القوة لا يمكن فرضها من منطلق عسكري بحت, عدا استثناءات قليلة جدا, أي ان الدولة التي تمتلك القوة الكافية لا يمكنها أن تفرض على غيرها من الدول ما تريد تحت التهديد باستخدام تلك القوة فقط, لأن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع أن تشكل سلاحا قويا يمكنه أن يفرض إرادته ما لم تكن من خلفه عناصر أخرى للقوة تسانده وتدعمه, كالقوة الاقتصادية والسياسية , أي تتوافر لتلك القوة عناصر الزعامة في قيادة الدولة القوية, لأن عنصر القوة العسكرية يكون دائما في حاجة للقوة السياسية التي هي بالتالي في حاجة إلى قوة اقتصادية تمكن تلك الزعامة من الاعتماد على اقتصاد وطني داخلي قوي لا يتأثر بما يمكن أن تجلبه القوة العسكرية للقوة السياسية من متاعب. لهذه الأسباب تظل الغلبة لمن يملك هذه العناصر مجتمعه, لا لمن يمتلك بعضها فقط, حيث تظل الدول التي تمتلك بعض هذه العناصر دون الأخرى في وضع الانتظار إلى أن تتوافر لها العناصر المتبقية لتلعب دورها في توجيه السياسة الخارجية لكتلة من الكتل السياسية, أو لتوجيه السياسة الدولية في الاتجاه الذي يخدم مصالحها أو لعب دور بارز في هذا التوجيه على أقل تقدير, قد يطول هذا الانتظار أو يقصر بمدى ما يمكن أن تحصل عليه تلك الدول أو الكتل من العناصر المتبقية حتى لو كانت تمتلك قوة عسكرية ضخمة, تماما كروسيا التي ورثت عن الاتحاد السوفييتي قوته العسكرية المدمرة, ولكنها تفتقد إلى عنصري الاقتصاد والزعامة السياسية, لذلك ليس لتلك القوة العسكرية أي حساب لدى الأعداء في الغرب, بل ان هذه القوة العسكرية تحولت إلى رهينة حقيقية مقابل حفنة من المواد الغذائية, التي تساعد على التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية, ولكنها لا تساعد على الانطلاق أو حتى البدء في بناء اقتصاد جديد, لأن الغرب يدرك تماما هذه المعادلة, لذلك هو على استعداد لمساعدة روسيا في حدود معينة لتبقى بعيدة عن تشكيل باقي عناصر القوة المطلوبة حتى لا تحتل موقعا بارزا في قيادة العالم, أو توجيه قيادته. الحال يمكن أن ينطبق على أوروبا الغربية في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية, فعلى الرغم من تمتع الاتحاد الأوروبي بقوة اقتصادية وعسكرية تمكنه من لعب دور بارز في الحياة السياسية الدولية, وصنع قرارات مهمة في منظمات دولية فاعلة مثل الأمم المتحدة ومنظماتها المنبثقة عنها, إلا أن هذه القوة لا تزال رهينة (دينها) للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية, إضافة إلى أنها لا تزال رهينة لعدم وجود زعيم سياسي يمكنه استخدام القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية التي يتمتع به الاتحاد الأوروبي, لا لفرض سيطرة عسكرية على الولايات المتحدة, بل للتعامل معها على مستوى الندية والمساواة, وذلك ببساطة لأن القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية الأوروبية لا تزال حديثة العهد, وتحتاج إلى وقت لتكوين الزعامة السياسية التي يمكنها أن تحتل مكانتها في صنع مستقبل العالم من منطلق القوة. النجاح الذي حققه الاتحاد الأوروبي بعد قرار التعامل مع بقية العالم من خلال عملة موحدة (اليورو) يدفع إلى التفكير في توافر عناصر القوة الأخرى للبدء في تشكيل الزعامة السياسية التي تمكنها من لعب دورها المنوط بها أو المفروض عليها لحماية مصالحها في العالم, العملة الموحدة نتجت عن تقدم اقتصادي بخطى ثابتة, وإصلاح للعجز الذي كانت تعانيه كل دولة على حدة, وخفض لمعدلات البطالة التي كانت سرطان الاقتصاد الأوروبي حتى سنوات قليلة مضت, وخفض معدلات الديون الخارجية, إضافة إلى خفض معدلات الاستهلاك للحفاظ على فائض للتصدير يدعم وجود العملة الموحدة, كل هذه العناصر ساعدت على أن تصبح أوروبا قوة اقتصادية, أي تمتلك أحد العناصر الهامة للقوة. القوة الاقتصادية التي حصلت عليها أوروبا من خلال الاتحاد الأوروبي لم يكن مرجعه خروج (اليورو) إلى الوجود كعملة موحدة, أي لغة موحدة تتعامل من خلالها أوروبا مع العالم كله, بل أيضا من خلال استقلاليتها في عالم الاقتصاد من خلال تنميتها في مجال الإلكترونيات المتقدمة, لأن الاقتصاد الحديث لا يمكن أن يشكل قوة حقيقية ما لم يكن معتمدا على منظومة معلوماتية حديثة وقوية, وفي هذا المجال استطاعت أوروبا خلال السنوات الخمس الماضية أن تتخطى العجز الذي كان يباعد بينها وبين الولايات المتحدة في هذا المجال, فقد نجحت في تحقيق تقدم في مجال المعلوماتية ساعدها في الوقت نفسه على تخطي جزء كبير من مشكلة البطالة, حيث تؤكد الإحصاءات أن نسبة العاملين في مجال المعلوماتية في دول الاتحاد الأوروبي تشكل حوالي 15 في المائة من مجموع الأيدي العاملة. هذا بالإضافة إلى القوة العسكرية التي تتمتع بها, وان كانت قوة أوروبا العسكرية توجد من خلال منظومات عسكرية تسيطر عليها الولايات المتحدة, أو تتولى مكانة بارزة في توجيه فاعليتها, إلا أن هذه السيطرة من الجانب الأمريكي كانت ولا تزال مرهونة بعدم وجود عناصر القوة الأخرى التي أشرنا إليها في البداية, لذلك فإن توفر عنصر القوة الاقتصادية يمكن أن يكون البداية نحو استقلالية القرار الأوروبي لتشكل قوة جديدة على الصعيد الدولي في مواجهة القطب الواحد الذي تهيمن عليه أمريكا. لكن على الرغم من وجود الظواهر التي تؤكد تمتع دول الاتحاد الأوروبي ككتلة بعناصر القوة جميعا, إلا أن هناك أجزاء من هذه العناصر لا تزال في حاجة إلى الإيضاح, لأن العملة الموحدة لم تكن متكاملة أو تضم الدول ذات الاقتصاد القوي في الاتحاد الأوروبي كله, بل هناك دول تتمتع بالقوة, أو كان يمكنها أن تمنح اليورو جانبا من قوتها الاقتصادية ترفض الانضمام إليها, مثل ما حدث مع بريطانيا التي لا تزال تفضل أن تظل متفردة في وجودها في الاتحاد الأوروبي, على الرغم من التأثير السلبي لهذا القرار على قوة الاتحاد الأوروبي كقوة دولية مؤثرة. من الناحية السياسية أثبتت الأحداث التي وقعت خلال العام الماضي وما مر بنا من هذا العام عجزا في هذا المجال في الجانب الأوروبي, لأن تلك الأحداث أكدت افتقارها إلى عنصر الزعامة السياسية, وبات هذا واضحا في أزمة كوسوفو, فرئيس الوزراء البريطاني توني بلير يفقد بريقه الدولي بانشغاله بهموم داخلية, أما رئيس الوزراء الفرنسي جوسبان فهو منغلق على نفسه في فرنسا استعدادا للانتخابات العامة المقبلة, على الرغم من أن فرص نجاحه فيها قوية بسبب الانقسامات الحادة التي تسيطر على اليمين الفرنسي المتشرذم, أما المستشار الألماني شرويدر الذي تعتبر بلاده من أهم الدول في الاتحاد الأوروبي, وعناصر قوتها أو ضعفها تؤثر سلبا وإيجابا في باقي دول الاتحاد الأوروبي, فهو عاكف على لعق جراحه بعد الهزائم المتوالية التي واجهها حزبه خلال الأسابيع القليلة الماضية, والتي تعيق حركته داخليا وخارجيا. إزاء هذا الوضع كان هناك أمل في أن يكون للمجلس الأوروبي القوة الكافية لتغطية العجز في مجال الزعامة حتى يمكن لأوروبا أن تتخلص من تبعيتها الحالية للولايات المتحدة, لأن المجلس كان يمكنه أن يسد العجز فيما تفتقده دول الاتحاد الأوروبي منفردة, لتشكل قوتها من خلال (حكومتها) المركزية ككتلة موحدة, أو أن يكون المجلس الأوروبي من القوة بحيث يشكل بديلا للحكومات, ويلعب دورها كقوة مطلوب منها أن تكمل عناصر قوتها لتلعب دورها الذي يساوي حجم ما تمتلكه من عناصر القوة. إلا أن خضوع عملية تشكيل المجلس الأوروبي الجديد برئاسة الإيطالي رومانو برودي لرؤى ضيقة حاول من خلالها ممثلو كل دولة تقديم مصالح بلادهم على مصالح الاتحاد الأوروبي كقوة سياسية واقتصادية وعسكرية دولية لها مكانة خاصة في العالم, وانتهى الوضع إلى مجلس أوهنته التطلعات الوطنية , إضافة إلى تراكم الأخطاء التي ارتكبها المجلس السابق برئاسة سانتير والذي انتهى إلى ما يشبه استقالة بسبب الفساد الذي مارسه بعض أعضائه. لكل هذه الأسباب يمكننا ان نقول ان ساعة الدور الأوروبي عالميا لم تحن بعد, أو أن أوروبا في وضعها الحالي ومن خلال توافر عناصر القوة لها لا تزال بلا زعامة سياسية حقيقية توجه تلك العناصر للعب دورها المرجو منها, أوروبا في هذا الوضع كأفعى بلا رأس. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا.