العيب في جنوب افريقيا! بقلم محمود السعدني

ما حدث في جنوب افريقيا ليس كارثة ولا هو مصيبة ولكنه عيب, فبالرغم من كل شيء جاء ترتيبنا على رأس الدول العربية الافريقية وبفارق رهيب. ولكن العيب ان نيجيريا تقدمتنا وجنوب افريقيا تقدمت الكل. ثم ما الذي حدث لكباتن مصر في السباحة وفي رفع الاثقال وفي العاب القوى؟ كيف اختفت رانيا علواني بطلة العرب؟ وكنا في السباحة ابطالا على مستوى العالم. واين الخلل بالضبط؟ وهل هو في اللجنة الاوليمبية ام في الاتحادات الرياضية ؟ والمؤسف اننا عدنا الى النغمة النشاز, حكاية ارتفاع الارض ونقص الاكسجين وبعض المعلقين نسب الفشل لسوء الاقامة وسوء التغذية. هل كان الكباتن المصريون ينامون في فندق الكلوب العصري, بينما نام كباتن نيجيريا في هيلتون جوهانسبرج. هل قدموا للكباتن تبعنا اقراص طعمية وعلب فول مدمس.. بينما أكل الآخرون المشمر والمحمر؟ الا نخجل من ترديد هذه الاكاذيب؟ هل انتم من رجال الرياضة؟ ام ندابات تشيعن المرحوم باللطم على الخدود ومعاتبة السبع الذي راح دون ان يترك لهن شيئا يجنبهن غدر الزمن, واذا كان العبد لله لا يجد حرجا في ان تتقدمنا جنوب افريقيا باعتبار ان المسابقات جرت على ارضها وبين جمهورها, الى جانب شبهة مجاملة الحكام لصاحب الدار. فكيف تقدمتنا نيجيريا وقد خرجت بالامس من سنة طويلة وقاسية. والفترة التي استمتعوا فيها بالماء والهواء لا تكفي لرص الصفوف وتعبئة الكراريس ليدركوا المركز الثاني بعد جنوب افريقيا مباشرة. والمفروض اننا في نعمة الاستقرار والاستمرار زمنا طويلا, فهل كان المسؤولون عن الرياضة في بلادنا نائمين في العسل ويحلمون احلاما لذيذة كل هذا الوقت الطويل؟ انا اسأل المشرفين على المصارعة والملاكمة والسباحة... والسباحة على وجه الخصوص. لقد استطاعت جنوب افريقيا ان تحصد اغلب الذهب من احواض السباحة. ان الدورات الرياضية الكبرى هي ميزان الدول وكانت الحرب الباردة تتحول الى حرب ساخنة بين الولايات المتحدة وروسيا في ساحات الرياضة. وكان الرئيس الامريكي لا ينام الليل اذا تقدم الوفد الروسي على الوفد الامريكي بميدالية واحدة. والحمد لله لاننا لسنا في حرب باردة ولا حارة مع نيجيريا او جنوب افريقيا. ولكن عيب ان نأتي في الترتيب الثالث بعد نيجيريا وجنوب افريقيا, لان المفروض اننا في المرتبة الاولى افريقيا ـ وهذا على الاقل ما ينبغي ان يكون ـ والعبد لله يرجو الا نسكت حيال هذا الامر, ولابد من تحقيق شامل لمعرفة الاسباب التي ادت الى هذا الوضع, لابد من بحث هذه الاسباب لوضع العلاج لها, وحتى لا نرتكب هذا العيب مرة اخرى, فنحن لا تنقصنا الخامات البشرية ولا الموارد المادية ولا الملاعب ولا الاجهزة, فلماذا الخيبة؟ ولماذا الوكسة؟ ولماذا نكون في الترتيب الثالث بعد نيجيريا المجهدة وجنوب افريقيا الخارجة منذ خمس سنوات فقط من كهف مظلم عميق؟ وينبغي ان تضم اللجنة التي تتولى التحقيق برلمانيين ومستشارين بالقضاء ورياضيين ورجالا بارزين من العاملين في العمل العام. وان تنشر نتائج التحقيق على الملأ وان يجري مناقشتها في المجالس النيابية وعلى صفحات الصحف. وبعد ذلك ينبغي ان نستعد من الان لتجاوز هذه السقطة في الدورة المقبلة التي ستقام في نيجيريا ولابد ان يعلم الرياضيون في مصر ان بلادهم تستحق المرتبة الاولى رياضيا في افريقيا على الاقل. وعيب جدا ان نتخلى عن هذه المرتبة.. خصوصا اذا كان هذا السقوط, الذي حدث في جنوب افريقيا بلا مبرر او سبب! كاريوكا ورايسا رحم الله الجميع.. فهذا حال الدنيا والموت حق على الجميع لا يستثنى احدا.. ماتت الفنانة تحية كاريوكا وماتت رايسا جورباتشوف قرينة الرئيس الروسي السابق في يوم واحد. وكاريوكا كانت فنانة (مبدعة) جندت نفسها لخدمة بلادها, كانت بطلة قطارات الرحمة اول مشاريع الخير لثورة يوليو المجيدة. وفي فترة من فترات حياتها اشتغلت بالعمل السياسي ودخلت السجن, ثم ناضلت من خلال المسرح وقدمت مسرحيات احدثت ضجة هائلة في القاهرة. ولم تتردد في اي يوم عن تشجيع الفنانات والفنانين الجدد ولم تبخل بما تستطيعه لمساعدة الفقراء والعجائز من اهل الفن. وكانت شجاعة كإنسانة تقول للاعمى انت اعمى وللاعور انت اعور. وكانت تتألق في جلسات عبدالرحمن الخميس وسهرات كامل الشناوي وكانت صاحبة نكتة لا تحبسها حتى ولو كانت النكتة تتناولها هي نفسها. وعاشت كاريوكا حياتها بالطول وبالعرض, ثم اعتكفت في نهاية حياتها ولم ترحمها الامراض فتحالفت ضدها. واخيرا ماتت في صمت بعيدا عن المعجبين والاضواء, ولكن كاريوكا ستبقى في ذاكرتنا كنموذج للبنت المصرية الجدعة التي كافحت الظروف السيئة ووقفت ضد الريح المعاكسة حتى افسحت لنفسها مكانا تحت الشمس. وستبقى ذكراها كنجمة سينمائية ممتازة ومتميزة خصوصا في (شباب امرأة) وايضا في (خلي بالك من زوزو). الزميلة الفنانة تحية كاريوكا.. يرحمك الله ويغفر لك بإذن الله, وان يجزيك بقدر ما قدمت من خير, وبقدر ما ابديت من مروءة وشهامة. وان كان بعض الذين عميت قلوبهم يتصورون ان الراقصة هي نفحة من الشيطان ونموذج للشرور كلها! والله يرحم رايسا ويغفر لها ايضا وقد أثنت الدوائر الغربية عليها لانها في عرف الغرب احد الاسباب التي ادت الى هزيمة الشيوعية في روسيا. ولكن غالبية الشعب الروسي لهم رأي مختلف. فهم يحتقرون رايسا ويحقدون عليها وينسبون اليها الفقر الذي اصابهم والامراض التي حلت بأطفالهم والخراب الذي حط على روسيا كلها, اما الاقلية الروسية التي ارتشت وتربحت وتاجرت في السوق السوداء واشتركت في عصابات التهريب فهي تحب رايسا وتحفظ جميلها وتبكي لمرضها وموتها بعد سلسلة طويلة من العذاب, ولكن ومهما كان الدور الذي قامت به رايسا اثناء وجودها في الكرملين. فقد كانت السيدة الروسية الوحيدة التي خرجت على العالم في صورة سيدة روسيا الاولى. كانت اشبه بزوجات الرؤساء الامريكيين. سيدة جميلة وانيقة وترتدي احدث الازياء وتسافر حول الدنيا كلها في صحبة زوجها الرئيس جورباتشوف. وكان يبدو عليهما انهما في حالة حب مستمر وان تأثير رايسا على جورباتشوف قوي للغاية. في الوقت نفسه لم يكن لرايسا علاقة بزوجات الرؤساء الروس الذين سبقوا جورباتشوف. فجميع رؤساء روسيا كانوا شبابا تجاوزوا السبعين, وكان جورباتشوف هو اصغر رئيس روسي سكن في الكرملين وكانت زوجته تعرف كيف تختار فساتينها وكيف تختار تسريحة شعرها, وعندما قامت بزيارة لندن مع زوجها الرئيس, طلبت الخروج في جولة زارت خلالها محل هارودز الشهير وطافت بأغلب البوتيكات الراقية في منطقة لاند شريت واختارت لنفسها مجموعة من الازياء غالية الثمن. ويقال ان رايسا هي التي اقنعت جورباتشوف بالانسحاب من السلطة في هدوء, ولانها تحب الحياة في الغرب فقد اقامت فترة في الغرب, واختارت في الاشهر الاخيرة مستشفى بألمانيا للعلاج من مرض السرطان الذي اصابها. ولفظت انفاسها الاخيرة, داخله. رحم الله رايسا جورباتشوف, فهي احد الاسباب في ظهور النظام العالمي الجديد, وبزوغ نجم القطب الاوحد في العالم, ولها فضل كبير على نمو القوة الامريكية وتفرد الغطرسة الامريكية بحكم العالم. واذا كانت تحية كاريوكا قد دخلت تاريخ الفن المصري من اوسع الابواب, فرايسا جورباتشوف دخلت تاريخ الكرة الارضية من ابواب شتى, بعضها تهب منها رياح السخط والغضب, وبعضها تهب منها نسمات الرضا والحب, يرحم الله رايسا جورباتشوف سيدة الكرملين الاولى والاخيرة ويغفر لها باذن الله. يغفر لها ما حل بروسيا من خراب ودمار وخيبة امل وقلة قيمة ودمار ليس مثله دمار!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات