استقلال تيمور ومستقبل أندونيسيا على طريق الانتخابات الرئاسية المقبلة، بقلم: رضي الموسوي

هل كانت اندونيسيا المثخنة بجراح الأزمة الاقتصادية والسياسية, في حاجة لضغوطات دولية كي تقبل أخيرا ارسال قوات دولية لحفظ السلام في اقليم تيمور الشرقية الذي حصل على الشرط الأول للاستقلال اثر الاستفتاء الشعبي أواخر شهر أغسطس الماضي وفاز فيه مناصرو الاستقلال بنسبة78.5بالمائة من اجمالي المشاركين الذين بلغت نسبتهم98.6بالمائة من الذين يحق لهم المشاركة في هذا الاستفتاء الدموي فبعد اسبوعين من الاستفتاء الذي نظم تحت اشراف الأمم المتحدة, قال شعب تيمور الشرقية كلمته الفصل في الانفصال عن اندونيسيا, بعد اربعة وعشرين عاما من ضم الأخيرة للاقليم, كلن صناديق الاستفتاء ونتائجها لم تكن كافية لاقناع الميليشيات الموالية لجاكرتا بالموافقة على استقلال الاقليم, فبدأت في عمليات القتل والتهجير والسلب والنهب, أي تحولت هذه الميليشيات إلى عصابات تسفك الدماء وتحرق الأخضر واليابس على مسمع ومرأى من قوات الأمن الاندونيسية. كل ذلك في اطار محاولات هستيرية لتغيير نتائج الاستفتاء الشعبي, فقد سجلت العديد من المصادر نزوح قرابة مائتي ألف شخص من الاقليم باتجاه تيمور الغربية والمناطق القريبة والجبال, من أصل ثمانمائة ألف نسمة هم عدد السكان, أي ان ربع المواطنين هناك تم تهجيرهم خلال اسبوعين فقط! قبيل الاستفتاء ردد قادة الميليشيات المسلحة الموالية للحكومة المركزية في جاكرتا, ان نسبة 60 بالمائة لصالح الاستقلال لا تكفي لانفصال تيمور عن اندونيسيا, لكن النسبة فاقت السقف المحدد من قبل هؤلاء, ومع ذلك تحول الاقليم إلى ساحة حرب وقتل, وهذا يعني ان قرار التدمير كان قد اتخذ. هذا الارباك الذي اتسمت به قيادة اندونيسيا في ادارتها لعملية الاستفتاء واعمال العنف يعكس معطيات الواقع السياسي في البلد (الأم) فتيمور الشرقية ليست اقليما غنيا كي تتمسك بها اندونيسيا لدرجة تهديدها بقطع المساعدات المالية عنها وتوقيف أو تجميد برنامج تسلحها من الولايات المتحدة, فالاقليم يعتمد بشكل رئيسي وبنسبة تقترب من 90 بالمائة على اندونيسيا في الجانب الاقتصادي, ولا يزيد متوسط دخل الفرد فيه عن ثلث متوسط الدخل في باقي أنحاء اندونيسيا التي لا يزال يعاني شعبها من جراء الأزمة الاقتصادية التي عصفت بها وبدول أخرى في آسيا قبل عامين, ويعاني الاقليم من فقر شديد أسهم في اشاعة الأمية والوفيات المبكرة للاطفال حيث تسجل هناك أعلى النسب العالمية. وما دام الأمر كذلك فإن الأسباب التي تجعل من جاكرتا تصر على تمسكها بالاقليم ليست في ثرواته, كما ان التاريخ الذي اجتاحت فيه قواتها تيمور الشرقية ليس بعيدا. فبعد قرابة ثلاثمائة عام من الاحتلال البرتغالي للاقليم, وكعادة أي استعمار, قررت البرتغال سحب قواتها بشكل مفاجئ في العام 1974م ليدخل الاقليم في حرب أهلية طاحنة استمرت حتى ديسمبر من العام 1975م, حين قرر الرئيس السابق لاندونيسيا الجنرال سوهارتو ضم الاقليم بعد تسع سنوات من انقلابه على الرئيس الاسبق (سوكارنو), ثم قررت جاكرتا في العام 1976م ضم تيمور الشرقية الى باقي الاقاليم الاندونيسية, ولم يعترف العالم بحالة الامر الواقع الجديدة, حتى فتكت الازمة الاقتصادية بالبلاد وحولت النمر الآسيوي القوي الى قطة تئن وليتحول ثلثي الشعب الذي قوامه اكثر من مائتي مليون نسمة الى فقراء وعاطلين عن العمل وتغرق اندونيسيا في تراكم الديون الخارجية وشروط الدول والمؤسسات الدولية الدائنة ويسقط سوهارتو تحت ضغوطات الطلبة والفئات الاجتماعية الاخرى, لتجري عملية ترقيع في النظام السياسي, ولم يكن هناك إلا نائب الرئيس كي يتبوأ منصب الجنرال المخلوع بينما بقى الرجل القوي الجنرال ويرانتو في منصبه كقائد للجيش ووزير للدفاع في مرحلتين سوهارتو وحبيبي. لقد افرزت سياسة سوهارتو والعسكر طوال اثنين وثلاثين عاما من الحكم (1966 ـ 1998) شعورا متزايدا ينزع الى التفكك, خاصة في ظل نهب الثروات التي تمركزت في عائلة الرئيس السابق والمقدرة باكثر من اربعين مليار دولار, وعدم التوجه لتحقيق برامج تنموية حقيقية قادرة على خلق واقع اقتصادي واجتماعي مواز لسمعة النمر الآسيوي. ولم تكن تيمور الشرقية سوى الحلقة الضعيفة كونها اقليم تم ضمه وسكان غرباء وبالتالي فإن التعاطي معه لن يكون افضل من التعاطي مع بقية الاقاليم. فخروج الاقليم من احتلال غربي الى احتلال آسيوي ابقى الفقر والحرمان وكل الامراض الاجتماعية. وفي ضوء ذلك, وحين حانت الفرصة لسكان الاقليم لم يكن امامهم سوى مناصرة الاستقلال وانشاء دولتهم بعيدا عن سلطة الجنرالات والميليشيا التابعة لهم, بالرغم من المستقبل الغامض الذي ينتظر الدولة الموعودة بسبب فقر مواردها وثرواتها الطبيعية, والآمال غير الواقعية بتعزيز العلاقة مع كل من استراليا ونيوزيلندا القريبتين وادارة الظهر لجاكرتا. ومن جهة اخرى, هناك اسباب غير مرئية للجيش الاندونيسي في مشاركته الفاعلة ازاء ماجرى في تيمور الشرقية. فكلما اقتربت الانتخابات الرئاسية من موعدها, ازداد الجنرالات استفزازا, خاصة وان الانتخابات البرلمانية قد انتجت قوى اخرى حيث فشل الحزب الحاكم في تحقيق الاغلبية التي ذهبت الى حزب ابنة الرئيس الاسبق (سوكارنو), مايعطي انطباعا بان المستقبل قد لايكون للجيش وجنرالاته, خاصة في ظل الازمة الاقتصادية التي لاتزال قائمة, وهذا يعني ايضا ان سلطة الجيش قد تفقد جزءاً لابأس به من قوتها اذا ماجاء لسدة الرئاسة شخص غير بحر الدين حبيبي التي ترجح التحليلات انه سوف يفشل امام مرشحة المعارضة. لقد فقدت جاكرتا مصداقيتها امام الخارج عندما ضربت نتائج الاستفتاء الذي وافقت على اجرائه في الاقليم المنكوب عرض الحائط, وهي بحاجة الى فترة طويلة لكي تغير نظرة العالم. * كاتب بحريني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات