اين يقف الفلسطينيون بعد 6 سنوات على توقيع اتفاق اوسلو؟ وما الذي تبقى لهم من هذا الاتفاق, وماذا بقى للفلسطينيين والعرب من فلسطين التاريخية؟؟ وهل اصبح السلام حقيقة ام سرابا؟؟هذه هي التساؤلات التي تلح علينا في الذكرى السادسة لتوقيع اتفاق اعلان المبادىء الفلسطيني ـ الاسرائيلي (اتفاق اوسلو)في يوم13/9/1993عاش العالم لحظات دراماتيكية شهد خلالها اول مصافحة تاريخية بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل اسحق رابين في البيت الابيض الامريكي بحضور الرئيس بيل كلينتون والرئيس حسني مبارك والملك الاردني الراحل الحسين بن طلال وكوزريف وزير الخارجية الروسية الاسبق وعدد من دبلوماسيي العالم وسياسييه المرموقين. لقد جاء الاتفاق المذكور كنتيجة مباشرة للانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في قطاع غزة يوم 9 ديسمبر 1987 ثم امتدت لتشمل كل الاراضي الفلسطينية واسرائيل ولولا الانتفاضة لما فكرت اسرائيل والولايات المتحدة بالتفاوض المباشر مع منظمة التحرير وابرام اتفاق سلام معها لان الانتفاضة تحولت مع مرور الوقت الى عبء اقتصادي وامني وسياسي واجتماعي يؤرق الحكومة الاسرائيلية ودافعي الضرائب في الولايات المتحدة الامريكية. وحسب بعض الخبراء الاستراتيجيين فإن اسرائيل لم تكن تخشى منظمة التحرير الفلسطينية بعد رحيلها من بيروت عام 1982 على الاطلاق, فالمنظمة منذ ذلك التاريخ تحولت الى كيان سياسي اداري بيروقراطي يخدم مصالح اعضائه فحسب, بل كانت تخشى الانتفاضة ـ التي تحولت الى ثورة حقيقية ومواجهة يومية مع اجهزة الشين بيت وحرس الحدود والقوات الخاصة في الجيش الاسرائيلي اضافة الى ان خسائر اسرائيل البشرية والمادية خلال سنوات الانتفاضة الست تفوق خسائرها في مواجهاتها مع المنظمة والدول العربية المحيطة بها طيلة السنوات التي اعقبت احتلال فلسطين وتقسيمها منذ العام 1948. ولذلك نجد في غزة من يقول الآن ان المقاومة الحقيقية بدأت مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية يوم 9/12/1987 وليس مع انطلاق حركة (فتح) يوم 1/1/1965. وهذا القول الذي يردده قادة الانتفاضة يجسد مدى الفجوة الفاصلة بين مناضلي الداخل ومناضلي الخارج من الفلسطينيين. ولادة اوسلو بذل الرئيس الامريكي جورج بوش جهودا مضنية لعقد مؤتمر مدريد للسلام في العام 1992 بعد انتصار قوى التحالف الدولي في حرب الخليج الثانية على العراق بهدف ايجاد تسوية سلمية مرحلية تؤمن المصالح الحيوية الامريكية في المنطقة وتخدم الامن الاسرائيلي وتضع حدا للانتفاضة الفلسطينية وتعزل معسكر صدام حسين الداعي الى ابادة اسرائيل, بعد مؤتمر مدريد تدخلت الادارة الامريكية لدى الاطراف المعنية وترتبت مفاوضات مباشرة بين اسرائيل مع كل من سوريا ولبنان ووفد اردني فلسطيني مشترك حينا ومنفصل حينا آخر بالتنسيق مع مصر بهدف التوصل الى التسوية المرجوة, وفي الوقت نفسه فتحت واشنطن قناة تفاوض سرية في اوسلو بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية نظرا لان الوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن برئاسة حيدر عبدالشافي كان متشددا ومتمسكا بالثوابت الفلسطينية ومصرا على التسوية القائمة على اساس قرارات الشرعية الدولية 242 و338 ومبدأ الارض مقابل السلام الذي انطلقت على اساسه عملية مدريد. اما منظمة التحرير فكانت تتحلى بقدر كبير من المرونة السياسية التي تمثلت في واقعية ابو مازن وابو علاء قريع. ولهذا تغلب اصحاب الواقعية السياسية على اصحاب المبادىء الوطنية وتوصلت منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل بعد مفاوضات سرية في اوسلو الى اعلان للمبادىء فيما بينهما وذلك يوم 20/8/1993 وتم التوقيع عليه في البيت الابيض يوم 13/9/1993. اسطورة الحكم الذاتي لقد اعتبر رابين وبيريز الاتفاق الذي منح الفلسطينيين حكما ذاتيا محدود الصلاحيات تنازلا اسطوريا من جانب اسرائيل في حين لم يذكروا كلمة واحدة حول انهم حصلوا على اقرار واعتراف من منظمة التحرير الفلسطينية بحقيقة وجود اسرائيل على الارض الفلسطينية العربية كدولة مستقلة ذات سيادة, وتجاهلوا حقيقة ان الاتفاق الهزيل اعطاهم فرصة تاريخية لوقف المقاومة الفلسطينية رسميا والغاء الميثاق الوطني الفلسطيني وفتح قنوات التطبيق مع بعض العواصم العربية لقطف ثمار مرحلة السلام. بالنسبة للرئيس ياسر عرفات كان الاتفاق بمثابة الغاية التي تبرر الوسيلة او فرصة الحصول على الممكن بدلا من الانتظار في تونس سنوات طويلة قادمة في انتظار تحقيق الحلم المستحيل (تحرير فلسطين من النهر الى البحر) . وكان الرئيس عرفات يرى في اتفاق اوسلو المخرج الوحيد للمنظمة من ازمتها التنظيمية والمالية والوجودية والمخرج الوحيد للانتفاضة التي خرجت عن مسارها واهدافها في العامين الاخيرين وحولت الشعب الفلسطيني الى العيش في ظل ظروف الانفلات الامني والاجتماعي والسياسي كما يقول بعض قياديي حركة فتح. ولذلك فإن الرئيس عرفات لم يتردد في وصف اتفاق اوسلو بعد التوصل اليه بأنه مثل من رزق بطفل معاق وعليه ان يسعى بكل جهده لعلاجه كي يصبح طفلا طبيعيا. والآن ربما من حقنا ان نسأل الرئيس عرفات عن حقيقة هذا الطفل, هل اصبح طبيعيا ام مازال معاقا يتعثر الخطى في الطريق الى الهلاك تحت وطأة العثرات والخطى الوئيدة والضعف الذي يعتريه؟ غير ان الاجابات جاءت من قيادات السلطة الفلسطينية وحركة فتح تحديدا؟ يعترف محمود عباس ابو مازن امين سر حركة فتح بوجود اخطاء فاحشة منذ توقيع اتفاق اوسلو وحتى الآن مثل ظاهرة تفشي العسكرة او المظاهر الامنية في مناطق السلطة الفلسطينية وعدم القدرة على بناء المجتمع المدني بقوله: الممارسات التي تضخم وتكبر شيء والمزاج العام للناس شيء آخر, ان المزاج العام للشعب الفلسطيني لا يقبل غير الديمقراطية, لا يقبل حكم حزب واحد ولا يقبل حكم الارهاب. وكل ما يريده ابو مازن من باراك ان يواصل السير على خطى رابين وبيريز حتى تسير عملية السلام في مسارها الصحيح, لكن ابو مازن الذي وقع على (اوسلو) نيابة عن منظمة التحرير الفلسطينية قبل 6 سنوات لم يحدد مصير اوسلو ولم يتحدث عن مستقبله في ضوء محاولات باراك لوأد اتفاق اوسلو ودفنه والانطلاق من اتفاق (واي ريفر ـ 2) لتمرير مخطط حزب العمل الاسرائيلي للتسوية المرحلية مع الفلسطينيين والعرب. هاني الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح يشكك في نوايا باراك ويؤكد ان رئيس الوزراء الاسرائيلي لن يلتزم بتطبيق اتفاق اوسلو بل سيلتزم باتفاق (واي ريفر ـ 2) الذي دمج المرحلة الانتقالية بالمرحلة النهائية للمفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية للتخلص من استحقاقات المرحلة الانتقالية التي انتهت منذ عام كامل. ويقول ان اسرائيل تفكر بالسلام المنتصر والمهزوم والفلسطينيون يبحثون عن السلام المتعادل ولذلك فإن باراك يتنصل تدريجيا من الاتفاقيات الموقعة منذ عام 1993, ويعتبر الحسن ان اتفاق واي ريفر ليس حدثا استراتيجيا اي انه بتطبيق الاتفاق سوف تنقلب موازين القوى ولكن ما دام الفلسطينيون وقعوا على اتفاق (واي ـ 1) و(واي ـ 2) عليهم ان ينتظروا النتائج. اتفاقيات وتواقيع لا يشعر الفلسطينيون بالاطمئنان لنوايا باراك فقد سبق كل من رابين وبيريز ونتانياهو في التوقيع على اتفاقيات لمنحهم الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة. لقد بدأ مسلسل التواقيع للاتفاقيات متعددة الاسماء والشعارات بين اسرائيل ومنظمة التحرير منذ اتفاق اوسلو بتاريخ 13/9/1993 ثم جاء بعده