مع ان الاستفتاء على قانون استعادة السلم المدني, يمثل القضية الجوهرية بالنسبة لكثير من الجزائريين باعتباره محاولة جادة لاخراج البلاد من أزمتها, إلا ان هناك قوى سياسية أبعدت من السلطة بقوة الانتخابات الرئاسية, أو وجدت في الحكم الآن بقوة الفوضى السائدة, ترى في اجراء الاستفتاء محاولة لاثبات شرعية الرئيس بوتفليقة التي لم تكتمل في نظرها خلال الانتخابات الرئاسية التي أجريت في منتصف ابريل الماضي . تلك رؤية تنقصها الدقة ومخالفة لمعطيات الواقع السياسي في الجزائر, فـ (بوتفليقة) لم يكن مسؤولا عما حصل أثناء الحملة الانتخابية ـ هذا إذا اعتبرنا ما قام به المنسحبون الستة صحيحا ـ وبالتالي فهو لا يحتاج إلى دعم لاثبات شرعيته, ما دام قد تم اختياره بنسبة عالية من المنتخبين, ما يعني في النهاية ان الاستفتاء لا علاقة له بشرعية الرئيس, لأن هذه المسألة حسمت بفوزه في الانتخابات, لكن في الوقت ذاته فإن هذا الاستفتاء سيعطيه صلاحيات أوسع لاتخاذ مزيد من الاجراءات الصارمة وهذا بالطبع سوف يضر بمصالح بعض الجماعات. وبغض النظر عن الحسابات السياسية لمختلف المجموعات الفاعلة والمستفيدة مما يحدث فإن بعض المصادر ترى في (بوتفليقة) المنقذ الفعلي للبلاد في حال كانت الاستجابة واسعة, لكن بعض المراقبين يرى ان (بوتفليقة) سيتصرف بعد هذا الاستفتاء بشكل انفرادي, وسيعمل على اخضاع الآخرين الذين يشاركون في عملية صنع القرار إلى مايراه صوابا, ولحد الآن ـ رغم تململ بعض الدوائر الفاعلة ـ لم تتم معارضته, إما خوفاً من شعبيته الجارفة أو حفاظا على المصالح الخاصة, وهو ما نلحظه في بعض الدبلوماسيين في عدد من السفارات الجزائرية بالخارج التي عملت ضده في الانتخابات ثم هي الآن مؤيدة لقانون الوئام المدني, لا لقناعة خاصة ولا لوطنية ناضجة, وإنما خوفا على المنصب وهذا أمر طبيعي, يحدث في الظروف العادية فما بالك في الظروف غير العادلة التي تجتازها الجزائر والتي تتميز بعدد من المفاجآت. من ناحية أخرى, فإن بعض المسؤولين الكبار يتخوفون من ان يذهب الرئيس (بوتفليقة) بعيدا, في تغيير قيادات فاعلة هنا وهناك, بل ان بعضهم يعلن في جلسات خاصة: انه قد يتسبب في حل المؤسسات على غرار ما فعل جورباتشوف في الاتحاد السوفييتي, وهو كلام لا يخلو من المبالغة, إذ لا وجه للمقارنة بين وضعي البلدين ومكانتهما, كما انه لا تماثل بين رئيسيي البلدين, ويعتبر ما يقال نوعا من الدعاية المغرضة, خصوصا وان عدة مؤشرات توحي بنجاح الرئيس (بوتفليقة) في مهمته, منها: الشعبية الواسعة التي يحظى بها, وحسب المراقبين انها آخذة في الاتساع لدرجة قد تصيب الرئيس نفسه بنوع من الغرور, ومنها سرعته في اتخاذ القرارات دون العودة إلى أحد, وكذلك استعمال كل صلاحياته طبقا لما جاء في الدستور, ومنها: الدعم الخارجي, وبالذات الخليجي لتدعيم مشاريع التنمية, مما قد يساعد في تقليص ضغوط الجبهة الاجتماعية. واضح ان كل الخطوات التي يبذلها (بوتفليقة) منذ وصوله إلى سدة الحكم هدفها اعادة السلم المدني ودفع البلاد نحو مصالحة وطنية, ولا شك ان سرعته في اتخاذ القرارات, وما يتبعها من نتائج, قد تعتبر في نظر البعض غير مجدية, ونسبة الخطأ فيها مرتفعة, لكن تبقى تلك وجهة نظر يمكن الاخذ بها أو رفضها, لأن الاختيار الشعبي لا يزال هو الفيصل في كل الخطوات التي سيخطوها الرئيس (بوتفليقة) صحيح ان هناك خوفا عليه من فتحه لعدد من الملفات الساخنة في آن واحد, ومبعث هذا الخوف وقع قبل سبع سنوات للرئيس بوضياف, حيث قرر مواجهة الفساد, لكن من الضروري قراءة المعطيات الجديدة على الساحة السياسية الجزائرية قراءة واعية, اضافة إلى ذلك فإن مصادر مقربة من مراكز صنع القرار تشير إلى ان ما يقوم به الرئيس هو موقف كل القيادات التي بيدها الحل والربط. ومهما يكن الأمر, فإنه ليس بامكان أحد في الوقت الراهن الفصل بين المواقف التي يتخذها الرئيس بوتفليقة وبين مواقف المؤسسات الفاعلة, حتى ان بعض المقربين من الرئيس يؤكدون دائما على ان مواقفه تعبر عن آمال الشعب مثلما تعبر عن مسعى قيادات عسكرية وأمنية للخروج من الأزمة, ما يعني في نهاية المطاف ان قانون الوئام المدني هو تعبير عن ذلك المبتغى, ويمثل اجماعا وليس موقفا خاصا بالرئيس, وهذا أمر طبيعي لأن ما وصلت إليه الجزائر الآن, كان نتاج حوارات مطولة ولقاءات متعددة بين قيادة الجيش الوطني الشعبي ومسؤولي الجيش الاسلامي للانقاذ. إذن فالاستفتاء على قانون الوئام المدني لا يمثل في حد ذاته شيئا, قياسا على تجارب سابقة, ولا علاقة له بالشرعية, وفائدته تعود على كل الأطراف, وهو محاولة جادة للخروج من الأزمة التي يواجهها المجتمع الجزائري, وباختصار هو حماية حقيقية لكل أطراف المجتمع بما في ذلك الذين يمارسون الارهاب, وإذا استوعبته كل القوى السياسية, واستجابت له الجماعات الارهابية, فإن ذلك يعد انجازا سيحسب للرئيس بوتفليقة, مثلما يحسب لكل الذين يعملون بجهد وصبر من أجل عودة الجزائر لسابق عهدها سواء أكانوا جزائريين أم عرباً أم دولاً صديقة لاتزال الجزائر بالنسبة لها نموذجا يقتدى به رغم الزلزال الذي أصابها.