مع تسارع العد التنازلي الأخير صوب نهاية القرن العشرين مع انصرام شهر ديسمبر لعام 1999 يتبارى المعلقون والمحللون في وسائل الاعلام الغربية في كيفية اثبات انه قرن اندحار الاشتراكية وانتصار الرأسمالية. وكان الأحرى بهم ان يقولوا (اندحار المعسكر السوفييتي) و(انتصار) الصهيونية العالمية بوسيلة التحكم الرأسمالي في الاقتصاد العالمي . ان جوهر الاشتراكية هو فكرة سيطرة الدولة على وسائل (الانتاج الأساسية, وبالتالي تسيير الاقتصاد الوطني في أي بلد وفق مبادىء التخطيط المركزي. ومثل هذه الفكرة لا يصح علميا ان يقال انها (انهارت) .. فهي نزعة تجريدية تنظيرية ذات قابلية لأن تتجسد في مشروع دولة. ومثل هذه الدولة يمكن ان تبقى أو تنهار, لكن الفكرة التنظيرية العامة تظل على قيد الحياة الى ان تتهيأ ظروف موضوعية جديدة لقيام مشروع دولة أخرى. لا يجوز اتخاذ نموذج واحد لإصدار حكم تعميمي. فمع انهيار المعسكر الاشتراكي السوفييتي في أوروبا بقي النموذج الصيني الاشتراكي.. وإن شئت النموذج الكوبي أيضا. أجل.. إن سقوط الاتحاد السوفييتي كقلعة اشتراكية وكيان دولة عظمى معلم رئيسي في مسار القرن العشرين يعتبر نقطة تحول في التاريخ العالمي المعاصر. فهو أول تجربة تطبيقية للنظرية الماركسية اللينية. وتستمد هذه التجربة أهميتها التاريخية من انها تمددت على الجزء الأكبر من المساحة الزمنية للقرن العشرين. فما بين اندلاع الثورة البلشفية في عام 1917 وانهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1989 اثنان وسبعون سنة. عبر هذه المساحة الزمنية الطويلة تحولت روسيا من دولة اقطاعية متخلفة الى ارتياد غزو الفضاء بعد ان صارت قوة عظمى.. هي الثانية. ويلاحظ ايضا ان المعلقين الغربيين يربطون بعلاقة السبب والنتيجة بين انهيار الاتحاد السوفييتي وفشل المذهب الاشتراكي. وهذا تبسيط مخل ومقصود.. وهو في أفضل الأحوال تحليل جزئي مبتور. فانهيار الاتحاد السوفييتي ومن بعده دول أوروبا الاشتراكية الشرقية تسببت فيه كما تبين لاحقا بالشواهد المادية عدة عوامل مختلفة ليس أقلها تآمر يهودي داخلي مع المؤسسات الرأسمالية اليهودية العالمية وفق مخطط كان يهدف الى إفلاس الدولة السوفييتية عن طريق توريطها في مديونية خارجية ضخمة. وكان الهدف الأعظم وراء ذلك إجبار الدولة على بيع ممتلكاتها الى أصحاب رؤوس أموال خاصة.. وبذلك تتفكك كدولة اشتراكية. ومن هذا المنظور يمكن اعتبار القرن العشرين قرن انتصار الرأسمالية اليهودية. ومن المثير حقا ان هناك رجلا فردا حذر البشرية جمعاء في وقت مبكر جدا من ان اليهودية العالمية تهدف الى التحكم في الاقتصاد العالمي عن طريق السيطرة على البورصات والأسواق المالية في أوروبا ومن بعدها الولايات المتحدة. وقد وثّق أدولف هتلر نبوءته هذه منذ عام 1920 كما هو ثابت في كتابه الشهير (كفاحي) . وبالفعل فإن نفوذ الحركة الصهيونية العالمية كان حتى بداية الحرب العالمية الثانية قاصرا على أوروبا, فامتد بعد الحرب الى الولايات المتحدة. غير انه يصطدم الآن باقتصاديات شرق آسيا خاصة الصين وماليزيا. ومن حسن طالع شرق آسيا انه ليس فيها أقليات يهودية. وإذ نقترب من نهاية القرن فإن الصورة العالمية الراهنة تبدو كالآتي: تمدد صهيوني تقابله مقاومة اقتصادية في الصين وشرق آسيا ومقاومة إسلامية سياسية في بقع مشتتة على الكرة الأرضية. ويبدو ان هذه هي ملامح صراع القرن المقبل.