افتتحت مفاوضات الحل النهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين يوم13/9الحالي في حاجز ايريز الذي يفصل اسرائيل عن قطاع غزة, بعد تعطيل دام أكثر من ثلاث سنوات, وقعت أغلبها اثناء حكم بنيامين نتانياهو الذي اختط سياسية متعنتة خلال وجوده في رئاسة الحكومة الاسرائيلية. وهذا الافتتاح لمفاوضات الحل النهائي هو الثاني من نوعه. فقد تم افتتاح هذه المفاوضات سابقا أيام حكومة شيمون بيريز في الخامس من مايو1996في طابا, وجاء ذلك الافتتاح في , والذي مارس سياسته الابتزازية بحق الفلسطينيين معطلا الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين, وقد مارس سياسة التعطيل حتى على الاتفاقات التي وقعتها الحكومة (بروتوكول الخليل) و(واي ريفر) . ومع قدوم حكومة باراك تم الدخول في مفاوضات لتنفيذ الاتفاقيات الموقعة سابقا, خاصة اتفاق واي ريفر وبعد مفاوضات مضنية تم التوصل الى اتفاق شرم الشيخ, الذي ينص على بدء مفاوضات الحل النهائي 13/9 على ان تصل الى اتفاق اطار خلال خمسة أشهر من بدئها, وتنتهي خلال عام. وخلال الاسابيع المنصرمة من عمر حكومة باراك اتضحت مواقفه من قضايا الحل النهائي, والتي تبين انها لا تختلف كثيرا عن مواقف حكومة نتانياهو, وجميعها قضايا تقع ضمن الاجماع الاسرائيلي والخلافات حولها بين الحزبين الكبيرين في اسرائيل خلافات محدودة جدا. كان يفترض حسب اجندة اتفاقات أوسلو ان تبدأ مفاوضات الحل النهائي خلال السنة الثالثة من تطبيق الاتفاقات, أي في تلك الفترة التي تم افتتاحها فيها أيام حكومة شيمون بيريز, وان تنتهي مع انتهاء الفترة الانتقالية في مايو ,1999 بحيث يتم انجاز اتفاق بين الطرفين يعطي الوجود الفلسطيني شكله النهائي, وهذا لم يحصل, وتم تمديد المواعيد وصولا الى اليوم. ومن هذه الزاوية فإن أهميتها تفوق أهمية الحل الانتقالي بما لا يقاس, فالقضايا المطروحة على هذه المفاوضات تشكل جوهر الصراع العربي ـ الاسرائيلي. واذا كان يمكن تبرير الحل الانتقالي بأنه مفاوضات حول أوضاع انتقالية سيتبعها مفاوضات حول الوضع النهائي, ولكن مفاوضات الوضع النهائي, هي خاتمة المفاوضات ومن هنا خطورتها. خاصة في ظل الهوة الواسعة في مواقف الأطراف من القضايا المطروحة على هذه المفاوضات. تتوزع قضايا الحل النهائي على مجموعة واسعة من القضايا أبرزها القدس, اللاجئون, المستوطنات, الحدود, وقضايا اخرى, وبحكم الاختلاف الحاد في مواقف الأطراف من القضايا المطروحة. فمن المتوقع لها ان تكون مفاوضات شاقة وعسيرة ومعقدة, وستأخذ وقتا طويلا على عكس ما ينص عليه اتفاق شرم الشيخ من الانتهاء منها خلال عام. القدس بحكم موقعها الديني بالنسبة للديانات الثلاث, فهي الموقع الذي يتداخل فيه الديني مع السياسي, وتصبح المرونة السياسية في المواقف محكومة بدلالات المدينة الدينية. ومن هنا لم تسلم مدينة القدس من حملة استيطانية شرسة لفرض وقائع ضم المدينة على الأرض, فخلال أعوام الاحتلال تم تكثيف الاستيطان في القدس الذي ترافق مع التضييق على السكان الفلسطينيين من أهالي المدينة, حتى بات عدد المستوطنين يعادل عدد السكان الفلسطينيين في القسم الشرقي من المدينة, والذي بلغ حوالي 170 الف نسمة. ينطلق الموقف الاسرائيلي من مدينة القدس من اجماع الاحزاب الاسرائيلية التي تعتبر ان (القدس الموحدة عاصمة أبدية لدولة اسرائيل) , والعاصمة الموحدة حسب المنطق الاسرائيلي تشمل القدس بشقيها الشرقي والغربي وبحدودها التي تم توسيعها أكثر من مرة حتى أصبحت تشكل حوالي 20% من مساحة الضفة الغربية. وحسب الموقف الاسرائيلي لا يمكن اعادة تقسيم المدينة, وعلى الفلسطينيين ان يقروا بذلك, والحل الوحيد الذي يطرحه الاسرائيليون هو ما يسمى بـ (الحل الديني) والذي يعني انه لا يمكن لاسرائيل تقديم أية تنازلات جغرافية أو بلدية. بل من الممكن تسليم ادارة الاماكن المقدسة الاسلامية للفلسطينيين فقط. وفي أحسن الاقتراحات يمكن لاسرائيل ان توافق ان يقيم الفلسطينيون عاصمتهم في قرية أبوديس التي تقع بالقرب من القدس, ولكنها خارج حدود المدينة. يقف الموقف الفلسطيني على النقيض من الموقف الاسرائيلي, حيث يعتبر القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين القادمة, وقد أعلن المجلس الوطني الذي عقد في الجزائر عام 1988 القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. ولا شك بأن الطابع الديني المدني بالنسبة للمسلمين يجعل موضوع القدس يتجاوز المفاوض الفلسطيني ويمس المسلمين في بقاع الأرض كافة. ومن هنا, فإن الموقف الفلسطيني في موضوع القدس يجب ان يكون أكثر صلابة, كما ان مدينة القدس تقسم الضفة الغربية الى شمال وجنوب وتمنع التواصل بين الاراضي الفلسطينية. فموضوع القدس سيكون الموضوع الأكثر تعقيدا في مفاوضات الحل النهائي. اللاجئون اللاجئون, الموضوع الثاني الذي يقع ضمن دائرة الموضوعات المطروحة على قضايا الحل النهائي ويعاني من هوة واسعة بين الاطراف, فاسرائيل تعتبر ان هذه المشكلة هي مشكلة عربية بالدرجة الأولى ولا علاقة لاسرائيل بها, وان ما جرى في العام 1948 هو تبادل للسكان بينها وبين الدول العربية, حيث استقبلت اسرائيل عددا من اليهود العرب يوازي عدد اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية. كما انها من وجهة النظر الاسرائيلية في حال حلها عبر العودة الى اسرائيل فإنها تعمل على تدمير اسرائيل بوصفها دولة يهودية من خلال اغراق الدولة بملايين اللاجئين, حيث يتحول اليهود فيها الى أقلية. والموقف الاسرائيلي يرفض رفضا قاطعا حق العودة للفلسطينيين الذي ينص عليه القرار 194 لعام 1948 الصادر عن الأمم المتحدة. واذا كانت بعض الاقتراحات من المقربين من حزب العمل توافق على عودة اللاجئين الى المناطق الفلسطينية, فإنها تحدد ذلك بقدرة المناطق الفلسطينية على الاستيعاب والذي تحدده اسرائيل بخمسة الاف سنويا, مما يعني ان استيعاب نازحي 1967 يحتاج الى 300 سنة, وبعد ذلك يأتي دور اللاجئين 1948. لذلك فالموقف الاسرائيلي يرى ان توطين اللاجئين خارج اسرائيل هو الحل لمشكلة اللاجئين, وأي مساهمة من اسرائيل في مثل هذا الحل, هو لاعتبارات انسانية, وليس لأن اسرائيل تتحمل مسؤولية ما جرى للاجئين الفلسطينيين. ان القرار 194 للأمم المتحدة الذي أقر للاجئين حقهم في العودة الى ديارهم, هو الأساس في حل مشكلة اللاجئين حسب الموقف الفلسطيني, واسرائيل هي التي تتحمل مسؤولية الطرد الذي جرى للفلسطينيين في العام ,1948 ولا يمكن حل المشكلة الا بعودة اللاجئين الى ديارهم وهو الحل العادل والمقبول, ويرفض الموقف الفلسطيني حل التوطين رفضا قاطعا. المستوطنات ينطلق موقف حكومة باراك بشأن المستوطنات من التمييز بين المستوطنات الأمنية والمستوطنات السياسية. وبضرورة الحفاظ على المستوطنات الامنية وتجميعها في كتل استيطانية كبيرة. ولا يعني هذا التمييز وقف الاستيطان في الأراضي المحتلة, إنما الحفاظ على التوسع الاستيطاني تحت حجة (النمو الطبيعي للمستوطنات) مما يعني تدعيم الاستيطان في الاراضي الفلسطينية, لفرض الوقائع الاسرائيلية على الواقع على المفاوضات. واحدى لاءات باراك الشهيرة (لا عودة الى حدود 1967) والتي تعمل المستوطنات النامية في الأراضي الفلسطينية على تحويلها الى واقع. فالمستوطنات الاسرائيلية تنتشر على الخط الأخضر الذي يفصل بين اسرائيل والاراضي الفلسطينية, كما انها تحيط بالمدن الفلسطينية, والطرق الالتفافية التي شرعت حكومة رابين ببنائها تسعى للحفاظ على التواصل بين المستوطنات الاسرائيلية, مما يحول المناطق الفلسطينية عمليا الى معازل بشرية. ان تعديل الحدود وضم المستوطنات الى السيادة الاسرائيلية, هو الموقف الاسرائيلي من قضية المستوطنات, والمشاريع التي تحدد حجم الضم تتفاوت بين 11% كمشروع يوسي اليفر, وبين التي تقضي بضم 50% كمشروع ارييل شارون. ويقدر