احسب ان ابرز اشكاليات العلاقة المصرية السودانية منذ استقلال دولتي وادي النيل في الخمسينات تكمن في ظاهرة الغياب المعرفي المتبادل, رغم اهمية كل بلد بالنسبة للآخر ورغم ان تاريخهما واحد ونضالهما ومصيرهما مشترك وليس على وجه الارض ما يفوق مؤهلاتهم الطبيعية لخوض غمار الوحدة, ثم ان حلول جميع مشكلات مصر في السودان والعكس صحيح, لكن تظل المعرفة بوابة العبور لانجاز الاهداف الاستراتيجية وتحقيق الاماني الشعبية واشهد ان المواطن السوداني يعرف كل شيء عن مصر حتى وان لم تتح له فرصة الزيارة والمعيشة واظن ان معظم اللوم يقع على النخب المصرية قبل العامة, فبينما تعرف الكثير على دول الخليج وأوروبا وامريكا لايكاد ادراكها المعرفي يعي الهام من مفردات الواقع السوداني بتنوعه الثقافي والعرقي والروحي وابعاد مشكلاته المستفحلة, ولا كلفت نفسها بوضع السودان ضمن اجندتها السياسية او السياحية, ولا ادل على ذلك من غياب السودان في برامج الاحزاب المصرية بلا استثناء حتى معهد شؤون السودان الذي ظل ينهض ابان الحقبة الناصرية بتخريج كوادر الدارسين المؤهلين لفهم السودان والتعامل الصحيح معه, تقرر اغلاقه في عهد الرئيس السادات لاسباب مجهولة ودمج الدراسات السودانية في برامج معهد الشؤون الافريقية, ثم ان الاهتمام بتدريس شؤون السودان في مناهج الدراسة الاعدادية والثانوية المصرية تراجع الى حد خطير, حين اقتصر على الجغرافيا الطبيعية والبشرية لافريقيا بشكل عام, في الوقت الذي تفتقر صحافتنا واجهزتنا الاعلامية الى ندرة المتخصصين في شؤون السودان بينما كان للصحف المصرية مراسلون من القرن التاسع عشر ومكاتب فرعية في السودان توافيها برسائل يومية او اسبوعية منتظمة من الخرطوم, الآن لم يعد يأتي ذكر السودان على صفحاتها اللهم ان يبتلي بحادث جلل او تعرض مصالح مصر في السودان لخطر فحسب, حتى برامج ركن السودان الاذاعي الذي تحول الى اذاعة وادي النيل لايزال يغلب على توجهاتها وخطابها العام النظرة القطرية للسودان حتى اقتصر الاهتمام بمتابعتها تدريجيا على المستمع السوداني فقط, واذا كان ذلك مطلوبا ومفهوما خلال حقبة الخمسينات, فالمطلوب الآن توزيع برامجها على مختلف الاذاعات المصرية وفق خطة اعلامية تستهدف زيادة الوعي المعرفي لدى الشعب المصري بالشأن السوداني وخاصة ثقافته ووجدانياته! واقولها بكل صراحة وتجرد ان حالة الغياب المعرفي السائدة الآن في مصر ازاء الشأن السوداني ان لم نعالجها بالتنوير والعلم والمعرفة والاعلام, فنخشي ان تؤدي على المدى البعيد الى سد الابواب في وجه ما يصبو اليه الشعبان في الوحدة أو التكامل او مجرد ترشيد العلاقات وضمان ازدهارها اولا لانها تتناقض مع الادعاء بأن الشعب السوداني شقيق وان العلاقات المصرية السودانية (ازلية) . وثانيا: ان هذا الغياب المعرفي بات الآن يعكس اختلالاته على آليات التعامل الشعبي والرسمي بشكل تلقائي مباشر. على سبيل المثال الشعب السوداني يدين بالوفاء لمصر عندما فتحت ابوابها لنحو مليون او ثلاثة ملايين سوداني يجدون في رحابها الملاذ الآمن والاقامة الكريمة وحقوق المواطنة المتساوية مع الشعب المصري, ويتفهمون جيدا متطلبات وضوابط الامن القومي المصري التي فرضت عليهم ضرورة الحصول على تأشيرة رسمية مسبقة لدخول مصر صادرة من قنصلياتها في اي من عواصم العالم. لكن المشكلة تثور بمجرد وصولهم الى المطارات والموانىء والمنافذ المصرية اذ بمجرد تقديم جواز السفر الازرق الى ضابط الجوازات حتى يدرك جنسية صاحبه السودانية ويشير عليه بالانتظار فترة من الوقت الى حين مراجعة اسمه على قوائم الممنوعين من الدخول, ورغم ان هذه المراجعة لا تستثني المصريين والاجانب بأسلوب كريم وغير منظور ولا تستغرق سوى دقائق عبر الكمبيوتر, إلا ان السوداني وحده عليه الانتظار فترة طويلة من الوقت قد تستغرق ساعات في بعض الاحيان الى جوار المشبوهين وشذاذ الآفاق, وبعض القادمين الى مصر من اهل السودان مريض او كهل او ام لاطفال صغار وبعضهم من ذوي المكانة الاجتماعية الرفيعة يقفلون راجعين من حيث اتوا احتجاجا! والادهى والامر بالنسبة للسوداني الشقيق حين يلاحظ التفرقة في المعاملة مع الاجانب والسياح وبينهم من يحمل الجنسية الاسرائيلية, فلا يحجزون لمراجعة جوازاتهم بل وتمتد التسهيلات السياحية الى اعفائهم من التفتيش الجمركي, والخروج سريعا من المطار بل غيرهم, فهل للكيل بمكيالين صلة بالخلاف المرير الذي ظل يراوح مكانه بين القاهرة والخرطوم منذ انقلاب الجبهة الاسلامية والاستيلاء على السلطة في السودان عام 1989, وما يتردد عن ضلوع نظام البشير الترابي في محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا, او اتهام السودان بايواء جماعات الارهاب الاصولي وتسللهم الى مصر لزعزعة امنها واستقرارها! يبدو ان ذلك صحيحا, لكن ماذنب الشعب السوداني حتى يعاقب على اخطاء حكامه, الا يكفي كونه ضحية استبدادهم, فاي حكمة او فائدة من الكشف للمرة الثانية على اسماء السودانيين في قوائم الممنوعين من الدخول الى مصر, اذا كانت العملية قد تمت بالفعل عبر القنصليات المصرية, والا مامنحتهم تأشيرات دخول صحيحة وسارية الصلاحية. اما ان كان الامر يتعلق بالمعاملة بالمثل, عندما ارتكبت الحكومة السودانية اجراءات تعسفية مع خبراء الري والبعثة الدبلوماسية المصرية, واستولت على مساكنهم واستراحاتهم , وكذا مصادرة المدارس المصرية في السودان وفرع جامعة القاهرة بالخرطوم, الا ان الانفراجة الراهنة, التي تشهدها العلاقات المصرية السودانية, واضطلاع القاهرة بمبادرة الوساطة لرأب الصدع السياسي بين الحكومة والمعارضة السودانية, تستدعي ضرورة التسريع برفع المعاناة عن الاخوة السودانيين الذين يقصدون مصر, ثم ان مصر اكبر من ممارسة اسلوب المعاملة بالمثل مع الشعب السوداني الذي وقف معها دوما في الشدائد, وعلينا ان نتذكر موقفه القومي النبيل في اعقاب نكسة يوليو 1967, عندما احتضن اسطول مصر الجوي والبحري والكلية الحربية, وفي كل الاحوال يتغير الحكام وتتبدل السياسات هنا وهناك, ويظل الدوام والخلود لشعبي وادي النيل, ومن اجل تجنيب علاقاتهما المضيئة المواجع والشكوى, وتنقية الادراك المعرفي المتبادل من الشوائب .. وتعزيز آلياته كتبت .. والله من وراء القصد.