يحكي لنا التراث العربي هذه القصة:(دخل الخليفة العباسي المأمون في حوار مع محمد بن القاسم في مسألة من المسائل الفلسفية, فأخذ ابن القاسم يخضع في الكلام للمأمون ويوافقه ويتنازل له, فقال له المأمون: يا محمد اراك تنقاد الى ما اقوله قبل وجوب الحجة لك علي, وقد ساءني ذلك منك, ولو شئت ان افسر الامور بعزة الجلالة وهيبة الرياسة لفعلت, ولكنني لا أقنع الا باقامة الحجة, وعندي ان انقص الملوك عقلا , واسخفهم رأيا من رضى بقولهم صدق الملك!) . مافعله المأمون يؤكد كل ماكتب عنه, بأنه كان صاحب عقل وحكمة وثقافة, وقد قال ما قال لانه صاحب السلطان اولا, ولانه على صواب ثانيا, اما ابن القاسم فلم يفعل الا مايفعله كل من يقف بين يدي اصحاب النفوذ والسلطان على امتداد التاريخ العربي الاسلامي ـ الا في حالات نادرة ـ واعني منافقة الحاكم او المسؤول تحت مسميات اخف وطأة مثل (التأدب) و ((المديح) و ( اللباقة) وكلها اذا تعارضت مع روح الحقيقة وتمت وفق حسابات المصلحة والمنفعة والخوف لم تخرج عن كونها نفاقا لايزيد ولاينقص! في التاريخ العربي كثر الشعراء وزادت قصائد المديح على كل الوان الشعر واغراضه, حتى ما كان اجمله وارقه كالغزل والوصف, وتبارى الشعراء في التسكع امام ابواب الخلفاء والسلاطين, وارتفع بالمديح شأن اراذل الشخصيات وانحط شأن العلم والاختراعات والابداعات عندما صار هم الملوك تقريب الشعراء ليرفعوا ذكرهم ويبنوا لهم امجادا من سراب ببضعة اكياس ملأى بالذهب والفضة, هكذا سقط المتنبي في شراك كافور الاخشيدي كما سقط العلامة الكبير ابن خلدون في فخ البحث عن المجد والسلطان بانضمامه الى بطانة تيمورلنك المغولي صاحب المآسي والجرائم التي لاتنسى في التاريخ الاسلامي. وحده عمر بن العزيز الخليفة الاموي الراشد الذي انفض سامر الشعراء من امام بيته لان هذا البيت لم يكن قصرا اولا ولانه لم تكن لاصحابه علاقة بالثراء والنعيم ولان عمر قد شغل ببناء مجد اخر للاسلام بطريق آخر لايمر عبر ألسنة الشعراء ونفاقهم. في تاريخ الغرب, تصفحنا مرحلة البعث الاوروبي او النهضة الاوروبية مع بدايات القرن الثالث عشر, وفي هذه المرحلة ظهرت اسر قادت مرحلة البعث خاصة في المدن الايطالية حيث تفجرت الشرارة هناك وانتشرت لكن احدا من هذه الأسر لم يعرف عنه ادنى اسراف او بذخ مع الشعراء, ولم تكتب قصائد مديح في (أل مديتشي) مثلا كأسرة عرفت بانفاقها الباذخ على العلماء والفنانين لماذا؟ نعود الى حقيقة طبيعة التركيبة او الذهنية الغربية في مرحلة النهضة التي لم تصبنا شرارتها بعد. منذ بدأ عصر النهضة واثرياء الغرب افرادا وأسرا ينفقون بسخاء على حقول العلم والاختراعات والابحاث وبهذا الانفاق تفجرت قوة (البخار) ثم (السكك الحديدية) والطائرات وعلم الفضاء.. الخ والمسيرة مستمرة. نحن مازلنا نعيش عصر الفتوحات السلطانية والامجاد الوهمية والانتصارات.