الصحافة الفرنسية تشويه الحقائق وتزييف الواقع، بقلم د.احمد القديدي

اثناء معايشتي الطويلة للمجتمع الفرنسي واعلامه رأيت ـ وقرأت ـ عددا من التعليقات المنحازة ولم اكن اتعجب او اندهش فذلك امر عادي او ظاهرة طبيعية في مجتمع غربي سبقتنا الى استقطابه ومخاطبته اجهزة الاعلام والدعاية قبل جيلين اي منذ الحرب العالمية الثانية ولم نستطع نحن العرب بما نمتلكه من حق ان نقنع الرأي العام بعدالة قضيتنا ولابايماننا بهذه القضية ولذلك فأنا استغرب دائما بعض الاستثناءات المنصفة للعرب والفلسطينيين في هذا الاعلام , ولكن حديثي اليوم ونحن على ابواب خريف باريسي دافىء يدور حول مقالة نشرتها الصحيفة الجهوية ذائعة الانتشار (فرانس اواست) التي تبيع مليون نسخة يوميا (بالمناسبة قارنوا بين محب هذه الصحيفة ومجموع الصحف والمجلات العربية كلها مشتركة) المقالة منشورة في عدد يوم الاربعاء 8 سبتمبر 99 تحت عنوان (المحكمة الاسرائيلية العليا تعلن التعذيب خارجا عن القانون) وبالطبع فإن خبرا كهذا يسعد الناس ويفرح كل متمسك بحقوق الانسان مهما كان مشربه السياسي او عرقه او دينه او موقفه من اسرائيل لكن الصحيفة بنوع من الدهاء المعتاد في مثل هذه الشؤون المتعلقة باسرائيل نتجاوز هذا الخبر المتمثل في موقف المحكمة الاسرائيلية العليا من التعذيب لتعطينا لمحة تاريخية عما كانت تسميه الدولة العبرية (الضغط الجسدي على الموقوفين الفلسطينيين) وكانت نفس المحكمة العليا اجازته لاعوان المخابرات الاسرائيلية واعوان الموساد والامن على مدى سنوات حتى لايشعروا بأي حرج ولا بأي وخز ضمير او ملاحقة قضائية عند ممارسة التعذيب ـ مادام التعذيب لايسمى تعذيبا بل (ضغطا جسديا) ولاسباب الامن الاسرائيلي ويستعرض المقال بعض طرق التعذيب التي ذهب ضحيتها ستون سجينا فلسطينيا تحت الاستنطاق في السنوات الاخيرة فتقول لنا الصحيفة ان البوليس الاسرائيلي يستعمل طريقة (الشبح) اي انهم يضعون قناعا سميكا على رأس الموقوف ويوثقونه جالسا على كرسي ويطلقون موسيقى صاخبة في الليل والنهار الى ان يبلغ المعذب المسكين الجنون ويعترف ويمكن ان يدوم هذا التعذيب اياما واسابيع ثم تعرض الصحيفة طريقة (الخض) اي ان الجلادين يوثقون السجين ويخضونه خضا عنيفا لمدة ساعات حتى يشعر المسكين بالاحتضار ويعترف وهناك طرق اخرى بالطبع اكثر تفننا وتقنية لكن المقال لايتهم دولة اسرائيل بشيء ولا يشعر بأنها ارتكبت محرما دوليا او جناية اخلاقية او تعديا على ميثاق حقوق الانسان لا والف لا فكاتب المقال يقول حرفيا: ان هذا التعذيب يعتز به المناضلون الفلسطينيون ويعتبرونه وساما لكفاحهم.. مضيفا حرفيا بأن التعذيب الاسرائيلي اقل وطأة وعنفا من تعذيب بوليس السلطة الفلسطينية, مما يعطي الانطباع لقراء الصحيفة بأن هذا التعذيب الاسرائيلي مثل ضرب الحبيب حسب المثل الشرقي المعروف وهو بالتالي يشبه اكل الزبيب! فالتعذيب على ايدي بوليس اسرائيل امر عادي ومطلوب وهي مناسبة للصحيفة الفرنسية لكي تندد بالتعذيب السلطوي الفلسطيني عوض التنديد بالتعذيب الاسرائيلي ونشعر نحن القراء بحاجة الى التقدم بعبارات الشكر والعرفان بالجميل الى دولة اسرائيل لان تعذيبها اخف والطف وارقى من التعذيب الفلسطيني ولان تعذيبها يعد وساما لكل مناضل فلسطيني يستحقه حتى ولو قضى نحبه تحت التعذيب. من وراء كل هذا انضمت بعض اليات الدعاية المعادية لحق الشعب الفلسطيني رغم الخطوات العريضة المقطوعة في الاعلام الفرنسي نحو تعتيم حقوق شعب مضطهد ومشرد ومناضل فهذه الآلية ضخمة وثقيلة وتعمل عملها لتشويه الحقائق وتزييف الواقع وطمس الحق, وهو ما يستدعي دراسة ضافية كنت انا وجيلي بدأناها في جامعة السوربون في السبعينات حين وجهنا رسائلنا الجامعية لنيل الماجستير والدكتوراه نحو تفكيك هذه الآلية وفهمها وتحليلها, فالسلام مع اسرائيل لايعني ان ننسى واجباتنا وننحاز الى طروحاتها بل الى المزيد من نصرة الحق والدفاع عن الذات في عالم العولمة المتشعب والصعب. استاذ بقسم الاعلام ـ جامعة قطر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات