ابجديات: بقلم عائشة ابراهيم سلطان

بعدما انكسرت كل الاحلام الكبيرة ولم يعد لانسان الشارع البسيط مشاغل لها علاقة بالقضايا الكبرى, ومستقبل الاوطان وصراع الايديولوجيات, واحلام على شاكلة الوحدة والتضامن والخلاص من العدو المشترك! والارتقاء بمستوى الوطن اعتمادا على خبراته التي اوهمونا بها ذات عمر مدرسي انتهى! بعد ذلك كله صحوت ذات صباح فإذا انت شخص آخر كل همه ان يمتلك سيارة, وان يدفع ايجار البيت حتى لا ينام مع القطط في الشارع , وان يعلم ابناءه بشكل يضمن لهم وظيفة ان لم يكن في الوطن ففي اي منفى ستجد نفسك فيه ذات مستقبل! وان تحافظ على وظيفتك بالصمت الدائم عن كل ما ترى, وفي آخر خميس من كل شهر تتأدب وتستحضر كل قوانين اللباقة التي علمك اياها اهلك لتقف امام محصلي الفواتير في مؤسسات الهاتف والكهرباء والماء وبقالة الحي و... !! فيما بينك وبين نفسك صرت تراكم في داخلك احلاما اخرى هي اقرب الى احلام العصافير, بعد ان سحبت (رخصة) حق الاحلام عن الانسان في الوطن! فتأمل في أي شيء انحصرت احلامك وطلباتك في نهاية الامر؟ تحلم في اوقات كثيرة في ان تحتسي قهوتك بهدوء في ركن قصي داخل مقهى صغير في صباح رائق مع صديق حميم, لا تطلب ان تثرثر او تسأل عن أحوال الدنيا والناس والسياسة لان كل هذا (وجع قلب) لا طائل من ورائه وانت تعبت من هذا الوجع المجاني وتريد ان تستريح حتى وان كانت استراحة محارب قصيرة. تريد فقط ان تكون نفسك, أنت كما انت, وان تتخلص من هذا الجحيم ومن كل لوثات البشر ومسلماتهم العجيبة, تريد ان تبني منظومتك الخاصة ونظرتك الاخرى للحياة وللتفاصيل وللجمال وللذات ولنفسك ولمن تحب, فيتآمر عليك المكان والزمان, وحتى الصدفة قد تتآمر عليك احيانا. تريد ان تتحرك في الشارع دون ان يقذف احدهم في سمعك جملة سيئة اللفظ, او يخطف هدوءك تصرف ارعن او نظرات متوغلة في خصوصيتك بشكل غريب, ما يقلب فرحك وجمال يومك ويحولك الى كتلة متداخلة من الاعصاب المكشوفة على التوتر والقلق والغضب, تماما كأسلاك الكهرباء المكشوفة في يوم ماطر صاعق! تريد ان تلقى الآخرين الذين يعبرون اليوم معك وامامك برضى وابتسامة وبتحية طيبة, ولا احد يمنحك هذه الفرصة في اغلب الاحيان, فبشكل مفاجىء يغتال احدهم كل النوايا الشفيفة الطيبة التي ترف في داخلك, هكذا وبدون وجه حق, صارخا او زاعقا او ملوحا بيده او.. فقط لانه رجل شرطة او صاحب سيارة آخر موديل مكشوفة على التباهي الساذج, او موظف استقبال في مؤسسة ضخمة باردة يحسب نفسه فجأة بسبب الرخام والفخامة واللمعان الامين العام للامم المتحدة, واحيانا بسبب مدير او مسؤول تضطر لمراجعته بداية يومك وتندم على ذلك الاضطرار كل العمر. تريد ان تتحدث الى زميلك بود وبدون سوء نية وان تؤدي عملك باتقان لانك مؤمن بأن العمل فعل حضارة لا فعل اجترار حيواني فيتآمر عليك من حيث لا تدري اشخاص مملوءون حتى النخاع بعقد نفسية لا تنتهي. تريد وتريد وتريد... اشياء بسيطة, لكن تصور انها اصبحت احلاما, وتصور فيم انحصرت احلامك في نهاية المطاف؟ في ان تكون انسانا لا اكثر!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات