في ظاهرة الهجرة العربية، بقلم فايز سارة

يكاد يكون مشهدا مألوفا في اكثرية البلدان العربية وجود حشود من المراجعين على ابواب السفارات والقنصليات الغربية, وغلبا فان المحتشدين من الراغبين بالحصول على تأشيرة سفر الى البلد المعني للزيارة او الدراسة, وقليل منهم يفصح عن رغبته بالهجرة, ولو ان اغلبية طالبي تأشيرة الزيارة والدراسة, لا يلبثون ان يتحولوا الى مهاجرين في وقت لاحق, ومعظمهم لا يحصلون على جنسية البلد الذي هاجروا اليه . تلك المشاهد على ابواب السفارات والقنصليات تعيد الى الاذهان موضوع الهجرة العربية الى الخارج, لا سيما وان الهجرة صارت ظاهرة عربية, ربما بقدر ما صارت ظاهرة عالمية او اكثر, ولعل السبب في ذلك له طابع مزدوج, بين معطياته عوامل موضوعية, تتصل بما صار اليه العالم من قرية صغيرة يسهل الانتقال بين اطرافها, وعوامل ذاتية تتصل بحالة المجتمعات العربية واوضاع سكانها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الراهنة والمحتملة مستقبلا. ويقودنا الحديث عن الهجرة العربية الى استطلاع للرأي اجرته احدى المؤسسات المتخصصة في لبنان مؤخرا, وسألت فيه مجموعة من اللبنانيين بلغ عددهم الفا وخمسمائة شخص ممن تزيد اعمارهم على خمسة عشر عاما, يتوزعون في المناطق اللبنانية المختلفة من الذكور والاناث, وقد جاءت نتائج الاستطلاع لتبين ان اكثر من اربعين بالمائة من المشاركين فيه, قد فكروا بالهجرة الى الخارج مرة واحدة على الاقل خلال السنوات الثلاث الاخيرة, وان ثلاثين بالمائة, قد سعوا من اجل الحصول على تأشيرة من احدى السفارات او القنصليات الموجودة في لبنان خلال العام الماضي. ان بين التفاصيل في الاستطلاع حول هجرة اللبنانيين ما يستحق الوقوف عنده وتأمله, بل وقراءة دلالاته, وفي مقدمة التفاصيل, ان نحو ثلاثة ارباع الذين يفكرون بالهجرة هم من الشباب, والاكثرية من الذكور, ثم ان نسبة المتجهين الى الهجرة ترتفع كلما ارتفع المستوى التعليمي, بحيث ان اصحاب الشهادات العليا, هم الاكثر بين نسب المتعلمين الراغبين في الهجرة. ورغم ان السبب الرئيسي للهجرة كما حدده المشاركون في الاستطلاع, يعود الى الاوضاع الاقتصادية, ورغبة الشخص في تحسين اوضاعه المعيشية او اوضاع عائلته, بتغيير مستوى ونوعية دخله, فان هناك سببا اخر للهجرة, وهو السفر بغاية التحصيل العلمي, والى جانب سبب اخر للهجرة, وهو سبب أمني نابع من الاوضاع (الامنية) التي يرغب المرشح للهجرة في التخلص منها. لقد بين المشاركون في الاستطلاع ان الاتجاه الى الهجرة يتمركز باتجاه دول اوروبا والقارة الامريكية, لكن ثلاث دول هي الاهم في هذا الاتجاه وهي الولايات المتحدة الامريكية وكندا وفرنسا. والاستطلاع الخاص بالهجرة في لبنان في معطياته ونتائجه, قد ينطبق, أو يتقارب مع نتائج استطلاعات مماثلة تجري في اغلبية البلدان العربية, او على الاقل على جزء اساسي منها, ومن تلك الدول الاردن وسوريا, ومصر, والسودان, والجزائر, وغيرها, الامر الذي يعني, ان المعطيات والنتائج سوف تتشابه في اغلبية الدول العربية. ويقودنا موضوع التشابه في موضوع الهجرة بين لبنان والأكثرية العربية, الى قول ان التدقيق في معطيات الاستطلاع وما يحيط بظاهرة الهجرة, يؤكد ان البلدان العربية تتجه الى خسارة جزء مهم من مواطنيها, وهو يتراوح حول ثلاثين بالمائة من مستويات عمرية شابة, تزيد اعمارها على خمسة عشر عاما, تفكر بالهجرة, أو قد شرعت بإجراءات الهجرة من وطنها مما يعني خسارة محتملة لطاقة نحو ثلث السكان من الفئات الناشطة في سن العمل والانتاج. ولعله مما يزيد حجم الخسارة العربية الناتجة عن هذه الهجرة, امران الأول ان القسم الأكبر من المرشحين للهجرة هم من الذكور, ويشكل الذكور اغلبية الفئات العربية الناشطة في سن العمل سواء في لبنان أو بقية البلدان العربية, حيث لا تشكل الناشطات من النساء في سن العمل اكثر من خمسة عشر بالمائة من اجمالي من هم في سن العمل. والأمر الثاني, ان اغلبية المرشحين للهجرة, هم من المتعلمين ومن اعلى المستويات تعليميا, وهذا يعني خسارة القسم الاهم من الطاقات المتعلمة في وقت تتجاوز الامية في اغلبية البلدان العربية نسبة الخمسين بالمائة من اجمالي السكان, وإن كانت هذه النسبة في لبنان اقل من ذلك بقليل. ان بين مترتبات ظاهرة الهجرة على البدان العربية, ان الهجرة تستنزف طاقة هذه البلدان, ولا سيما الطاقة البشرية والقسم المميز منها بكل ما كلف اعداده من اعباء ومعاناة, في وقت تعتبر فيه الطاقة البشرية ركنا اساسيا لعملية التنمية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي, التي تنشدها اغلبية البلدان العربية للخروج من واقع التخلف وتجاوز آثاره. ويتطلب واقع كهذا, تقدم الحكومات العربية لصياغة سياسات على الاصعدة المختلفة من اجل الحد من الهجرة العربية بتلافي اسبابها ومسبباتها سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية وثقافية, مما يؤدي ليس الى الحد أو وقف ظاهرة الهجرة, بل وتهيئة فرص العمل لعملية تنمية وتقدم اقتصادي اجتماعي افضل. * كاتب سوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات