ابان الصراع على المستعمرات بين الدول الغربية الكبرى والشراهة المتناهية في السباق على الامتداد والتوسع في القرن التاسع عشر, وحيازة موارد وأسواق ومواد أولية بين هذه الدول المتنافسة, تبلور مفهوم في العلاقات الدولية كان مناسبا لتلك السياسات واستمر لفترة وهو(عدم التدخل في الشؤون الداخلية)للدول, وكان ذلك يعني فيما يعنيه ان تنفرد الدول المستعمرة بالدول والشعوب المستعمرة دون رادع من أية جهة . وبعد حربين عالميتين وتطور تقني هائل, وحرب عالمية باردة واستقلال لمعظم الشعوب, يترسخ الآن في المجتمع الدولي مفهوم نقيض للسابق, وهو الحق الدولي في ان تتدخل دول في شأن دول أخرى, وان كان شأنا داخليا, ان حدث ان تعرض شعبها لابادة جماعية من اي نوع, لأن الحكومة, أي حكومة أو سلطة يجب ألا تعامل مواطنيها كأشباه للماشية تقودهم إلى حتفهم أو تذبحهم متى شاءت أو تحرمهم من حقوقهم المدنية ان أرادت, حدث ذلك في كوسوفو وأخيرا في تيمور الشرقية, فقد تدخلت الارادة الدولية لتمنع التصرف غير المسؤول من حكومة أو دولة على بعض من تسيطر عليهم كبشر, فقط بحجة انهم جزء من هذه الدولة أو تلك ومواطنون على أرضها. ويبدو ان العالم يتجه إلى قبول هذه الفكرة الجديدة وهي التدخل لأسباب انسانية, ومنع المذابح والتصفيات, وقبول العالم بها يتسارع ويُعزز, ففي كوسوفو اخذت هذه الفكرة من الوقت الكثير, فبعد مفاوضات مضنية لاقناع السلطة اليوغسلافية بالتصرف المعقول والحضاري تجاه الاقلية في كوسوفو, رفضت تلك السلطة الحلول الوسطى التي تقدم بها المجتمع الدولي, فما كان من سبيل إلى ردعها إلا بقيام الحرب, التي امتدت لأشهر كي ترضخ في النهاية سلطة بلجراد للأمر المعقول, وتترك كوسوفو بمواطنيها يعيشون أحراراً. الوقت كان أقصر في تيمور الشرقية, فبعد أسابيع قليلة من الاستفتاء الذي لم يكن مقبولا من بعض مواطني اندونيسيا, وبعد تردد قصير قبلت اندونيسيا وجود قوات دولية باشراف الأمم المتحدة لوضع شرق تيمور باتجاه الاستقلال التام. الفرق بين التوقيتين هو فرق رسوخ المبدأ الجديد, في نهاية القرن العشرين الذي شهد تسارعا في ترسيخ حقوق الانسان, كما شهد فورة في ظهور جمعيات حقوق الانسان المحلية والدولية, يبدو ان هذا المبدأ يترسخ ويتعمق ويجد قبولاً من المجتمع الدولي كقاعدة. تيمور الشرقية في حساب العلاقات الدولية لا تعني الكثير, ولكنها ترسخ المبدأ, فتعداد سكانها أقل من مليون من البشر (تحدد بعض الاحصاءات ان عدد سكانها يبلغ ثمانمائة ألف نسمة) يجاورها في اندونيسيا مائتا مليون من البشر, والعالم لم يكن ليلتفت إلى تيمور الشرقية قبل هذه الفترة من اعلاء حقوق الانسان, ولكن حتى هذه القطعة الصغيرة من الأرض والبشر أصبح لها أهمية في ضرب الأمثلة, وشهدنا في الاسبوعين الأخيرين كيف سخر الاعلام الدولي نفسه للدفاع عن حقوق أهل تيمور الشرقية. وحتى نرى مدى تقدم فكرة التدخل الدولي لأسباب انسانية, فإنه ابان الحرب الباردة عندما غزت اندونيسيا تيمور الشرقية سنة 1975, لم يحرك ذلك الأمم المتحدة أو أية مؤسسة دولية أخرى, فقد توافقت ارادة الدولة المستعمرة الراحلة وهي البرتغال, مع الولايات المتحدة في ذلك الوقت بغض الطرف عن التدخل العسكري المباشر لاندونيسيا واحتلال تيمور الشرقية, لم توقفه ولم تحرك ساكنا لادانته, حتى الأمم المتحدة ضربت صفحا عن ذلك الغزو الذي وصلت ضحاياه من المقاومين التيموريين لما يقدر بحوالي مائتي ألف نسمة. ولكن أيضا الأمم المتحدة احتفظت بايجابية كونها لم تعترف بحكم اندونيسيا على الاقليم, فقد كانت المقاومة في شرق تيمور مقاومة مستمرة وغير قابلة للتجاهل. في فترة الحرب الباردة كانت اندونيسيا مصدرا للأفكار الاشتراكية في اقليم جنوب شرق آسيا, وهي بعددها الكبير حجر زاوية للاستقرار في هذا الاقليم الممتد, وكان أي اضطراب بها مع وجود هذا العدد الهائل من البشر يعرض المنطقة كلها إلى عدم استقرار مقلق, لكن بعد انتهاء الحرب الباردة