لزيارة الملك عبدالله الى الكويت قيمة خاصة, اذ تمثل نقلة جديدة في العلاقات الكويتية الاردنية, وتأتي الزيارة بعد ان راجع الاردن وعلى مدى عدة سنوات مواقفه كما انها تأتي ايضا بعد ان راجعت الكويت مواقفها بعد التحرير والخاصة في كيفية التعامل مع الاردن وساسته.. فمنذ عام1990حتى اليوم وقعت تغيرات كبيرة في المواقف والعلاقات الاردنية الكويتية على الصعيد الرسمي والشعبي , كما وقعت عدة زيارات بين وفوده, وبذلت جهود بين وزيري خارجية البلدين خاصة في اواسط التسعينات نجدها اليوم تنعكس في لقاء البلدين من خلال زيارة الملك عبدالله للكويت, ان العلاقات بين الدول الصديقة والتي تتراجع نتيجة ازمات كبرى وحروب لم يكن احد من الطرفين سببا مباشرا لها تتطلب خطوات وتتطلب جهودا, وهذا ما وقع في العلاقات الاردنية الكويتية في السنوات القليلة الماضية. ان كارثة عام 1990 تؤكد مدى مرارة الصراع العربي العربي, ومدى عمق الثمن الذي يدفعه المواطن البريء في هذا المجال او ذاك. الصراع العربي العربي هو صراع من النمط الذي يرتبط دائما بانقسام شعبي كبير بين مؤيد ومعارض وهو صراع يحمل في طياته الكثير من العاطفة والكثير من الحدة, وهو يؤذي كل طرف لان كل طرف يعرف مواطن الضعف والقوة في الطرف الاخر. ان صراع الاخوة او صراع الاقرباء هو الاصعب والاكثر الما في كافة الصراعات. لهذا نجد في زيارة الملك عبدالله وفي استعداد الكويت لتجاوز المرارة التي حكمت المرحلة السابقة ما يساعد على تحصين الذات العربية من انقسامات كبيرة كتلك التي وقعت عام ,1990 وربما نجد صياغات جديدة تساعد على تنمية حسن التعامل المتوازن والمحايد بين الدول العربية, ربما نجد طريقا افضل لعدم الانزلاق الى صراعات طويلة وقطيعة تفرض نفسها في العلاقات العربية العربية, العرب يواجهون تحديات كبيرة وهم على اعتاب قرن جديد, وفي كل دولة اليوم تنعكس هذه التحديات في المسائل الامنية والسياسية والاقتصادية والتنموية, في هذا كله لابد من طريق آخر اكثر التصاقا بالتنمية, والاحترام المتبادل, ونهضة القطاعات الخاصة, واستقرار العقلية السلمية. وفي هذا الاطار نجد ان ما يجمع الاردن مع الكويت اكثر مما يفرقهما, ففي الاردن نظام ملكي لا يختلف في جوهره عن النظام الاميري في الكويت, وفي الاردن تجربة بلد صغير محاط بدول اكبر منه جغرافيا وعسكريا وسياسيا, وبنفس الوقت نجد في الكويت بلدا صغيرا محاطا بدول كبيرة متواجهة ومتصارعة. والاردن يقع عند تقاطع الصراع العربي الاسرائيلي والسياسة الامريكية في الشرق الاوسط ويقع ايضا عند تقاطع الملف العراقي, وكذلك الكويت تقع عند تقاطع صراعات عدة: الصراع الايراني العراقي في السابق, ثم الصراع على ملف العراق القائم حتى الان, كما تقع الكويت عند تقاطع السياسة الامريكية في منطقة الخليج. وفي الاردن تجربة في الانتقال من نظام هاجسه الاول امني مركزي الى نظام اكثر ديمقراطية واكثر استعدادا للتعامل مع التعدد السياسي والاجتماعي, وكذلك في الكويت هناك تجربة ديمقراطية عميقة ونامية بنفس الوقت, وتجربة صادقة في الحريات الصحفية والتعامل مع التعدد ويلتقي البلدان عند ضرورة الحفاظ على امن بلدان المنطقة, اي ان نقاط الاشتراك بين البلدين اكبر من نقاط الاختلاف. وهناك بين البلدين عمق التاريخ من حيث التشارك في الصراع العربي الاسرائيلي وفي ضرورة دعم ما كان يعرف بدول المواجهة خاصة منذ حرب ,1967 وبنفس الوقت تواجدت في الكويت جالية اردنية ـ فلسطينية كبيرة تكونت على مدى اكثر من اربعين عاما, وقد شكلت هذه الجالية قوة استهلاكية كبيرة افادت الاقتصاد الكويتي في جوانب رئيسية وشاركت في العمل والانتاج الاقتصادي والتنمية التي شهدتها الكويت منذ الخمسينات, كما ان هذه الجالية تحولت لمصدر قوة للاردن من حيث المساعدات الكبيرة التي كان يقدمها العاملون الى اسرهم في الاردن. في هذا كان التطور بين البلدين يعكس نموذجا ايجابيا للعلاقات والتكامل العربي الى ان جاء الغزو العراقي وحول كل هذا الى رماد. وانطلاقا من ان العلاقة بين الدول ترتبط بمصالح واحتياجات ومواقف, فمن الطبيعي ان تكون بين الدولتين قضايا وسياسات تتجاوز لقاءات القادة, فبين الكويت والاردن يجري التحدث عن حدود العلاقة ومدى عمقها, كما ان شكل التعامل مع الكثير من الامور العالقة منذ زمن الغزو العراقي يتطلب وقتا وهذا من الصعب تأمينه بين يوم وآخر, وفي الشأن العراقي يقع تطابق بين الدولتين في كل ماله علاقة بقضية الاسرى وفي الامور الخاصة بتطبيق العراق للقرارات الدولية, ولكن هناك عدم تطابق فيما يتعلق برؤية الكويت لطبيعة السياسة العراقية الراهنة وبين رؤية الاردن لهذه السياسة, ومع ذلك فان الاردن اليوم ابعد عن النظام العراقي مما كان عليه الحال عام 1990 وهو اقرب للكويت مما كان عليه الحال عام 1990 وفي هذا المجال تقع الارضية لبناء علاقة ايجابية تعود بالنفع على الدولتين وعلى العلاقات العربية العربية التي اكل منها الصراع الكثير من الجهد والكثير من التنمية. * استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت