كلما أعطيت تنازلات كلما قل احترام الغرب لك. فالغرب لا يحترم الصدق.. انه يحترم القوة.أضف الى كلمة(الغرب)في هذه المقولة كلمة(اسرائيل)وستكتشف ان هذه العبارة التي صدرت قبل عشر سنين من القطب الفلسطيني الراحل خالد الحسن لا تزال الى يومنا هذا سارية المفعول.واذا المقصود بالطبع كما يوحي السياق هو التنازلات المتعلقة بالثوابت الاستراتيجية , لا التنازلات(التكتيكية)فإن مسلسل التنازلات الاستراتيجية المتعددة التي بذلها الزعيم ياسر عرفات تجاه اسرائيل دونما يقابلها من تنازل استراتيجي واحد من الطرف الآخر يعيد الى السطح ذلك التساؤل القديم المتجدد: هل منظمة التحرير الفلسطينية, أو بالأحرى قيادتها, اصلا كيان ثوري تحرري أم جهاز بيروقراطي لا يمت الى الثورة بصلة؟ لقد كان خالد الحسن يعلق على ما أقدم عليه عرفات عام 1988 من اعلان بأن منظمة التحرير الفلسطينية تعترف بحق اسرائيل في الوجود والعيش كدولة آمنة وإعلان آخر مرافق بأن المنظمة قررت نبذ (الارهاب) (الكفاح المسلح) كوسيلة نضالية. ومضى الحسن قائلا: (انه لخطأ استراتيجي ان نواصل تقديم تنازلات. لقد تنازلنا بما فيه الكفاية. لقد قلت لعرفات انهم لن يحترموك اذا خلعت ملابسك وأعطيتها للاسرائيليين ليدفئوا بها اجسامهم, فإنهم لن يغطوك. على العكس, سيسخرون منك) ! وربما أراد الله تعالى الرأفة بخالد الحسن عندما وافته المنية قبل ان يشهد أوسلو وما تضمنت كبنود نظرية وأفرزت كنتائج تطبيقية تنازلات قضت على كل الثوابت الفلسطينية وانتهت بالشعب الفلسطيني الى تكريس للاستعمار الاسرائيلي بحماية سلطوية فلسطينية. ونعود الى السؤال: ما الطبيعة التكوينية لمنظمة التحرير الفلسطينية؟ ان الاجابة على هذا السؤال يجب ان تكون (بأثر رجعي) لأن منظمة التحرير الفلسطينية عمليا زالت من الوجود بعد قيام (السلطة الوطنية الفلسطينية) كهيئة تمثل الشعب الفلسطيني مما أدى الى تشتت فصائل منظمة التحرير. ان أول ما يلفت الانتباه لدى من يطالع الصفحة التاريخية للمنظمة بعين مجردة هو انها انشئت وتنامت خارج أرضها. وهذه الحقيقة الجذرية هي التي حددت منذ البداية وحتى النهاية الطبيعة السياسية للمنظمة وهويتها التكوينية, وبالتالي توجهاتها وسياساتها ومسارها عبر السنين. وكما يعلم الجميع ان (فتح) هي التنظيم النواة الذي قام عليه تكوين منظمة التحرير لاحقا كتنظيم مظلي شامل بعد انضمام فصائل اخرى الى (فتح) , ويجوز ان يكون مفهوما ان يولد التنظيم النواة خارج فلسطين المحتلة عند أواخر الخمسينات على يد عدد صغير من المغتربين الفلسطينيين (أبرزهم ياسر عرفات وخليل الوزير (أبوجهاد) ) الذين كانوا يعملون في الكويت. ذاك في حد ذاته كخطوة استهلالية ما كان محل استهجان من أي أحد. ما يستهجن تاريخيا هو ان تلك الخطوة كان يجب ان تتخذ بهدف نقل العمل التنظيمي النضالي الى داخل الارض المحتلة بأسرع ما تسمح به الظروف وسط الجماهير الفلسطينية التي كانت تحتك مباشرة بسلطات الاحتلال الاسرائيلية. ولذا يمكن ان يقال تاريخيا ان العمل التنظيمي الفلسطيني اتخذ منذ البداية وجهة خاطئة استراتيجيا أفضت به الى خطأين استراتيجيين حتميين: أولا, الفرقة بين فلسطينيي الشتات وفلسطينيي الداخل.. وثانيا, تورط النضال الفلسطيني في لعبة السلطة العربية.