يتساءل كل منا في الكويت وفي العراق وفي الخليج وفي الكثير من البلاد العربية: الى متى تستمر الحالة الراهنة في العراق؟ وقد لا نجد جوابا واضحا لهذا الوضع. ان المعاناة الانسانية التي يعيش تحتها الشعب العراقي كبيرة, اذ يعاني من كارثتين: الاولى الخاصة بضغط العقوبات الاقتصادية بكل انواعها, والثانية الخاصة بنظامه وبسياساته الموجهة لقمعه والتحكم بمصيره. بين الصعوبتين يعيش الشعب العراقي مأساة دائمة , فقد مضى على نهاية حرب تحرير الكويت مايقارب التسع سنوات ومازال الوضع يعيش جمودا وسياسة احتواء وصراع. ان الحالة العراقية وبالتالي حالة الامن في منطقة الخليج مازالت مرتبطة بمرحلة حرب الخليج, وبكل ما نتج عنها من فرق تفتيش ومن ازمات, ان هذا الصراع يجعل الامن الاشمل في منطقة الخليج صعب التحقيق, ويجعل الانتهاء من اثار حرب عام 1991 امر يتطلب مزيدا من الوقت والكثير من الجهود, فطالما ان الصراع مع العراق على مجموعة القضايا المرتبطة بتلك الحرب قائم, فسوف نبقي في مرحلة تحول دون البدء بانطلاقة جديدة لمنطقة الخليج, بل الاصح طالما ان الوضع في العراق متأزم فسوف تبقي المنطقة تعيش حالة مرتبطة باحداث عام 1990. ولكن من جهة اخرى علينا ان نعرف بان طبيعة الضغوط التي يتعرض لها النظام في العراق هي ضغوط من النوع الذي سوف يترك اثار مباشرة, فهذه الضغوط العسكرية والاقتصادية والنفسية تترك اثارها في جنوب العراق وتترك اثارها على الامن في العراق, لهذا من المتوقع في المدى المنظور ان يستمر الضغط وان يزداد, وان تبقى محاولات التطويق تجاه العراق قائمة, وسوف يستمر هذ الوضع طالما ان العراق غير قادر على القبول بفرق التفتيش وطالما ان مأزقه مع مجلس الامن غير الموحد في هذه المرحلة مستمر. وقد تؤدي المناورات الراهنة حول محاولة فرض فرق التفتيش على العراق في اطار معادلة دولية لتجميد جانب رئيسي من العقوبات الى حل للمشكلة الراهنة والازمات الحالية, ولكن على الاغلب ان هذا سوف يؤدي الى ازمة جديدة, فعدم قبول العراق بفرق للتفتيش هو الارجح مما سيساهم في تجميع القوى باتجاه مواجهة عسكرية جديدة وعلينا ان نلاحظ ان العراق قد يستبق الوضع فيتحرك مصعدا وذلك ليحرج القوى الدولية التي يتواجه واياها وهذا يعني قيام العراق بخلق ازمة جديدة, في هذه الحالة قد ترى الولايات المتحدة بأن الرد يصب في اهدافها الاستراتيجية في تغير الوضع وتغير السلوك العراقي, ان افاق تكرار ازمة اكبر حجما من تلك التي وقعت في ديسمبر الماضي هي افاق جديه, ولكنها بالطبع ليست حتمية. وعلينا ان نلاحظ بأن حرب كوسوفو قدمت للولايات المتحدة مزيدا من الثقة. في كوسوفو نجحت مجموعة من الدول عددها تسعة عشر بفرض التراجع على يوغسلافيا وبينما يختلف الوضع في العراق عن يوغسلافيا الا ان ماحدث في كوسوفو قد رفع من الثقة في مقدرة الحرب الجوية على كسب حرب وفرض شروط, باختصار قد تكون الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة اكثر هجومية, وقد تزداد ثقتها في تطبيق ماتعلمته في كوسوفو على العراق. والجدير بالذكر ان المؤسسة العسكرية والسياسية الرسمية لاترى حلا سحريا في عملية المواجهة في العراق, فهي تعتمد حتى الان على سياسة الانتظار والضغوط والمواجهات المتقطعة الى ان يقع تطور داخلي في صفوف الجيش وفي الجنوب وفي الشمال يساهم بتقليص نفوذ ودور النظام العراقي. الولايات المتحدة تسعى لجعل الضغوط تساهم في احداث انهيار داخلي, ولكنها غير قادرة على عمل هذا الانهيار بالضغط على ازرار, بمعنى اخر التغير في العراق ممكن ولكنه سيتم بآلية عراقية وفي اطار ظروف عراقية, وضمن توازنات داخلية عراقية, ولن يكون من خلال عمل عسكري ارضي موسع او من خلال فرض قوى المعارضة في الخارج على مجتمع الداخل. وقد تساهم الضغوط الخارجية وبعض المواجهات العسكرية والمؤثرات الدولية والاقليمية بتوفير المناخ لهذا التغيير. النهاية ممكنة للحالة العراقية المستعصية ولكن المتوقع بنفس الوقت وفي حالة وقوع تغير مفاجىء في العراق ان تقع كارثة انسانية كبيرة وقد يكون الوضع العراقي معرض للكثير من الصراع الداخلي, وقد ينتج الكثير من اللاجئين وحركة كبيرة بين السكان المخزون العراقي مليىء بكل ماتعرض له العراق والعراقيين منذ حرب العراق مع ايران, وسقوط الوضع في العراق سيكون مقدمة لاخراج كل مافي المخزون, وهذا سوف يأخذنا لمرحلة جديدة لديها ابعاد قد لاتكون مرئية لنا الان. *استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت