الانتخابات الرئاسية الأمريكية ... سباق محتدم، بقلم: جيمس زغبي

ربما كانت الأخبار السياسية البارزة هذا الاسبوع انباء سيئة لكل من المتنافسين على الفوز بترشيح الحزبين الديمقراطي والجمهوري لخوض سباق الانتخابات الرئاسية في عام2000.فقبل ستة اشهر مضت, بدا ان نائب الرئيس الديمقراطي آل جور والحاكم الجمهوري جورج بوش الابن سينطلقان بسهولة وصولا الى الفوز بترشيح حزبيهما لهما لخوض السباق الرئاسي. غير انهما يواجهان الآن بعض العقبات على الطريق . والمتحدي الوحيد لآل جور وهو السناتور السابق بيل برادلي مضى يكسب نقاطا ويراكمها, وتوضح استطلاعات الرأي هذا الاسبوع ان برادلي يمضي بشكل متعادل مع جور في ولايتين مهمتين للانتخابات الاولية هما نيوهامبشاير ونيويورك. وبينما لا تزال استطلاعات الرأي على المستوى القومي الامريكي تشير الى ان السناتور السابق يسبقه جور, ففي واقع الامر ان برادلي قد صعد قدما على المستوى القومي ليصل الى منتصف نطاق نسبة 30% من المؤيدين, الامر الذي يوضح ان حملته الانتخابية قريبة بشكل مذهل من اللحاق بحملة نائب الرئيس. وفي الولايات التي بذل برادلي قصارى جهده فيها, أي ولايتي نيويورك ونيوهامبشاير, يسبب لحاقه بنائب الرئيس قلقا حقيقيا لمعسكر الاخير الانتخابي, وقد طرح المحللون السياسيون العديد من التفسيرات لهذا التطور, وغالبا ما اشير الى ما يدعوه البعض بـ (الملل من كلينتون) اي شعور الناخب بالسأم من ادارة كلينتون وبالتبعية من نائبه آل جور. وهناك عامل آخر هو ما يثيره اسلوب جور من قلق, فقد تم تصويره على انه شخص (مضجر) و(متصلب) . ويشعر البعض بأن افتقاره للكاريزما يبعد الناخبين عنه, حيث يجدونه غير موح بالافكار والتوجهات الجديدة. والأمر الاكثر مدعاة للقلق بالنسبة لحملة آل جور يتمثل في اعتقاد البعض بأن التأييد المتزايد الذي يحظى به برادلي هو رد فعل من الديمقراطييين الموالين للحزب الذين يشعرون بالقلق حول ارتفاع النتائج السلبية التي يحظى بها نائب الرئيس في استطلاعات الرأي بشكل كبير, وإزاء حقيقة انه ليس بمقدوره الفوز في الانتخابات الرئاسية في مواجهة منافس جمهوري, وبالتالي فإن انتقال الاصوات الى برادلي يقوم على اساس افتراضي ان اي شخص غير جور يمكنه ان يفوز. وقد انعكس تراجع نائب الرئيس بشكل كبير لا في استطلاعات الرأي الأخيرة وحدها وانما كذلك في التبرعات لحملته الانتخابية. وبينما لا يزال آل جور يفوق برادلي في التبرعات التي يحصل عليها, الا انه ينفق اكثر على الاغراض الانتخابية. ومن المعتقد انه عندما تنشر التقارير المالية المقبلة فإن الحملتين سوف تنشران تقارير عن مبالغ شبه متساوية في صورة سيولة متاحة, الامر الذي من شأنه ان يضفي مصداقية اعلى على تحدي برادلي لآل جور. وقد استجابت حملة جور لهذا الموقف بادخال بعض التعديلات الرئيسية في فريق العاملين بها, وكذلك بالتعجيل باستراتيجيتها الانتخابية. وبينما فاز برادلي ببعض عمليات المساندة الرئيسية خلال الاشهر القليلة الماضية, فإن الكتلة الاعظم لعمليات التأييد الكبرى تنصب على معسكر آل جور, حيث يحظى هذا الاخير بالأغلبية الكاسحة من تأييد المسؤولين الديمقراطيين المنتخبين في محاولته الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي. ومن المتوقع ان يكسب المزيد من هذا التأييد مستقبلا وبصفة خاصة تأييد حركة العمل المنظمة. ويقر مؤيدو نائب الرئيس بالواقع المتمثل في (الملل من كلينتون) ولكنهم يشيرون الى ان هذه الظاهرة امر متوقع ويردون عليها بالقول انه في حين ان من العادي ان يشعر الناخبون بالملل في سبع سنوات استمر رئيس واحد خلالها في السلطة, فإن هذا الشعور غالبا ما ينقلب الى تأييد بل والى مقدمات الحنين في العام الاخير للرئيس في البيت الأبيض. وهم يشيرون الى وقوع تحول مماثل بين العامين السابع والثامن لبقاء ريجان في السطة وكيف ان ذلك التحول اثر على تطلعات نائب الرئيس وقت ذاك وهو جورج بوش. وحتى الآن يمكن القول ان اسلوب حملة برادلي الهادىء والماضي قدما قد افاده كثيرا, ومن المؤكد انه قد استفاد من المشكلات التي يواجهها نائب الرئيس. ولكنه الآن يواجه التحدي المتمثل في البرهنة على مصداقيته وفي قدرته على الاستمرار كبديل حقيقي, وهو على امتداد عدة شهور مضت وعد بـ (حلول حقيقية) و(افكار كبرى) وينتظر الناخبون الديمقراطيون رؤية ما اذا كان بمقدوره ان يحقق ما وعد به. ولا تزال الكفة حتى الآن مائلة لصالح جور فهو يحظى بتأييد مؤسسي متواصل من الديمقراطيين, ولكنه للمرة الاولى منذ بدء هذه الحملة الانتخابية يبدو الآن ان الامر سيصبح منافسة حقيقية يتعين خوض غمارها بطريقة قتال الحياة او الموت. اما الموقف الذي يواجه جورج بوش الابن فهو اكثر تعقيدا ان لم يكن اقل امتلاء بالتحديات. وتشير انباء هذا الاسبوع الى ان المعلق التلفزيوني المحافظ بات بوكانان قد يخرج عن صف الحزب الجمهوري ويخوض سباقا مستقلا وصولا الى الرئاسة على اساس بطاقة الحزب الاصلاحي. ومنذ شهور مضى بوكانان وغيره من المرشحين الجمهوريين المحافظين يعربون عن عدم رضائهم عن كل من بوش واندفاع المؤسسة الجمهورية لتتويجه مرشحا لخوض انتخابات الرئاسة. ومع تضخم خزينة حرب بوش الاتخابية (التي تحفل الآن بـ 50 مليون دولار), ومع تزايد قائمة مؤيديه لتشمل جميع القادة الجمهوريين على المستوى القومي تقريبا, فانه يركز حملته في الوقت نفسه بعيدا عن الفوز بالترشيح الجمهوري نحو المواجهات التي يقدر عددها بـ 2000 مواجهة مع الديمقراطيين, وكنتيجة لذلك, فان حاكم ولاية تكساس قد طور اسلوبا اقرب الى الوسطية في مواجهة القضايا المطروحة وذلك في محاولة منه لاجتذاب الجماعات التي أثارت الحملات الجمهورية سخطها وفي مقدمتها الجماعات النسائية وجماعات الاقليات. وقد ادت استراتيجية جورج بوش الابن الى ارضاء المؤسسة الجمهورية الحريصة على استعادة البيت الابيض بعد ابتعاد دام ثماني سنوات عنه. غير انها اثارت سخط الجناح اليميني في الحزب الذي شعر بأنه تعرض للخيانة من خلال هذا التخلي الواضح عن وجهات النظر المحافظة والمتشددة التي يتمسك بها هذا الجناح. ويمكننا في ضوء هذا تفهم اعلان بوكانان انه قد يترك الحزب وهو الاعلان الذي وصفه جاري بوير وهو مرشح رئاسي محافظ اخر بأنه (دعوة لايقاظ الحزب) . وقد يترتب على ترك بوكانان الحزب تأثير قوامه تقوية الدعم المحافظ لاحد خصوم بوش, الامر الذي يمكن ان يسبب انقساما عميقا في صفوف الحزب. وقد يدفع بوش في اطار محاولة لابقاء بوكانان ومؤيديه داخل الحزب او لاعادة التأكيد على صورته كمحافظ حقيقي ـ قد يدفع الى ركن ايديولوجي يتعرض فيه للحصار ويصبح فيه مرشحا اقل شعبية اذا فاز بترشيح الحزب الجمهوري له في انتخابات الرئاسة. وتنبغي الاشارة الى انه على الرغم من التقدم الواضح لبوش في عمليات استطلاع الرأي, وتميزه في عملية جمع التبرعات, الا انه لا يزال مرشحا معرضا للمخاطر. فمعظم الامريكيين لا يزالون بعيدين عن معرفة الكثير عنه, وقد اوضح استطلاع حديث للرأي مؤخرا, ان عدد من يعرفون انه ابن الرئيس الامريكي الاسبق يفوق مرتين عدد من يعرفون انه حاكم تكساس. وبينما يبدو ان بوش قد افلت حتى الآن من تأثير تعثره في الاشارة الى تعاطيه الكوكايين في السابق, الا ان ذلك قد الحق بعض الضرر به, وقد تضاعف التقويم السلبي له في احد استطلاعات الرأي الحديثة من 15 الى 28%. وهو كمرشح لخوض انتخابات الرئاسة لم ينغمس حتى الآن في المناظرات المحتدمة حول القضايا الاساسية. بل ان مؤيديه انفسهم مازالوا يشعرون بالقلق حول الكيفية التي سيواجه بها متحدين آخرين اكثر منه براعة ومعرفة فيما يتعلق بالقضايا الدولية المعقدة. ويتمثل تأثير آخر محتمل لقيام بوكانان بخوض الانتخابات بصورة مستقلة بأن ذلك من شأنه ان يجعل انتخابات نوفمبر عام 2000 انتخابات متقلقلة الى حد بعيد. وبينما لا يتوقع احد ان بوكانان سيمكنه الفوز بالرئاسة (بل انه قد لا يفوز بترشيح الحزب الاصلاحي), الا ان التحاقه بحزب ثالث سيجعل ذلك الحزب منافسا حقيقيا في عام 2000. وكما ادرك الجمهوريون في عام ,1992 فان الحزب الاصلاحي عندما كان متوهجا بالحيوية نجح في انتزاع اصوات ثمينة من مرشحهم وجعل من تأمين فرص الفوز امرا اكثر مشقة. وكما سبق لي ان لاحظت, فان سباق عام 2000 الرئاسي سيكون سباقا محتدما واكثر اثارة مما تنبأ به الكثيرون قبل ستة أشهر. * رئيس المعهد العربي الأمريكي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات