يرى صموئيل هننتون في كتابه المعنون (تصادم الحضارات) ان العجرفة التي ينسبها الى الغرب اعمته عن معرفة الطبيعة الحقيقية للسياسة العالمية وكتب هننتون انه بينما يطلق السياسيون الامريكيون العنان لوهمهم الساذج بقدوم نزعة عالمية ليبرالية فإن البلدان الاسيوية تتأهب لمكافحة التطفل الامريكي على مجالات نفوذ تلك البلدان, ويرى ان اخلاق العمل الكونفوشية مسؤولة عن التقدم الاقتصادي الذي حققته بلدان اسيوية , وان هذه البلدان تستعد للاستغناء عن الولايات المتحدة بوصفها قوة عسكرية وثقافية واقتصادية. ومن الخطأ الاعتقاد ـ كما يوميء هننتون فيما يبدو الى ذلك بإن ثمة انسجاما بين الحضارات. هذا الاعتقاد يحجب حقيقة جلية هي ان منازعات كثيرة في كل القارات تنشب بين الحضارات وداخلها. وليس من باب المصادفة ان بلدانا تنتمي الى حضارة واحدة وتقع في قارة او منطقة واحدة, ترد ردا مختلفا على الاحداث العالمية وعلى السياسات والاستراتيجيات التي تضعها وتتبعها دول تنتمي الى حضارات اخرى وتقع في مناطق اخرى. اتهام الآخر ويوضح الفصل الاخير من كتاب (تصادم الحضارات) تفكير مؤلفه وهو ان الهوية القومية الامريكية واقعة تحت الحصار حيث تشعر بلدان بأنها مهددة بالسيطرة الثقافية الامريكية, غير ان هننتون يتخوف من تأثير تلك البلدان في الهوية القومية الامريكية. لقد مجد هننتون العقيدة القومية الامريكية في كتابه المعنون (السياسة الامريكية) ويبدو انه كان متفائلا بهذه العقيدة, ولكنه على ما يبدو لم يعد كذلك فهو يعتقد ان تعددية الثقافة تدمر الولايات المتحدة, ووفقا لهننتون: (الثقافة الغربية تتحداها جماعات داخل المجتمعات الغربية, واحد هذه التحديات مصدره مهاجرون من حضارات اخرى يرفضون ان يستوعبوا, ويواصلون التمسك بقيمهم وثقافاتهم بقيم مجتمعات مسقط رأسهم وعاداتها وثقافاتها والدعوة لها وهذه الظاهرة اشد ملاحظة بين المسلمين في اوروبا وهي ظاهرة ايضا, الى حد اقل, بين الاسبان من امريكا اللاتينية في الولايات المتحدة. غير ان بيان هننتون هذا غير صحيح ان الاسبان من امريكا اللاتينية وايضا من البرتغال واسبانيا من بين اشد الامريكيين وطنية. وواصل هننتون طرح آرائه قائلا: ان الهوية القومية الامريكية تاريخيا حددتها ثقافيا تركة الحضارة الغربية وسياسيا مبادىء العقيدة الامريكية, وكتب محذرا انه اذا جردت الولايات المتحدة من صبغتها الغربية فان الغرب يمكن أن يكون مقصورا على اوروبا وقلة من بلدان الاستيطان الاوروبي عبر البحار, القليلة السكان. ويدعو هننتون الولايات المتحدة الى أن تنبذ النزعة العالمية على الصعيد الداخلي والصعيد الخارجي ويرى انه اذا تعددت الحضارات في الولايات المتحدة تغيرت ولن تكون الولايات المتحدة, انها ستكون الامم المتحدة. ان رأي هننتون هذا مشكوك في صحته لقد احتوت الولايات المتحدة على نحو دائم مجموعات عرقية واثنية مختلفة هاجرت اليها من شتى ارجاء المعمورة في البداية من اوروبا, ونقل اليها الزنوج من افريقيا الغربية ليساهموا في وضع البنية الاساسية للبلد, وهاجر اليها ايضا عدد كبير من سكان امريكا اللاتينية واحد الفروق القائمة في الوقت الحاضر هو ان مجموعات جديدة تشاطر الصفوة الانغلو سكسونية القوة والنفوذ. وفي الحقيقة ان مجموعات اثنية غير منتمية الى الشعوب الانغلو سكسونية دخلت منذ عشرات السنين الصفوة السياسية الاقتصادية في الولايات المتحدة فمنذ الفترة الاولى من الحرب الباردة دخل افراد واقليات من قبيل الكاثوليك واليهود في صفوف هذه الصفوة وان بيل ريتشاردسون سفير الولايات المتحدة السابق لدى الامم المتحدة وهو منصب رفيع المستوى في مجال السياسة الخارجية ومعادل لمنصب الوزارة, من اصل مكسيكي. يبدو ان هننتون يتخوف من تعزيز النزعة الاثنية في الولايات المتحدة في مقاله الذي نشر في مجلة (فورين افيرز) في سنة 1997 كتب ان السياسة الخارجية الامريكية تتحكم بها جماعات الضغط الاثنية وقال ان التعددية الثقافية اصبحت متغلبة, وان المصالح القومية الامريكية لم تعد قائمة, وان الخيار الوحيد للولايات المتحدة هو ان تنبذ النزعة العالمية. المنطق الاستعلائي ان الافكار التي اعرب هننتون عنها توحي بان المحافظين في الولايات المتحدة لديهم استياء كبير مما آلت اليه حالة البلد لقد قطعت الولايات المتحدة شوطا باتجاه تهميش عاملي اللون والانتماء العرقي في الحياة الامريكية وتحاول ان تصبح مجتمعا لايبالي باللون وبالانتماء العرقي وفي الوقت نفسه يندفع هننتون وعدد اخر من المحافظين اندفاعا قويا ضد حركات تدعو الى التعددية الثقافية, ووصف المهاجرين بأنهم تهديد للنظام الجمهوري الامريكي. ومن المحافظين الذين يندبون الحالة القائمة في الولايات المتحدة هنري كيسنجر وويليام باكلي الصغير وباتريك بوكانان والكسندر هيغ الذي كان وزيرا للخارجية في عهد رئاسة رونالد ريجان والذي يرأس مجلس سنغافورة ـ امريكا لقد مدح هؤلاء وغيرهم (القيم الاسيوية) والنشاط الاسيوي حيال ما وصفوه بانه الكسل الامريكي وبعد ضرب الشاب الامريكي مايكل في بالسوط في سنغافورة كتب بوكانان: ان بعد صفوتنا عن الواقع... ادى الى الشلل الخلقي حينما يتعلق الامر بمعاقبة اعداء محليين وينسب الى هيغ قوله هنا في مجتمعنا لسنا مثالاً طيباً ورأى هيغ ان سنغافورة في حالة افضل, فبتوجيه من لي كوان بيو حققت سنغافورة التقدم الكبير ولكن بطراز يناسب سنغافورة. وفي مكان اخر من كتابات هننتون اقترح بدافع من خوفه من هجرة المهاجرين الى الولايات المتحدة وهي هجرة يعتبرها مصدر شر مرتقب لهذا البلد, ومن نتائج مايعتبره صراعا حضاريا, بان تغير الولايات المتحدة سياستها الخارجية وان تعود الى السياسة الخارجية القائمة على تقسيم القارات الى مناطق نفوذ. والسؤال الذي يمكن للمتتبع لفكر هننتون ان يطرحه هو لم المرور بكل هذه الالتواءات المتعلقة بالحضارة والثقافة والصراع والتعددية الثقافية والتجانس الثقافي للتوصل الى هذا الاستنتاج القديم, والى هذا المذهب مذهب التقسيم الى مناطق النفوذ الذي مورس في الماضي ولايزال يمارس في مناطق مختلفة, ويعتقد هننتون وهو ينطلق من منطلق الانتماء الغربي بان العالم الانغلو سكسوني, الولايات المتحدة وبريطانيا مع بضع دول اوروبية ودول من قبيل استراليا وكندا, ينبغي له ان يشكل سلطة عليا ضد الجماعات الافريقية والاسيوية والاسلامية. والحقيقة هي ان الولايات المتحدة ليست دولة ذات نزعة انعزالية وهي لاتزال توسع قوتها في الخارج, واليوم للولايات نفوذ في شتى مناطق العالم او سيطرة عليها ولديها التزامات ازاء دول ومنظمات دولية كثيرة وهي عضوة في كثير من المنظمات الامنية الاقليمية والدولية, ولديها مصالح استراتيجية في كثير من المناطق منها منطقة الشرق الاوسط ومنطقة الخليج وامريكا الوسطى والشرق الاقصى وجنوب شرق اسيا. وتوجد مساحة او خط متوسط بين النزعة الدولية التي يحتضنها الان قسم من الصفوة الفكرية والسياسية الامريكية, والنزعة الانعزالية القائمة التي يبدو ان هننتون يحتضنها الان, ولاندري مدى وعي هننتون بوجود هذا الخط, ومما له صلة بالموضوع ما كتبه ادم واتسن, الذي كان من المنظرين البريطانيين المشهورين في مجال السياسة والعلاقات الدولية, رأى واتسن في كتابه (تطور المجتمع الدولي) مثله مثل هدلي بول وغيره من علماء السياسة البريطانيين ان من الخطأ القيام باسقاط نظرية توازن القوى او غيرها من نظريات النظم التي تميل الى ايجاد التجانس او التناسب بوسائل اعتباطية او عنيفة على السياسة العالمية. ورأى واتسن ان النمط السائد كان ان تسيطر دولة واحدة على سبيل المثال الدولة البريطانية او الرومانية او الاشورية او العربية الاسلامية في العصور الوسطى, على البقية, ولايوجد سبب للافتراض بان الولايات المتحدة لاتتبع هذا المسار ويرى واتسن ان العلاقات بين الدول لم تكن قائمة تاريخيا على الفوضى ولكن على احكام منظمة للعبة القوة السياسية, وهي احكام ارستها وانفذتها دولة عظمى واحدة. وتتوقف قدرة الولايات المتحدة على ايجاد هذا النظام او يتوقف عجزها عن ايجاده, على عوامل كثيرة مختلفة منها مهاراتها التكنولوجية ومواردها الفكرية والمالية والاقتصادية وقوة حوافزها الاقتصادية والاستراتيجية. استاذ الدراسات الشرق اوسطية ـ الولايات المتحدة