اتفاق غزة ـ اريحا اولا بين عرفات ورابين في القاهرة يوم 4/5/94, واعقبه اتفاق بشأن مجالات التعليم والضرائب ومسائل اخرى. وجاء بعده اتفاق حكم ذاتي موسع للضفة الغربية وقعه عرفات ورابين في واشنطن يوم 18/8/1995. ثم الاتفاق بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية على انسحاب القوات الاسرائيلية من الخليل وتنفيذ الاتفاق بعد يومين بتاريخ 15 يناير 1997. وبعد تدخل امريكي مباشر لدى نتانياهو لانقاذ محادثات السلام التي انهارات في اعقاب بدء اعمال البناء في مستوطنة ابو غنيم شرقي القدس بتاريخ 18/3/1997 ورفض نتانياهو الانسحاب من مدن اخرى في الضفة الغربية نجحت واشنطن في توقيع اتفاق (واي ريفر) بين عرفات ونتانياهو يوم 23/10/1998 وفي هذا الاتفاق الذي رعاه كلينتون شخصيا 4 قضايا مهمة وهي اعادة 13% من الاراضي الفلسطينية للسلطة الوطنية اعيد منها حتى الآن 5% فقط وعلى اسرائيل ان تنسحب من 18% المتبقية والافراج عن الاسرى واعادة الانتشار في الضفة وغزة خلال سنة واحدة ما عدا مدينة القدس والمستوطنات والحدود واخيرا استكمال (النبضة الرابعة) حيث لا تقل عن 40% الى 50% من الاراضي الفلسطينية. غير ان هذا الاتفاق لم ير النور بسبب تعنت نتانياهو الذي خرج من السلطة عقب هزيمته في الانتخابات الاسرائيلية في مايو 1999 وخلفه ايهود باراك الذي تسلم منصبه باللاءات الخمس التي يتلخص جوهرها في رفض اتفاق واي ريفر وتعديله من جديد, بصراحة يتجاوز المراحل السابقة ويقفز فوقها وتضمن ثغرات كثيرة من ابرزها. ـ عدم السماح للسلطة ـ بإعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد. ـ رهن تطبيق (واي ريفر ـ 2) بالكامل في ضوء ما تحرزه مفاوضات الوضع النهائي من تقدم, وهذا معناه دمج المرحلتين الانتقالية والنهائية, وهو امر كان يرفضه الفلسطينيون خوفا من هضم حقوقهم في الارض والسيادة والمياه وحق العودة. ـ عدم الالتزام من جانب اسرائيل بوقف بناء المستوطنات او العمل على ازالتها في المستقبل. ـ عدم تحديد مساحة الارض التي ينسحب منها الجيش الاسرائيلي وتسلم للسلطة الفلسطينية. هذه العيوب التي تضمنها (واي ريفر ـ 2) ستجعل الفلسطينيين اسرى لعملية التسوية السلمية لفترة طويلة قد تمتد الى اكثر من عقدين من الزمن على اقل تقدير, لاننا لاحظنا ان السنوات الست التي نصت على توقيع اتفاق اوسلو لم تشهد المنطقة خلالها سوى مزيد من التعنت والتطرف الاسرائيلي وتركيز اسرائيل من خلال حكومتي العمل والليكود على المظاهر الاحتفالية لتوقيع اتفاقيات مع تجاهل المضمون او الجوهر الذي تقترب منه هذه الاتفاقيات ألا وهو الارض الفلسطينية, محور الصراع الازلي بين اصحاب الحق المشروع وبين اصحاب العقيدة الصهيونية من دعاة التوسع وغلاة التطرف والارهاب. هذا البون الشاسع بين الجانبين يجعلهما دائما على طرفي نقيض, فكلما حاول الفلسطينيون تقديم خطوة نحو التسوية على حساب حقوقهم المشروعة تتراجع اسرائيل خطوات الى الوراء, فكل رئيس حكومة اسرائيلية يأتي الى السلطة يعيد بندول الساعة الى الوراء وربما الى حاجز الصفر ليماطل من جديد ويناور بهدف الاحتفاظ بالارض العربية, ولعل الناس يتذكرون كيف رفض بيريز حينما تولى السلطة بعد اغتيال رابين عام 1996 تنفيذ اتفاق الخليل رغم انه كان شريكا فيه واكثر المتحمسين لاوسلو باعتباره واحدا من صانعيه, تركه لنتانياهو الذي جمده بالكامل ليعود الى التفاوض حول الخليل, وهذا ما حصل عند قدوم باراك في يونيو 1999, حيث رفض واي ريفر الذي وقعه نتانياهو مع عرفات واصر على اتفاق جديد.. هذه هي باختصار سياسة (حرق المراحل) الاسرائيلية المتبعة منذ التوقيع على اوسلو قبل 6 سنوات وسوف تستمر لفترة طويل لاجهاض مشروع الاستقلال الوطني الفلسطيني. اعلامي فلسطيني