ليست كل الهدايا واحدة, لكنها كلها لا تخلو من معنى أو مغزى أو هدف, وكلها: صغيرها وكبيرها, رخيصها وثمينها, ما عظم شأنه منها وما قل, تحمل شيئا من روح مرسليها أو مهديها, انها في النهاية رسالة بشكل آخر, بريد ذو مغزى يستقر بين يديك, يدفعك للتأمل للفرح, وللحذر احيانا وايضا للشك والاستياء في بعض الاحيان. الهدية سلوك انساني قديم قدم مشاعر البشرية, الحب ليس دافعها الوحيد , فحتى الكراهية قد تدفع البعض إلى ارسال هدايا بعينها, هذا ما يسميه الفرنسيون (الهدايا المسمومة) وقد مات الشاعر العربي امرؤ القيس بدرع مسمومه جاءته هدية من احد الملوك. وبرغم كل شيء وفي كل الاحوال فالهدايا جزء من ذاكرة التاريخ وجزء من تفاصيل ذاكرتنا اليومية الحميمة, قد ننسى اننا اهدينا ولكننا ابدا لا ننسى هدية ذات وقع فاجأتنا بشكل جميل فاحتفظنا العمر كله بوهج المفاجأة وبالهدية طبعا. ذات يوم احتفظ بتفاصيله في ذاكرتي, جمعتني جلسة طيبة بوجوه من ابرز المثقفين في المجتمع, وكلهم من اصحاب الشأن والمسؤولية و(البيزنس) وكان اللقاء على شرف الامين العام للمجمع الثقافي بأبوظبي سعادة محمد احمد السويدي, وبرغم مرور الايام الا انني مازلت اتذكر اعجابي بهذا المثقف الواعي, الذي اخذ على عاتقه مسؤولية حفظ التراث ووضعه في متناول الجميع على احدث تقنيات العصر الا وهو الانترنت, انه يريد لوطنه ولابنائه ان يدخلوا الالفية الثالثة عبر تقنيات الحضارة الحديثة, وهو يحلم بالكثير من هذه المشاريع التي يعمل على جعلها تزهر على ارض الدولة وبكل طاقاته وامكانياته, لقد كان يتساءل بأمل وتفاؤل: ان انسان هذا الوطن لديه الكثير من الامكانيات ولا ينقصه الذكاء والابداع, فما المانع من دخول الانترنت بقوة وفاعلية, ولماذا لا يدخل رجال الاعمال في هذه التجارة المذهلة القائمة على عوالم الشبكات والمواقع وملايين المشتركين والزائرين, ما المانع ان يكون لدينا مشروع عملاق لمكتبة مذهلة على الانترنت شبيهة بموقع مكتبة الامازون؟ لم يكن الرجل يومها يجدف في عالم من الخيال, لقد كان يحلم, ذلك النوع من الاحلام المبشرة بواقع اعظم, لقد كان يتحدث بشكل دقيق وواضح عن عالم الاقراص المدمجة والانترنت الذي يعرفه تماما ويشرحه بهدوء وثقة كمن يقرأ خطوط يديه. وبعد هذا اللقاء بأيام وصلتني هدية معنونة باسم المجمع الثقافي وامينه العام السيد محمد السويدي الشاعر والمثقف وصاحب الاحلام الكبيرة, وكم كانت الهدية مبهجة, لقد كانت موسوعة الشعر العربي على اسطوانة (سي دي) تضم نصف مليون بيت من الشعر العربي لشعراء جاهلين ومخضرمين واسلاميين اضافة لمجموعة من الكتب تطبع وفق مشروع مكتبة نوبل وغيرها من اصدارات المجمع الثقافي. المجمع الثقافي يعمل بجد على وضع التراث العربي على شبكة الانترنت وعلى تصميم برنامج خاص باسم (الوراق) بواسطة فريق عمل محترف يثير الاعجاب ويستحق الاشادة, وجميل ان نتابع هذا المشروع وان نتداوله حتى لا نظل ابدا من المؤمنين بأننا خارج دورة الزمن, اليوم تسجل تجارة بيع الحواسيب معدلات اعلى من بيع اجهزة التلفزيون, وهذه حقيقة لها اكثر من مغزى, وما علينا سوى الدخول بقوة وارادة وعلم إلى رحاب القرن الحادي والعشرين.