عن هذه الموضوعات مدار اهتمام الناس ويحتل مكانة متقدمة حتى لدى الفئات البسيطة والمتوسطة, والتعليم شأن عام يقتحم كل بيت ويهم كل اسرة, مما يضاعف من حجم المسؤوليات الملقاة على اكتاف صانعي القرار والكتاب والمفكرين والباحثين ورجال الاعلام, من خلال ضرورة الخروج من الانماط السائدة الى انماط جديدة تتلاءم والتحولات القائمة من خلال ايجاد الوسائل والطرق الناجحة للخروج بها من دائرة الاخفاقات والانكماشات وتطوير اساليبها كي تصبح مواكبة للمسيرة التعليمية العالمية وتلبي متطلبات الحاجيات الاساسية في المجتمعات العربية, ان وسائل التعليم حاليا تبدو ضعيفة وبعيدة عن سد هذه المتطلبات وتشكل تحديا خطيرا لمستقبل الاجيال القادمة. لذلك ازداد انتشار الجدل المبكر حول هذه المسألة من قلب مختلف القطاعات والمطالبة باتخاذ اجراءات سريعة لتحسين المنتج التعليمي بما يحقق النماء والرخاء والفائدة للدول والمؤسسات والافراد. الدكتور عدنان بدران يرى ان نوعية التعليم المتميز تعد امرا عظيم الاهمية في هذه المرحلة وخاصة في الدول النامية, لمواكبة الاتجاه نحو (العولمة) الامر الذي يدعو الى التعامل مع هذه القضية من حيث العلاقة والمرونة في الاستجابة السريعة للتحديات التي سيأتي بها القرن المقبل, ويعد فيها العلم والبيئة والتعليم الفني عناصر مهمة في بناء القدرات. في حين يقول الدكتور سليمان العسكري رئيس تحرير مجلة (العربي) الكويتية (ان الهدف الاساسي من العملية التربوية, هو خلق انسان قادر على ان يواجه تحديات العصر, وهو يحمل تراثه وحضارته وقادر على التفاعل مع الحضارات الاخرى, وبالتالي قادرا على بناء مركب ثقافي معاصر يمكنه التآلف بين ما هو ماض وما هو معاصر) . وبالرغم من الحيرة والتخبط, التي يعيش فيها الواقع التعليمي, بدءا من غياب المناهج والفلسفات , وانتهاء بقلة الامكانيات باعتباره جزءا من فلسفة عامة تكتنف مختلف المؤسسات الاخرى في عالمنا العربي, الا ان المرحلة الحالية تشهد حركة دؤوبة واهتماما بالغا بمسألة التعليم باعتباره حجر الزاوية والمنطلق الاساسي لاي تطوير منشود, في المستقبل ولذلك نجد ان هناك اهتماما واسعا بالتعليم في معظم البلدان العربية وشعورا عاما بضرورة احداث نقلة نوعية بهذا القطاع. ففي دولة الامارات مثلا شرعت وزارة التربية والتعليم بوضع استراتيجية ورؤية واضحة لتحديث التعليم ونتمنى ان تتوفر لها عوامل النجاح وان تتمكن من تحقيق اهدافها, وثمة ملامسة تقوم بها وسائل الاعلام في اطار التنسيق والتكامل مع قطاع التعليم كما ان مراكز البحوث والدراسات تلعب ادوارا هامة من خلال عقد المؤتمرات المتخصصة, واصدار المطبوعات النوعية والمتميزة واجراء الدراسات الجادة والهادفة, مما يساهم في ازالة المعوقات وخلق الوعي الجماهيري حول القضايا التي ترتقي بنهضة الامم والمستوى المعيشي للشعوب. وكل هذا يجب ان يتم بمتابعة دقيقة وملاءمة بين الواقع والمرتجى عبر نقلة مدروسة لا تلغي المقومات التي تستند الى الارث الثقافي والحضاري وايضا لانستدرج سريعا تحت حجة التغيير الى انماط قد يبدو الوصول اليها بدون مرحلة انتقالية نوعا من الانتحار. لهذا يجب التنبه الى المرحلة الانتقالية وجعلها حالة تطور تمتلك مقوماتها وحالة امتلاك واع للمتغيرات التي طرأت والتي لايمكن الفرار منها.