واشاعة مبدأ حقوق الانسان والديمقراطية, قد وصل الى اندونيسيا كما وصل إلى غيرها من البلاد, وشهدت في العام الماضي مجموعة من الاضطرابات أدت في النهاية إلى تفكيك حكم سوهارتو المركزي واعتزاله للحياة السياسية, وبدأت في اندونيسيا صفحة جديدة من الحريات واطلاق حرية تنظيم الاحزاب, وتقليص دور العسكر في السياسة. في شهر يناير الماضي عرض الرئيس الجديد لاندونيسيا يوسف حبيبي انه يمكن لمواطني تيمور الشرقية القيام باستفتاء يقررون فيه مصيرهم, وترك الأمم المتحدة تدير هذا الاستفتاء الذي تم في نهاية شهر أغسطس الماضي, وحصل المطالبون بالاستقلال عن اندونيسيا على 68% من تصويت الأهالي الذين تدفقوا على الاقتراع بكثافة, ولكن قلة من سكان تيمور الشرقية أو الذين قدموا إليها بعد سنة 1975 لم تعجبهم هذه النتيجة, فعاثوا فسادا في العاصمة, وحرقوا أو ذبحوا المواطنين, ونشبت أزمة دولية ومحلية انتهت بقبول اندونيسيا رسميا وجود قوات دولية لحفظ الأمن وقيادة تيمور الشرقية إلى الاستقلال. دول جنوب المحيط الهادي التي يهمها الاستقرار في تلك المنطقة مثل استراليا ونيوزيلاندا قررت تقديم المساعدة لهذه القوة الدولية, الحفاظ على الاستقرار كان هاجس هذه الدول حتى ان استراليا في الماضي اعترفت بسلطة اندونيسيا على تيمور الشرقية, بعكس كل الدول الغربية, حتى لا تكسب عداء هذه الدولة الكبيرة. لعل الحكومة الاندونيسية عندما وافقت على الاستفتاء الاخير, قدرت ان نتائجه ربما تقود إلى موافقة من تيمور الشرقية على البقاء في الحضن الاندونيسي خاصة بعد ربع قرن من الحكم المباشر, الا ان الامر جاء على عكس ما توقع اهل السياسة في جاكرتا, وهو درس بالغ التأثير لاهمية عدم الاستهانة بما ترغبه الشعوب. ولعل الدرس الثاني المهم ان المجتمع الدولي هو الذي تابع وضغط وهدد, وسواء من عواصم الدول الكبرى أو من خلال الامم المتحدة, للوصول إلى النتيجة التي تم الوصول اليها, ولم تلعب مؤسسات اقليمية في تلك المنطقة أي دور يذكر, رغم وجودها اساسا من اجل الحفاظ على السلام والامن في تلك المنطقة من العالم. ان العالم بعد تيمور الشرقية وبعد كوسوفو هو غير العالم قبلها, ولعل هذا التوجه العالمي سوف تتزايد الحاجة اليه, فليس من مصلحة دول كبيرة مثل الصين وروسيا أو الولايات المتحدة أن ينهار تنظيم الامم المتحدة بسبب وجود منظمات اقليمية تعنى ـ وهي عاجزة ـ بالسلم الاقليمي, كما ان العالم غير مستعد لان يعيد تجربة سقوط عصبة الامم فيما بين الحربين العالميتين, فالترتيبات الدولية من اجل حقوق الانسان وحق الشعوب في تقرير المصير وجدت لتبقى على الاقل في النصف الثاني من القرن الواحد والعشرين. وان كنا نحن العرب نريد ان نستخلص بعض العبر من موضوع تيمور الشرقية, فهي عبر واضحة المعالم لمن يريد ان يعتبر, اولها ان الدول مطلقة اليد في العنف بشعوبها, وان هذه الشعوب ليست وديعة لدى الحكام يفعلون بها ما شاءوا كيف شاءوا, وهو درس يسمع قريبا في العاصمة العراقية بغداد, بعد كل هذا الاستهجان بحقوق الشعب العراقي والمذابح الدورية التي تحدث هناك. اما الدرس الثاني, فان المنظمات الاقليمية ان لم تكن رشيدة وقادرة على ان تفصل الحق عن الباطل, وتقودها مجموعة مبادىء وليس مجاملات أو مصالح متقلبة, فان المجتمع الدولي لا يعنى بها أو بقراراتها, والمثال هذا ـ مع الاسف ـ هو وضع الجامعة العربية التي احتضنت اخيرا مجاملات لا معنى لها ـ للمتابع ـ ففي الوقت التي يطارد فيه العالم المسؤولين العراقيين بسبب ما ارتكبوه من جرائم بحق شعب العراق, تفرد الجامعة العربية مقرها للاشادة من قبل ياسر عرفات برأس النظام المطارد دوليا. كما لم يلتفت العالم إلى مؤسسات اقليمية لم تكن قادرة على الفعل في جنوب شرق آسيا بخصوص تيمور الشرقية, لن يلتفت ايضا لما نفعل في الجامعة, لانها تتصرف على عكس ما يفرضه تيار متسع يتنامى في العالم لفرض حقوق الانسان على سيادة ضبابية لحكومات لم ترع هذه الحقوق.