القذافي يطمح في قيام الولايات المتحدة الأفريقية، بقلم: يوسف الشريف

لا شك أن عقد القمة الأفريقية الاستثنائية بمدينة(سرت)المقر المفضل للأخ العقيد معمر القذافي قائد الثور الليبية وفي مناسبة الاحتفال بمرور ثلاثين عاما على اندلاعها, هو تقدير يستحقه ووفاء لجهوده المقدرة على صعيد التضامن مع قضايا أفريقيا العادلة, ومبادراته الدؤوبة لحل نزاعاتها السياسية وإخماد أوار حروبها الأهلية المشتعلة, والإسهام . وأحسب أن القذافي في توجهاته وخياراته وأساليب تعامله مع أفريقيا, قد وصل ما انقطع في مشوار عبد الناصر على الساحة الأفريقية, حين كانت مصر السند لكل حركات التحرر الأفريقية, والملجأ الآمن والمنبر الثوري لكل المناضلين الأفارقة الذين يتربعون الآن على قمة السلطة والمسؤولية في بلادهم. فكان المقابل قطع جميع الدول الأفريقية علاقاتها مع إسرائيل في أعقاب عدوانها على مصر في يونيو ,1967 ووصم الحركة الصهيونية المؤسسة لإسرائيل بالعنصرية على غرار جنوب أفريقيا وروسيا. وهكذا بينما تقاعست الدول العربية عن فك الحصار الدولي الجوي والاقتصادي المفروض على ليبيا سبع سنوات متصلة, بدعوى الالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 748 الخاص بعدم امتثالها بتسليم اثنين من مواطنيها يشتبه ضلوعهما في حادث سقوط طائرة أمريكية فوق منطقة لوكيربي باسكتلندا, ومحاكمتهم خارج ليبيا على عكس مقتضى قوانينها ومجافاة لسيادتها, إذا بالقمة الأفريقية التي عقدت في بوركينافاسو في يونيو 1998 تتخذ قرارا بالاجماع يعلن عدم الالتزام بقرار مجلس الأمن اتساقا مع ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية الذي يفرض تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة لأي من الدول الأعضاء في مواجهة الكوارث, ومن ثم كان تقاطر وصول طائرات الرؤساء الأفارقة تباعا إلى طرابلس. المعروف أن القذافي قرر تأجيل الاحتفالات السنوية بثورة الفاتح من سبتمبر حتى تتواكب مع أعمال آخر قمة أفريقية في القرن العشرين التي يعتبرها عرس الأعراس, حيث يراهن على إنجازها مشروع اتفاق يفضي إلى قيام كونجرس أفريقي بنهاية عام ,2000 ينهض بمهمة القيادة الشعبية للقارة الأفريقية على درب الاستقلال والحرية والقوة والتنمية المشتركة, كآلية موازية ومكملة لجهود الآلية الرسمية التي تمثلها منظمة الوحدة الأفريقية التي أخفقت في تطوير نهجها وأنشطتها, واقتصرت جهودها منذ نشأتها عام 1963 في الحفاظ على الحدود التاريخية الموروثة منذ الاستعمار الأوروبي للقارة, انطلاقا من خبرات ليبيا ودروسها المستفادة في العمل الجماهيري على الصعيد الداخلي والأفريقي في ضوء ما حققته من نجاحات مضطردة في التوصل إلى تسوية سلمية للنزاعات العرقية والحروب الأهلية في منطقة البحيرات العظمى, وحل الخلافات المعلقة بين السودان وبعض دول الجوار, وإطلاق مبادرة موازية للمبادرة المصرية جرى دمجها مؤخرا لرأب الصدع بين نظام الجبهة الإسلامية الحاكمة في الخرطوم والمعارضة السودانية, إيذانا بتفعيل مبادرة على غرارها لحل الصراع الدامي في الصومال, فضلا عن عقد قمة في ليبيا استهدفت قيام تجمع إقليمي لدول الساحل والصحراء الأفريقي. ولعله مما يثير التعجب والأسى أن تعقد مؤتمرات القمة في مواعيدها المعلنة بانتظام وبحضور غفير للرؤساء الأفارقة, ثم تنعقد قمة (سرت) بعد أقل من شهرين فقط على قمة الجزائر استجابة لاقتراح القذافي بعقد قمة أفريقية استثنائية في بلاده, تتوافر على بحث تعديل ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية, في الوقت الذي تظل الدعوة إلى عقد قمة عربية تراوح مكانها, رغم كم وأشكال التحديات الخطيرة التي تحيط بالأمة العربية, وتفرض حتميات الوفاق والتحشد في مواجهتها. ويطرح العقيد القذافي مشروعا طموحا يستهدف قيام ولايات متحدة أفريقية في إطار صيغة فيدرالية لتجاوز المشكلات الحدودية, تسمح بحرية انتقال المواطنين ورؤوس الأموال وحق العمل, والإقامة عبر قيام آلية تشريعية وسلطة رقابية برلمانية شعبية ممثلة في الكونجرس المرتقب, وإنشاء محكمة عدل لحل الخلافات الأفريقية سلميا, وتشكيل قوة عسكرية للتدخل السريع لتنفيذ ما يصدر عنها من أحكام وإشاعة الأمن والاستقرار في بؤر التوتر والنزاعات, وقيام بنك أفريقي لتمويل مشاريع التنمية وتنظيم عمليات الموازنات النقدية, إضافة لسوق اقتصادية أفريقية مشتركة. ورغم أن هذه المؤسسات ليست واردة في ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية, ولا في المعاهدات التي تظلها برعايتها, إلا أنها لا تمنع قيامها, ولكن عبر شروط عقيمة وإجراءات طويلة. باتت المتغيرات والضرورات تفرض تجاوزها بقرارات سيادية جماعية صادرة عن القمة الأفريقية لمواكبة حاجة أفريقيا الماسة للتعامل مع العولمة والتكتلات الاقتصادية العالمية, ومحاولات إعادة رسم خريطة المصالح والنفوذ الأمريكي في أفريقيا اتساقا مع استراتيجية الهيمنة على مقدرات العالم, وتكبيل المديونية الخارجية الباهظة لإفريقيا من الانطلاق صوب التطور الاجتماعي والرفاهية. ويأتي هذا المشروع العملاق في واقع الأمر تعبيرا موضوعيا عن طموحات الشعوب الأفريقية التي تعاني ويلات التخلف والخلافات وأدنى مستويات المعيشة في العالم, ومن الطبيعي أن يستشير حفيظة قوى عديدة, وأن تتحشد لإجهاضه, ومن المتوقع كذلك أن يستدعى (عواجيز الفرح) لممارسة شتى أساليب النقد والإحباط والقعود, كما حدث في الماضي كلما دعا القذافي إلى الوحدة العربية الاندماجية ثنائيا أو جماعيا. والشاهد أن الحضور الكبير في القمة الأفريقية الاستثنائية واحتفالات الثورة, دلالة سياسية واضحة على قوة النظام الليبي ومصداقية شعبيته وقدرته على الاستمرار والصمود في وجه التحديات, وهكذا بمجرد تعليق العقوبات المفروضة عليه, راح يعبر عن مكوناته الوطنية والقومية, والتأكيد على أنه لا يقف وحده في المعركة مع أعدائه. ومن هنا حرصه على مشاركة وحدات عسكرية إفريقية رمزية في العرض العسكري الذي أقيم في هذه المناسبة, وموافقة بريطانيا على عودة العلاقات مع طرابلس بدون شروط, وكذا المباحثات التي بدأت في مالطة بين مسؤولين في الخارجية الليبية والأمريكية وأعضاء الكونجرس, واتهامه بسقوط قانون دوماتو الأمريكي الذي كان يفرض عقوبات مالية على الشركات الأمريكية والأوروبية واليابانية التي تتعامل مع ليبيا وإيران والسودان, وتكالب هذه الشركات الآن في الحصول على عقود مقاولات من ليبيا بالمليارات. لكن يظل الحدث الأكبر الذي تنظره ليبيا, يكمن في توجيه ضربة سياسية قاسمة للفساد والاستغلال, وتطهير الثورة من الذين ركبوا موجتها ومن الطبقة الجديدة (البتروجماهيرية) , عبر تفعيل أساليب المراجعة والنقد الذاتي وتمكين أعضاء المؤتمرات الشعبية الأساسية من ممارسة العنف الجماهيري و.. ذلك ما وعد به القذافي, وعلينا إذن أن ننتظر, وعندها لكل حادث حديث!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات