ليس للكاتب الذي يحترم نفسه سوى جلد واحد يلبسه في كل الاوقات.. في الصيف والشتاء.. في الربيع والخريف.. في بيته وعمله.. في الكتابة عن الحاكم والمحكومين.. ليس هناك انفصال بين سلوكه على الورق وسلوكه في الحياة.. اما الذين يملكون المواهب(الحربائية)في التلون وتغيير المواقف فهم آخر من يصدقهم الناس.. فالناس لا تمشي وراء مهرج.. ولا تؤمن بنبي كذاب . ولا يقدر كاتب مهما كانت براعته على ان يبدع ويتوهج دون ان يشعر ان النظام السياسي الذي يعيش فيه صديقه.. والصديق هو الشخص الذي تأتمنه على حياتك واسرارك واحلامك دون ان يفضحك.. او يتاجر فيها.. وتقدر على الحوار معه دون ان يبطش بك.. هو الذي تخرج معه عن النصوص الجاهزة المحفورة على عظامنا.. من المهد الى اللحد. بين الاصدقاء يسري طيف برتقالي ساحر من الود.. لا يرى بالعين المجردة.. ولا يلمس بالاصابع.. ولا يدخل في منطقة الحواس الخمس.. ولكنه رغم ذلك يشعرك بالامان.. وتؤجل معه ولو مؤقتا الأحزان. *** اعترف ان هذا الطيف البرتقالي الساحر كان حاضرا في كل مرة كنت اقترب فيها من الرئيس حسني مبارك.. سواء في مكان حوار على الارض او على متن طائرته وهي تناطح السحاب على ارتفاع الاف الاقدام في رحلة عمل خاطفة لساعات.. كنت دائما قادرا على ان اعبر عن نفسي بصراحة وسهولة في قضايا بدت حرجة وشائكة في وقتها.. وعلى رأسها مشكلة حرية الصحافة.. دون ان تقف كلمة في الحلق او فكرة في العقل.. دون حسابات سوى اللياقة.. ودون حساسيات سوى اللباقة. واشهد انه كان واسع الصدر.. طويل البال.. حسن الاستماع.. يرد علي الرأي بالرأي.. جاهز بالارقام والمعلومات والتجارب المشابهة.. واشهد انه لم يواجه الاختلاف معه بالغضب.. ولم يرد على ما يسمع بإضرام النار في الكلمات.. وكان ينهي حواره دائما بجملة واحدة تشير الى انه قال ما عنده وفسر ما هو غائب عنا.. ثم انه يترك لنا في النهاية حرية التصرف في ضوء ما وصل الينا.. وفي ظل مصلحة عامة.. الحفاظ عليها هو هدف الجميع.. كان يشركنا في المسؤولية.. وكنا نقتسمها معه.. ولم اجد من يطاردني او يقبض علي وانا في طريقي الى بيتي بتهمة الحوار مع رئيس الجمهورية.. او بتهمة الجرأة والمناقشة في حضرته. بل لعلي لا اكون مبالغا لو قلت ان بعضا ممن هم اقل منه في مستوى المسؤولية لا يتحملون في كثير من الاحيان ما يتحمل.. ولا يقبلون ان يتكلم احد غيرهم.. ولا يحلم احد غيرهم.. بل ربما لا يتصورون ان احدا يمكن ان يفهم سواهم.. وكان الحوار معهم اشبه بطريق بلا اتجاه اخر.. او اشبه بحوار في مسرح من مسارح الشخص الواحد.. حيث يقوم البطل بالتأليف والتمثيل والديكور والاخراج وربما الفرجة بمفرده ايضا.. وبكل ما يملك هؤلاء من سلطة يفعلون المستحيل للتخلص من كل من يرى وجهة نظر اخرى مخالفة لهم.. ومن ثم فانهم يسعون الى حرق كل ارض حوار خضراء يزرعها مبارك.. ويسعى لرعايتها وتوسيع رقعتها.. ولولا الحياء لحولوها الى صحراء جرداء.. تسيطر عليها قوى الجفاف والعطش. ان رجلاً يقبل ان تختلف الاجتهادات معه مثل مبارك لابد ان ننزعج عليه ونضع قلوبنا على ايدينا خوفا وقلقا اذا ما تعرض لحادث من اي نوع وعلى اي مستوى.. سواء بمؤامرة دولية في نيويورك واديس ابابا.. او بتصرف فردي متهور في بورسعيد.. او بخطة تفجير لئيمة في مطار سيدي براني.. ولعل هذا يفسر لماذا سارعت المعارضة بإدانة الاعتداء على الرئيس قبل غيرها من القوى السياسية.. فهي تخاف على حياتها بالقدر نفسه الذي تخاف به على حياة الرئيس.. وكان من الطبيعي ان تعتبر ما يمسه من شر هو عبث بمصير هذا الوطن واستهانة بمقدراته.. فلا شيء يتحقق بالسلاح الابيض او البارود الاسود سوى الفوضى واجهاض الاشجار الواقفة على قدميها تطرح الظل وتجود بالثمر.. والذين لا يملكون سوى السلاح يعبرون به عن انفسهم سواء كانوا قوة او جماعة او سلطة او تنظيماً او افراداً هم في الحقيقة يمارسون عبادة الظلام.. ويعيشون كنباتات الفطر على انقاض العالم وخرائبه. ولسنا في حاجة للقول ان اساليب التغيير ـ نحو غد يملؤه الحق والخير والعدل ـ معروفة ومحفوظة.. هي استنارة العقل وسماحة القلب وسلامة الضمير والثقة في العلم والتفاهم مع الحرية والقدرة على صياغة المستقبل في زمن لا يقبل بأنصاف الموهوبين. *** ولعل تجاربي المباشرة وغير المباشرة تعطيني الحق في ان اقول ان الرئيس مبارك لا ينسى لاي انسان دوره الوطني الذي اداه في ظروف حرجة وصعبة وخطرة وفي وقت تقاعس فيه الكثيرون في انتظار تبين الخيط الابيض من الخيط السود.. كما كان الحال في معركة مواجهة الارهاب بكل اشكاله المسلحة والفكرية.. ان ذاكرته تجاه من قدموا لوطنهم ما يستحق دون حسابات الربح والخسارة.. دون حسابات الحياة والموت هذ ذاكرة قوية.. لا تستطيع ان تطمسها كل عوامل التعرية السياسية.. والذاكرة القوية ليست عموما من خصائص الحكام والرؤساء في العالم النامي.. فهم عادة ينسون كل ما يقدم لهم عند اول منحنى يصادفونه.. او عند اول التواء غير مرئي في الطريق. وأشهد انه كلف احد مساعديه ومستشاريه بتوصيل رسالة تحمل التقدير على ما فعلت.. في خوض معارك الوطن في وقت جبن فيه كثيرون.. وقال: ان تغيير المواقع لا يعني تغيير المشاعر.. وجاءت الرسالة في وقتها تماما.. في وقت تكاثرت فيه السحب السوداء وبدت السماء حبلى بالغيوم التي تمطر خنجراً وسموماً.. وكان تغيير المواقع هو نوع من العقاب وليس نوعا من تغيير زاوية القتال ونوع السلاح.. واسمح لنفسي بكشف هذا السر بعد ان ذكر حامل الرسالة فحواها في حفل تكريم اقامه لي اصدقاء وزملاء على نيل القاهرة ونشرت الصحف صوره وكلماته.. ولولا هذه الرسالة لتصور البعض انه يمكن ان يطفئ الشمس بنفخة واحدة.. ويمكن ان يطفئ كاتباً بكلمة واحدة. ولست من هواة المقارنة بين نظم تختلف في ظروفها وملابساتها وواقعها ودوافعها.. ولكن للضرورة احكام.. واحكام الضرورة تقتضي ان نشهد انه مهما تكاثرت قوى الظلم حول شخص ما فان مبارك قادر على وضع الامور في نصابها.. في حجمها الطبيعي.. وقادر على فرملة كل من يسعى للبطش بإنسان لا يبغي بما يفكر ويقول ويكتب سوى وجه الله والحق والوطن.. انسان مارس حقه في التعبير دون ان يحرم غيره من حق التغيير. *** ان رجلا على هذا النحو مثل مبارك لا يستحق ان يتعرض لسوء من خارج النظام.. ولا اهمال من داخل النظام.. ولا اتصور انه لا يكفي معاقبة المقصرين من رجال الامن.. وانما يجب فحص عناصر الخلل الاجتماعية والسياسية والنفسية التي ادت الى حادث بورسعيد حتى ولو كان هذا الحادث فرديا.. بل لو كان مرتكب الحادث مختل عقليا فان من الضروري ان نفحص ظاهرة هؤلاء المختلين الذين كثرت جرائمهم الموجعة في السنوات الاخيرة ودفعنا ثمنها غاليا.. من المختل عقليا الذي ارتكب حادث فندق (سميراميس) ثم اهملناه ليرتكب فيما بعد حادث (المتحف المصري) في ميدان التحرير الى المختل نفسيا الذي نجح في ان يصل الى الرئيس بمطواة وزجاجة ـ ربما كانت معبأة بماء النار ـ وعرضه للطعن بها. ولعلها فرصة لان نفحص ظاهرة البلطجة التي استشرت في السنوات الاخيرة لتنافس العدالة البطيئة والتلاعب بها.. ان التحذير من هذه الظاهرة لم يجد ممن بيده الامر اهتماما يذكر.. ومن ثم راحت الظاهرة تتصاعد درجة بعد اخرى.. حتى وجدناها تصل لاعلى مستوى وتعترض رئيس الدولة وتهدد حياته في موكب شعبي عارم تتابعه الكاميرات على الهواء مباشرة.. وفي هذا الحادث كانت عناية السماء اقوى من تدابير البشر. ولعلها ظاهرة تستحق الدراسة ايضا.. ظاهرة عدم استشعار الخطر وتوقع المشكلة او المأساة قبل الوقوع فيها.. فنحن لا نزرع اشارة مرور في تقاطع الا بعد ان يصطدم اتوبيس مدارس.. ولا نتحدث عن خطورة الارهاب الا بعد ان يفجر القنابل.. ولا نسعى لعلاج ظاهرة البلطجة الا بعد ان تقترب مطواة من الرئيس.. نحن لا ندرك بالعقل والوعي ما يفرض علينا بالدم والحواس. ولقد اسعدني ما قاله الرئيس لابراهيم نافع بعد الحادث: (انه رب ضارة نافعة فلا شك ان مثل هذه الاحداث تعطينا دروسا جديدة في الامن وتدعونا الى مراجعة مواقع الخلل وعلاج الثغرات ولقد اعتدت كلما ظهر اي خلل في اي موقع من مواقع العمل ان اطلب دراسة الاسباب وعلاج الاخطاء) .. واتصور ان دراسة وعلاج خلل من هذا النوع ربما يتجاوز سد الثغرات الامنية الى سد الثغرات الاجتماعية والنفسية التي سببتها التغيرات الاقتصادية الناتجة عن التحول الى نظام السوق.. وسببتها ظهور قوة جديدة تؤثر سلبا وايجابا في باقي قوى الدولة هي قوة المال الخاص ورجال الاعمال.. وسببتها صراعات ظهرت على السطح بين اطراف في مؤسسات الدولة المختلفة وكانت مسرحا لاحتكاكات لا احد مهما كان حكيما عرف مبررا لها.. وهي صراعات شغلت من فيها عن الانتباه لدورها واداء عملها بالكفاءة المطلوبة. *** وفي هذا الحادث تصرف الرئيس بهدوء يحسد عليه.. حتى انه اصر على مواصلة برنامجه دون تعديل رغم مطالبة البعض له وبإلحاح ان يخلد الى الراحة بعدما جرى.. وان يطير بعد الحادث ويعود الى شرم الشيخ.. ويمكن القول ان الرئيس ادار الازمة في وقت انهار فيه البعض.. وراح يلطم الخدود.. ان قصة الساعة التي قضاها الرئيس في مكتب محافظ بورسعيد بعد الحادث مباشرة وحتى دخوله الى الاجتماع الشعبي والرسمي الذي كان ينتظره هي قصة يجب ان تروى.. لانها تكشف كيفية ادارة البلاد في الاوقات الحرجة.. ودون ان يشعر احد.. وفي هدوء مذهل.. جعل كل من كان في الاجتماع ـ فيما عدا عدد محدود جدا من المسؤولين ـ لا يعرف بما جرى الا فيما بعد. ولم يلحظ اكثر الناس دقة ان الرئيس استبدل (الجاكيت) والقميص وربطة العنق.. وكان السبب بقع من الدم فوق القميص الابيض عند اعلى الصدر سببها الجرح غير النافذ الذي جرى تطهيره والسيطرة عليه بسهولة.. حسب رواية الرئيس لابراهيم نافع.. كما جرى تأمين المكان بقوات خاصة هبطت على عجل وصورتها كاميرات الاخبار.. وظهرت صورها في نشرات التلفزيون.. لتوصيل رسالة عبر الاثير بان كل شيء تحت السيطرة. ولعل الحادث بما كشف عنه من قصور وخلل في اسبابه ودوافعه وكيفية علاجه واسلوب التعامل معه يعطي الرئيس مبررات اكثر للتغيير الذي تحدث عنه لاول مرة بوضوح في لقائه مع شباب الجامعات بالاسكندرية وتحدث فيه عن تجديد الدماء بالموهوبين واللامعين لمواجهة عالم جديد (اصبح التقدم فيه رهنا بالقدرة على استيعاب معارك العصر) .. واولى هذه المعارك.. معركة المعرفة التي تتغير كل 12 سنة.. في سباق مجنون سقطت فيه المعرفة القديمة تحت اقدام معرفة جديدة.. وبدا فيه ان الفجر غير مستعد لان يطيل فترة العشاء.. وبدا فيه ان قاعدة التدرج الاداري لم تعد تكفي.. فأغلب الذين غيروا وجه العالم ـ من عبقرية الكمبيوتر الى مفاجأة الاستنساخ ـ كانوا شبابا تجاوزوا من علموهم.. وان ظلوا يحترمونهم.. ولو ترك هؤلاء الصغار لدورهم التقليدي لماتوا واحترقوا قبل ان تستفيد البشرية منهم ومن ما قدموه لها بعيدا عن حسابات التدرج الوظيفي والتسلسل الهرمي. واتصور ان الرئيس بحثا عن دماء جديدة يدفعها في شرايين التغيير سيكسر الحلقات الضيقة التي ندور فيها.. لتوسيع الدوائر لتصبح فرص الاكتشاف والاختيار اكبر.. وفرص الذين يحملون تصورات غير تقليدية للمستقبل افضل.. والا كنا كمن يلعب على الرقعة نفسها.. بنفس القطع.. مع امكانية تغيير مواقعها.. وصعوبة تغيير ملامحها وخصائصها. *** اننا نقول الحقيقة عندما نشعر ان الوطن الذي نحبه ونكتب له وندافع عن حدوده ووجوده لا يقف ضد الحقيقة.. ونحن نضيء شمعة في محرابه عندما نشعر انه لا يأخذ منا الشمع والكبريت ويضربنا على اصابعنا عقابا. اننا سنواصل الرحلة في قطار الوطن مادام السائق يهتم بركاب الدرجة الثالثة بقدر اهتمامه بركاب الدرجة الاولى.. ومادام السائق قادر على الحوار.. ولا يلقي من النوافذ كل من يجتهد ويفكر ويعبر بحرية ومسؤولية. * كاتب مصري