عوضا عن ان تؤدي الى انكسار في العزيمة الاسرائيلية انتهت انتفاضة87الى اوسلو, وهكذا شهد تاريخ النضال الفلسطيني اسوأ استثمار لافضل فرصة. والمسؤولية تتحملها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة عرفات. وفي كتاب بعنوان (ياسر عرفات والثورة الفلسطينية) يقول مؤلفا الكتاب الصحفيان البريطانيان اندرو غوارز وتوني ووكر انه عندما عكف عرفات على اولى التقارير الاخبارية والاستخباراتية التي وردت اليه في مقره بتونس لم يستطع ان يستوعب الموقف تماما, كان يتساءل مع رفاقة: هل هذه بداية شيء كبير وخطير ام مجرد هزة عابرة؟ وسأل خليل الوزير (ابو جهاد) مستشاره لشؤون الارض المحتلة عما اذا كان ما يجري هناك عمل مخطط له سلفا (لا.. انه ليس كذلك) هكذا اجابه ابو جهاد. وصفعه القول ان انفصام قادة المنظمة عن الشعب داخل الارض المحتلة لمدى السنين الطويلة المتصلة بلغ درجة انهم فوجئوا باندلاع الانتفاضة لكن الاسوأ هو تصرفهم حيال هذا الحدث الضخم بصورة ادت اولا الى اجهاضه, وثانيا الى اساءة استثماره سياسيا بطريقة اهدرت قيمته. ان اول ماخطر ببال عرفات بعد ان استوثق من الانتفاضة في الداخل اندلعت وسارت وتعاظم عنفوانها تحت يد قيادة داخلية من اهل الارض المحتلة انفسهم هو التخوف من نشوء وبروز قيادة بديلة لمنظمة التحرير في الخارج بعد ان ادرك انه ليس بوسع قيادة المنظمة السيطرة على احداث الانتفاضة. وخلال الشهور التالية لم يكن لدى قيادة المنظمة هاجس سوى مزاحمة قيادة الانتفاضة بهدف ان تتسلم المنظمة زمام الامر بنفسها ورويدا استطاع عرفات ان يفرض نفسه وقيادته سياسيا على القيادة الداخلية وانتزاع المبادرة السياسية منها. ان هذا المسلك لم يكن في حد ذاته ليعيب عرفات ورفاقه ولو تم على اساس منهج موضوعي لتحقيق غاية نبيلة هي التنسيق والتزاوج بين العمل النضالي على ارض المعركة والتحرك السياسي الخارجي. لكن عرفات كان ينظر في الموقف من منظور حرصه على زعامته الشخصية لا على اساس معطيات الموقف الموضوعية. ومن هنا وعلى اساس هذا الفهم, انطلق عرفات على طريق (استثمار) الانتفاضة متوخيا اسلوب التنازلات المتسلسلة دون تحفظ ازاء مطالب اسرائيل والولايات المتحدة دون مقابل يذكر, وهكذا توالت ملفات المسلسل الى ان وصلت الى اوسلو وتداعياتها. بصورة ضمنية, ولاحقا علنية, عرض عرفات على امريكا واسرائيل مقايضة الانتفاضة بثمن سياسي, وفي غضون ست سنوات من اندلاع الانتفاضة جرت التنازلات تباعا: نبذ هدف تحرير كامل التراب الفلسطيني من النهر الى البحر بمشروع (الدولتين) اي بقاء اسرائيل مع قيام دولة فلسطينية على الارض المحتلة الى جوارها.. الاعتراف الصريح بحق اسرائيل في الوجود كدولة آمنة. نبذ اسلوب (الارهاب) كناية عن التنازل عن اسلوب الكفاح المسلح. وهكذا انتهت الانتفاضة وذهبت معها الثوابت المقدسة وتلاشت منظمة التحريرالفلسطينية ولايزال الشعب الفلسطيني في انتظار قبض.. وهو انتظار, تفيد كل الشواهد بأنه سوف يطول. احمد عمرابي