دون ضجة او جلبة تتحرك الدبلوماسية الامريكية بخطوات حذرة على طريق قد يفضي فيما يبدو الى مراجعة السياسة الامريكية تجاه العراق،وربما الى حد الغاء العقوبات. والاجتماع غير العادي هذا الاسبوع في لندن والذي صدرت الدعوة الى عقده من الادارة الامريكية ويحضره ممثلو الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي قد يكون بداية لنهاية . والسؤال المبدئي هو: ما الذي يدعو واشنطن الى اعادة النظر في سياستها المتشددة تجاه المسألة العراقية؟ والاجابة البسيطة المباشرة هي ان هذه السياسة ثبت فشلها عمليا, والفشل لاينحصر في عجز الولايات المتحدة عن تحقيق أهداف سياستها المطبقة .. وانما اتسع نطاقه ليجلب لواشنطن أضراراً بينة. قوام هذه السياسة كما نعلم ونرى هو العمل العسكري بصورة رئيسية واذا كان الهدف الاعظم من (عاصفة الصحراء) هو تدمير آلة الحرب العراقية والبنى التحتية الاقتصادية قد تحقق بالكامل فان هذا لاينطبق على عملية (ثعلب الصحراء) التي صبت المزيد من الجحيم عند اواخر العام الماضي ثم تحولت بعد توقف قصير الى مسلسل في القصف بالطائرات بصورة يومية حتى هذه اللحظة. ان الغاية من (ثعلب الصحراء) بفصليها الأول والثاني تتلخص في هدفين رئيسيين هما: اولا: ابقاء (الحظر العراقي) حيا على اجندة العالم باستمرار اغارات الطائرات الامريكية (والبريطانية) على منطقتي الحظر الجوي بصورة يومية. ثانيا: زعزعة النظام الحاكم في بغداد عن طريق شل سيطرته على شمال وجنوب البلاد لتسهيل مهمة المعارضة العراقية الخارجية في اسقاط النظام. لقد مضى حتى الآن نحو تسعة شهور دون ان تقترب واشنطن من احراز اي نجاح فيما يتعلق بأي من الهدفين المذكورين بل ان ما جرى هو العكس, واذا كان المفترض ان خبراء الاستراتيجية وخبراء الأمن القومي في الادارة الامريكية اجروا مؤخرا عملية (جرد) بحساب المكسب والخسارة فانه لابد ان يكونوا قد توصلوا الى الحقائق التالية: اولا: ان ابقاء صورة (الحظر العراقي) حية في الذهن العالمي, وخاصة الذهن الغربي, اتى بنتيجة دعائية معاكسة .. معوضا عن صورة (حظر) فان ماتبلور حتى الآن في الذهن الغربي هو صورة (مأساة) في كل عواصم الدنيا اخذت انطباعات (اسلحة الدمار الشامل) كماركة مميزة للعراق تتلاشى لتفسح المجال لصور الاطفال الجوعى وانتشار سوء التغذية وتضاعف اعداد الموتى اما بسبب الجوع او انعدام الادوية المنقذة للحياة, وفي هذا السياق نشر صندوق الامم المتحدة للطفولة في العالم (اليونيسيف) تقريره عن اطفال العراق قبل شهر ليفجر حقائق احصائية رهيبة . ثانيا: بعيدا عن احتمالات السقوط صار النظام الحاكم اشد رسوخا بقدر ما صارت المعارضة الخارجية اكثر تشرذما واقل ارادة .. رغم الدعم الامريكي. هناك شيء آخر, لقد ظل احد الاهداف الامريكية غير المعلنة رسميا الابقاء على العقوبات ضد العراق الى ان يحدث اختراق اسرائيلي رئيسي في (عملية السلام) مع الفلسطينيين, والواضح ان الغرض هو تعطيل دورالعراق كرقم سياسي عربي حتى لا (ىشوش) على مسار العملية, والآن فانه بابرام اتفاق (واي ـ 2) في شرم الشيخ قبل اقل من اسبوعين يبدو وكأن الاختراق المأمول قد حدث بالفعل. ومع تبلور تفكير واشنطن في مراجعة السياسة القائمة تجاه العراق فان هذا العامل لابد ان يكون واردا في الحساب.