يعاني الشعب العربي ـ شأنه شأن شعوب أخرى من أزمة فكرية, من جوانبها ظاهرة انعدام التواصل الفكري بين تيارات فكرية مختلفة, أو عدم توفر ما يكفي من هذا التواصل بين هذه التيارات, وأحد الأسباب الرئيسية في ذلك هو تصور عدم وجود مرجعية فكرية شاملة مشتركة . ومن جوانب هذه الأزمة الفكرية أيضا ظاهرة تصور الانقطاع بين الفكر المعاصر والأزمنة, أو ظاهرة عدم ايلاء التقدير الواجب للصلة بين ذلك الفكر والأزمنة, وأحد الأسباب الرئيسية في نشوء هذه الظاهرة هو عدم تفسير أحكام تراثية بما يتفق مع مقتضيات حياتنا في الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتغيرة, تبعا لتوالي الفترات التاريخية. وبالنظر إلى تصور المتصورين منا لعدم وجود مرجعية فكرية شاملة مشتركة, تقوم وتنشأ تجزئة فكرية وتجيب فكري, ولا يقوم قدر كبير من الانفتاح بين الجيوب أو المعازل الفكرية التي يستند كل منها إلى مرجعية من المرجعيات, يقوم اختلاف بين هذه المرجعيات, وكل مرجعية لا تعي المشترك مع مرجعيات أخرى, وكل منها تنبذ وتنفي الأخرى, ومن تعابير هذا النبذ وصف تيارات بأنها (رجعية) و (انهزامية) و (وصولية) و (مادية) وغيرها. وفي الحقيقة انه توجد أسس فكرية مشتركة لشتى المرجعيات, كما توجد أسس مختلفة فيما بينها, ولكن لأن المتصورين يتصورونها على انها متناقضة تماما يقومون بعرضها على اعتبار انها متناقضة, مهملين بذلك أسسها أو جوانبها المشتركة, يبين ذلك ان أزمة المرجعية في الوطن العربي تعزي ليس إلى الاختلافات في الأسس الفكرية لهذه المرجعيات فقط, ولكن أيضا الى التصور الخاطئ من جانب المتصورين لهذه المرجعيات وكأنها تفتقر الى جوانب مشتركة, وكأنها أيضا تشكل طروحا فكرية يتناقض بعضها مع بعض تناقضا تاما. ويوضح ذلك ان الذين يتصورون هذا التصور الخاطئ, والذين يكتبون عن موضوع المرجعية ولديهم هذا التصور في الوطن العربي, وهذه ظاهرة قائمة كما ذكرنا في مجتمعات أخرى يلحقون الضرر بالمجتمع العربي وبالأمة العربية, إذ يذيعون فكرة خاطئة عن مدى الالتقاء والاختلاف الفكريين في هذا الوطن. وهم بطرح واشاعة هذا التصور الخاطئ لا يسهمون في التآلف الفكري والاندماج والتماسك الاجتماعيين, ولكن يسهمون في تجزئة الفكر العربي وترسيخ وتعميق الفجوة بين المرجعيات, وما يحصل بالتالي هو تجزئة الأمة وجهودها, مما يعني المساس بمصلحتها والتضحية بها. ان الاتجاهات الفكرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية الفكرية, من قبيل الاتجاهات القطرية والاسلامية والعروبية وغيرها, لها جوانب فكرية واحدة كما ان لها جوانب فكرية مختلفة, ومن الخطأ موضوعيا وفكريا عرضها وكأن بعضها يتناقض تناقضا تاما مع بعض. فعلى سبيل المثال, من منظور هدف واحد هو هدف تحقيق مصلحة الشعب, لاتجاهات فكرية معدودة دور في تحقيق هذا الهدف, فالدولة يمكن ان يكون لها جانب القيام بحماية الشعب, والنزعة العربية يمكن ان يكون لها جانب في تعزيز تكامله, والاتجاه الاسلامي يمكنه ان يمنح قيما تعزز أسسه الخلقية, والجهود القطرية يمكنها ان تسهم في التعجيل باقامة البنية الأساسية الاقتصادية والتكنولوجية, ومفاهيم التضامن والتكافل والتعاضد يمكنها ان تضيق الفجوات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية بين شرائح الشعب, مما يؤدي إلى تعزيز التماسك الاجتماعي, وهكذا. وحتى تكون مختلف التيارات الفكرية مصدرا لمرجعية واحدة, ليس من الضروري ان تكون جميع جوانب كل تيار مماثلة لكل جوانب التيارات الأخرى. ان الاصرار على ان تكون جميع جوانب تيار واحد مماثلة لجميع جوانب أي تيار من التيارات الأخرى, وصفة لبقاء انعدام مرجعية فكرية عربية مشتركة, ووصفة لبقاء التنابذ الفكري العربي. * استاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة