كثيرا ما طرحت على نفسي وطرح على سؤال وجيه, كنت أتوقف عنده قليلا ثم أتجاوزه إلى اهتمام أوشاغل سواه, استنادا إلى ما أظنه مسلمة من المسلمات, أعني قدرة الثقافة على التغيير ومسؤولياتها عن الواقع, والسؤال هو: إلى أي حد يمكن ان تكون الثقافة مسؤولة عما يحصل من ترد في الاوضاع السياسية والاجتماعية العربية, والى أي مدى يمكن أن تكون منقذة أو قادرة على ممارسة دور المنقذ في هذا المجال؟ هل الثقافة قادرة, في الاوضاع العربية الراهنة أو في أية اوضاع اخرى, على أن تقوم بدور رئيسي في صنع الحدث أو صنع القرار, ومن ثم قادرة على ممارسة فعل بحرية يرتب عليها وعلى أهلها مسؤولية؟! وهل تملك أصلا أن تخرج من حاشية السياسي لتكون مغايرة وذات موقف مغاير وفعل مغاير, أم أنها محكومة بالرؤية السياسية وظلالها ومعطياتها بشكل أو بآخر؟! ولا تستطيع ان تجد منفذا الى الناس الا من خلال القنوات التي تسمح بها السياسة او تسمح لها بإيصال ذلك الذي ترى ان يصل الى الجمهور!؟ وهل الثقافة اصلا منظومة موحدة المواقف والاهداف والرؤى لتمارس فعلا يؤدي بها الى أن تمتلك القوة وسلطة القرار ومن ثم سلطة الأمر والنهي على أرضية وحدة الموقف والهدف, أم أنها مجموعة حزم مشعة من الآراء والاجتهادات والمواقف والأفكار والرؤى التي قد تتضارب أو تتناقض أو تتقارب, ولكنها لاتتطابق ولاتشكل بمجموعها محصلة قوة تساوي مجموع قوى شرائحها وتياراتها, ولاتشكل كتلة مصلحية واحدة ـ مثل الكتلة التي تشكلها التنظيمات العسكرية ـ تكون لها وحدة موقف وشوكة خضادة؟! وهل هي صاحبة قول فصل في الامور ام انها اقرب الى ان تقف دائما عند حدود التوق والسعي والحلم والتمني, من خلال صوغ الكلام وإعادة انتاجه واجتراره, والنضال في ساحاته ومساحاته, يتناوبها, خلال ذلك, الشك واليقين فيما تقول وفيما يمكنها ان تحقق مما تقول, وفي بحثها المستمر عن الممكن التحقق, ويخوض أهلها معاركهم في مناخ السياسة وتحت وطأتها وألويتها احيانا, وبإيعاز ومباركة منها في كثير من الأحيان؟ ويغلب, في مجالاتها, ان يتوسل اهلها بوسائل شتى إلى أهل القوة ومالكيها ليكون اولئك هم مصدر تنفيذ الفكر والرؤية واداة ذلك, بعد اقتناع وتوافر مصالح وتشرب لشهوة التسلط أو عزف على أوتار تلك الشهوة في النفس البشرية ـ وهي تواقة الى سماع مثل ذلك العزف في الأغلب الأعم ـ وعندما يصل اولئك الى المواقع المنشودة, بدفع ثقافة أو دفع معطياتها وإيحاءاتها, يصبحون السلطة وتضمحل سلطة الثقافة اكثر على ايديهم, فيعود اهل الثقافة الى النشيد والنشيج والتخبط في مدى الاحباط من جديد؟! تأثير الثقافة مما لا شك فيه ان الثقافة مؤثرة, ومؤثرة إلى حد بعيد, في الفعل الحياتي, اليومي وبعيد الامد, وهي التي تكون الاجيال وحكام المستقبل وتقود القوة وتوجهها في حالات, ولكن ذلك لا يتسنى لها الا بعد جهد ونضج ووقت وتراكم عطاء وحسن توظيف لذلك العطاء, ولا يمكن ان يظهر تأثيره من دون تنظيم تقيمه أو يكون قائما فيتبنى طروحاتها, ويضع البرامج لما تقدمه من نظريات, ولا تستطيع ان تضبط اداءها وتجعله ناجزا وناجعا من دون الاعتماد على شرائح بشرية واسعة تتغلغل في الجموع وتؤثر فيها وتقودها إلى حيث تريد, وهذا ما يحققه الاطار التنظيمي الذي يتبناها, وهو اطار غير متجانس بالضرورة, ولا يمكن ان يكون متمثلا للافكار والرؤى والغايات بدرجة متساوية, كما انه قد يكون تنظيمات تؤدي اليها انتماءات ثقافية وفكرية متضادة, تجعل الثقافة اصل الخلاف والانشقاق. وعلى ذلك فان فعل الثقافة وتأثيرها يظلان مرهونين بمصداقيتها وانتشارها ووحدة أهدافها وبقدرتها على التوحيد وعلى الاقناع بما تقدمه, وكذلك بقدرتها على جذب القوة الى جانبها, وبكون ذلك الذي تقدمه في المحصلة النهائية على تماس مباشر بشواغل الناس ومشاكلهم ومعاناتهم وتطلعاتهم, من جهة, وبما يتبقى من مقولاتها ورؤاها وثوابتها ومشروعها, بعد ان يرشح عبر أواني التنظيم المستطرقة, وتتم المواءمة بينه وبين مصالح من (يتطوعون) لترجمته الى افعال ومواقف وإنجازات, من جهة اخرى. ويتوقف الأمر من بعد على المناخ الملائم والقدرة على الاقناع والتأثير والتجسيد, وعلى ردم الهوة القائمة حكما بين التنظير والتطبيق, الشعار والممارسة, الواقع والمثال, وعلى ردم ما ينشأ على هوامشها من فجوات بين الاعتناق والتجسيد, المحكوم بدوره بأداء مشوب بدرجات من البيروقراطية, وبما تحمله نفوس البشر من أدران وشوائب وأغراض وأمراض. وكثيرا ما يتركز النظر والتفكير وينحصران, عند الحديث عن الثقافة, في الكتابة وما ينشأ عنها, أي في عمل الكتّاب والأدباء والمفكرين وأهل القلم وما ينتجون, وهي عملية اجتزاء مشروعة عند من يقوم بها, لا تريد ان توسع المفهوم ليشمل الثقافة بمعناها الواسع الذي يضم كل المتعاملين في الحياة مع منظومة المعرفة والعلم والمعلومات ومع دائرة الابداع والتربية والتعليم بمراحله ودرجاته ومستوياته المتعددة, في اطار الوعي المعرفي, وإفادة واستفادة. وهذا توجه له مبرراته ومؤيداته ومنطقه, لأن مرتكز الفعل الثقافي هو الفكر والرأي والرؤية, في جدلية ايجابية مجدية مع الحياة, في اثناء الانغماس الكلي في شؤونها وشجونها. والحياة تحكمها القوة أو تتحكم بها, فهل تحكم الثقافة القوة على نحو ما؟ ان الثقافة في المحصلة قادرة على توجيه القوة, ولكنها لا تستطيع ان تزعم لنفسها القدرة على ضبط الاداء وضمان النتائج التي يمكن ان تسفر عنها القوة وممارستها, ذلك الذي يتم عبر شرائح التوجيه والاداء الاجتماعيين وعبر قنوات التوصيل وأدوات الانتاج البشري وغير البشري, التي تشكل بمجملها جهاز ترجمة الافكار والنظريات الى سلطات وأفعال وممارسات ومنجزات, كثيرا ما تغضب السياسة والثقافة معا, ولكنها في مجملها تسفر عن اغضاب الثقافة أولا, ولذلك تتحول الثقافة بعد كل مشروع تقدمه أو تبشر به, ويدخل حيز التنفيذ, تتحول من النظر في مرآة الخيال التي تزينها الآمال, الى النظر في مرآة الواقع التي تقدمها الاعمال, فتقف على معالم المشروع الذي حلمت به أو تخيلته, وعندما تكتشف الهوة بين التصور والواقع, تتناءى عن مشروعها وتتحول الى منتقد له, معرض عنه, متنصل منه, ثم ثائر عليه, وتشرع بالتفكير في مشروع جديد أو بتحضير نفسها للانقضاض على ما كان مشروعها لتنشىء على انقاضه المشروع الجديد. هذا فعلها بمشروعها, اما اذا كان المشروع ليس مشروعها, أي مما تعترض عليه وتناقضه اصلا, فهي تدخل في خصومة معه منذ البداية وتعمل على تدميره من دون هوادة. وهكذا تبقى في عملية هدم وبناء نتيجة لخصوماتها أو لما تصاب به من خيبات أمل أو ما يلحق بها من احباط, وكذلك جراء ما يكون من نقص في مشروعها أو جراء مصادمتها لمشاريع سواها, وقد يكون فعلها ذاك من طبائع الأمور في عالم يبحث عن التجدد والكمال, والثقافة على هذا تبقى فرسا شموسا وحصانا حرونا بنظر أهلها وغير أهلها, أيا كانت الاسباب التي يصدر عنها فعلها, لأنها دائما في اعتراض وحَرَد, وتمرد ولدد. نقطة البداية ولنا ان نتساءل: هل هذا ناتج عن المدى الشاسع القائم أصلا بين التنظير والتطبيق, التخييل والواقع المثالي والممكن؟! ام أنه ناتج عن التعلم بالممارسة, واكتشاف الخطأ بعد الاندفاع الصاخب في العمل على أساس عصموي؟؟ ام انه نضج يتم بالتدريج وهو من طبيعة الأشياء والأحياء في الحياة, ولكنه يعلن عن نفسه بتظاهرات ثورية شديدة الصوت أو شديدة البطش؟! ان كل ذلك ممكن, ولكنه في المحصلة لابد ان يضعنا بمواجهة السؤال الأول الذي انطلقنا منه في البداية: هل الثقافة العربية قادرة على التغيير في كل الأوضاع العربية الراهنة؟! أقول ان الثقافة العربية, شأنها شأن كل ثقافة عريقة ناضجة قادرة على التغيير في كل الحالات والأوضاع, وهي بالتالي قادرة على التغيير في ظل الأوضاع العربية الراهنة, وكل استقراء لتاريخ الأحداث القريبة والبعيدة يفضي إلى ذلك الاستنتاج, ولكن على الثقافة العربية ان ترتب بيتها وان تحدد أولوياتها, وتضع برامجها, وتختار أساليبها, وتعرف بيئتها والمعطيات التي تحيط بها جيدا, لتبدأ مسيرة التغيير بثقة ودراية واقتدار. والباب الذي يعلن عن انه موصد في وجهها, وان ايصاده يصادر كل قدرة لها على التحرك, أعني باب الحرية عموما وحرية التعبير بوجه خاص, هو باب يفتح بالوعي والمسؤولية والحكمة والقدرة, وتنتزع مفاتيحه انتزاعا في حالات, وتلك معطيات الثقافة وأدواتها والتحديات التي تتصدى لها, فلا يعترض أحد على ممارسة واعية لحرية مسؤولية تقدم بدورها خدمة للحق والشعب والوطن وتوسع مدى الحرية وتجدد افقها بالمعرفة في ظل الانتماء والاخلاص والرغبة في البحث عن فعل ايجابي المردود والنتائج, يتم قصده من دون صخب اثارات واستثارات, من جهة, ومن دون تجريح أو استفزاز أو تسفيه, من جهة أخرى. ولا تستطيع قوة على المدى البعيد ان تمنع الفكر, عماد الفعل الثقافي وأساسه, من الوصول إلى الناس والتأثير فيهم, حتى في ظل سيطرة السلطة على وسائل الاتصال ويبقى الأمر منوطا بقدرة الفكر ذاته على الاقناع بأطروحاته ومنطقه ومشاريعه وتوجهاته وبالرؤية التي يقدمها والمصداقية التي يحملها وعلى جرأته وثقته بالذين يختار التوجه إليهم ويضع في أيديهم مصير مشروعه, وربما مصيره ومصداقيته. وأكاد أجزم بأن نجاح أي مشروع تقدمه الثقافة يتوقف على السلامة الخُلُقية في ذلك المشروع, وفي المجتمع أو في الشرائح البشرية التي تقوم بمهام تنفيذه على الأقل, فالأرضية الخُلُقية المتينة والسليمة تشكل ضمانة النجاح الأولى لأي مشروع نهضوي حضاري تتقدم به الثقافة أو سواها للمجتمع. والثقافة العربية قادرة على الاداء الناجح في هذا المجال, إذا انضجت رؤيتها بالحوار البناء, على أرضية الثقة والاحترام مع التيارات والفئات التي تشكل جبهة الثقافة ـ ان صح التعبير وصح الوصف ـ وتشكل جبهة الأداء والانجاز, فهي في حالة صوابية الرأي وصدق الرؤية وسلامة النية والقصد, تدخل حالة من حالات نشوة الوعي وانتشاره بحماسة كافية لتحويل الاقتناع إلى ايمان عميق, تبذل التضحيات من أجل تحويله إلى صرح من الانجازات التامة باخلاص وحرص وحسن أداء وتحقيقا للأهداف التي وجد من اجلها اصلا. فهل تنجح الثقافة العربية في ترتيب بيتها, وتحديد أولوياتها وانضاج رؤيتها, واختيار أساليبها وأدواتها, لتتمكن من تقديم مشروع وتجسيده, وصولا إلى استعادة المكانة والثقة في آن معا؟! ان ذلك هو السؤال الذي تتوقف عليه الاجابة عن السؤال الأساسي في حياتنا ومواجهاتنا, ورغبتنا في مجاوزة العجز والتخلف, وأخذ نصيب من الريادة في علوم العصر وفنونه ومجالات التفوق التقني وامتلاك القوة العسكرية والاقتصادية التي تشكل أهم معطياته. * الأمين العام لاتحاد الكتاب العرب