المراقبون ان باراك اذا تمسك بلاءاته فإنه 55% من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 فقط مطروحة على الفلسطينيين. أما الموقف الفلسطيني, فيؤكد على الخطر الداهم الذي يشكله الاستيطان على الأرض الفلسطينية, فهي تقضم الارض الفلسطينية وتمنع التواصل بين الاراضي الفلسطينية. ويستند الموقف الفلسطيني الى المبدأ الذي بني عليه السلام في مدريد حسب معادلة (الأرض مقابل السلام) وعلى أساس ان المفاوضات التي تقوم على قرار مجلس الأمن 242 الذي يقضي بانسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلت عام 1967. لذلك من وجهة النظر الفلسطينية لا يمكن الموافقة على طلب اسرائيل تعديل الحدود وضم الاراضي الفلسطينية التي تقع عليها المستوطنات, فهي أرض فلسطينية ويجب ان تعاد الى الفلسطينيين. الحدود لا يتعلق المطلب الاسرائيلي بتوسيع الحدود لضم المستوطنات الاسرائيلية فحسب, بل وبالسيطرة على حدود (الدولة الفلسطينية) القادمة, وهذا ما يقع ضمن المتطلبات الامنية الاسرائيلية, حيث لا سيطرة فلسطينية على المعابر, كما ان وجود مستوطنات داخل الاراضي الفلسطينية, والحاقها باسرائيل يعني تحديد السيادة الاسرائيلية داخل المناطق الفلسطينية. ومطلب الاحتفاظ بالسيطرة على غور الاردن مطلب رئيسي من مطالب باراك الأمنية واحدى لاءاته لحماية اسرائيل من أي تهديد يأتيها من الشرق. فالموقف الاسرائيلي من موضوع الحدود يسعى لتطويق المناطق الفلسطينية من الخارج عبر السيطرة على غور الاردن ومعابر غزة, ومن الداخل عبر الحفاظ على المستوطنات وايجاد تواصل اقليمي بينها وبين اسرائيل. يتمسك الموقف الفلسطيني بقاعدة السلام (الارض مقابل السلام) وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه وعبر بناء دولته المستقلة, وهذا يعني حق الفلسطينيين بالسيطرة على حدودهم وعلى أرضهم, دون محاصرة هذه السيادة باجراءات أمنية تجعلها ليست ذات معنى. أفق المفاوضات تحاول اسرائيل في مفاوضات الحل النهائي, تطويق أي اتفاق بمجموعة من التعديلات والاجراءات الأمنية التي تهدف الى جعل كلمتها هي الكلمة العليا في الاراضي الفلسطينية, اضافة الى محاولة فرضها لرؤيتها لحل القضايا المطروحة على المفاوضات.. وتتنوع المطالب الاسرائيلية, من جعل الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح وبلا جيش, وبعدم السماح لها بتوقيع اتفاقات مع دول اجنبية... الخ, هذه المطالب الاسرائيلية تجعل الكيان الفلسطيني رهينة للادارة الاسرائيلية. وفي حال عدم الاستجابة للشروط الاسرائيلية حول مفاوضات الحل النهائي, فإن اسرائيل ستسعى الى فرض حلول انتقالية مرة اخرى, كما اقترح باراك مؤخرا. ومن الواضح ان اسرائيل تسعى وفي كل القضايا المطروحة على المفاوضات, الى اعادة ترتيب الاحتلال تحت عنوان السلام, وجعل المناطق الفلسطينية محمية اسرائيلية, ولها السلطة المطلقة عليها. واذا كان الاختلال في ميزان القوى جعل الفلسطينيين يوافقون على حل انتقالي مجحف, فعليهم ان يتعاطوا مع قضايا الحل النهائي بطريقة وأداء مختلف عما كان عليه الوضع في مفاوضات الحل الانتقالي. فالقضايا المطروحة على مفاوضات الحل النهائي هي من الخطورة بمكان, بحيث لا يجب التعامل معها بالخفة التي تعامل معها المفاوض الفلسطيني مع قضايا الحل الانتقالي, فما سيسفر عن مفاوضات الحل النهائي هو الصورة النهائية للفلسطينيين على خريطة المنطقة. لهذا فهناك مهمات ثقيلة تقع على كاهل الطرف الفلسطيني لخوض هذه المفاوضات بالطريقة التي يمكن ان تعدل من الاجحاف الذي أصاب الفلسطينيين في مفاوضات الحل الانتقالي, وأول مهمة تقع على عاتق الفلسطينيين هي اعادة ترتيب البيت الفلسطيني, وحشد كل القوى الفلسطينية والعربية والدولية للضغط على الطرف الاسرائيلي للوصول الى تعديل الاجحاف الذي وقع بحق الفلسطينيين وللوصول الى حقوقهم المشروعة في أرضهم. * كاتبة فلسطينية