من الجذور التاريخية إلى الواقع الراهن للمشكلة، التركيبة السكانية.. تحديات وحلول ممكنة، بقلم: حسن علي الحمادي

مما لا شك فيه ان بداية الخطة الامبريالية العظمى للسيطرة على التجارة العالمية في المحيط الهندي وشرق أفريقيا بدأت مع البرتغاليين, ووضعت تفاصيلها بعدما سيطروا على الهند وأسسوا فيها حكومة يرأسها نائب الملك, وأصبحوا يفكرون في القضاء على التجارة في البحر الاحمر والخليج العربي حتى لا ينافسهم أحد غير انهم فشلوا في تحقيق الاحتكار الكامل الذي سعوا إليه . وبمجيء شركات الهند الشرقية البريطانية والهولندية والفرنسية والدانماركية والروسية, من حيث هي مؤشر على انتقال مركز الثقل الاقتصادي إلى غرب وشمال أوروبا البروتستانتية, استطاعت هذه الشركات ان تفرض احتكارها التجاري في المحيط الهندي بشكل يتزامن مع ضياع سيطرة العرب على شرق المتوسط, وقد استطاعت بريطانيا الهيمنة على المناطق التجارية في المحيط الهندي وشرق افريقيا, وسيطرت على المضايق الاستراتيجية فيه, فأخضعت تجارة المضاربة لسلطة الوكالات التجارية بالكامل, وأبطلت مفعول الوقع الموسمي لتجارة الحالة الطبيعية وقضت في النهاية على الأساطيل المحلية للتجارة البعيدة المدى. وانطلاقا مما سلف يمكننا ان نترجم الظروف هذه التي أدت في النهاية إلى ولادة أخطر مشكلة تعانيها دولة الامارات العربية المتحدة في وقتنا الحالي, ألا وهي مشكلة التركيبة السكانية التي كان أساسها الأول (الاستعمار) . فقد أصبحت الهند بعد سيطرة شركة الهند الشرقية الانجليزية قوام الرأسمالية البريطانية, وهي العامل المهم والأساسي في تطور الامبراطورية الاستعمارية البريطانية, ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر استطاع التجار الانجليز ان يجمعوا الذهب والفضة وغيرها من المواد الثمينة, ويقيموا رأسماليتهم الصناعية في بريطانيا, كما حافظت على حكم الامراء الاقطاعيين في الهند كسلاح من أسلحة الاستعمار, لمقاومة أي نهوض وطني من جهة ولاستمرار استنزاف الثروة الهندية من جهة أخرى, واستمروا في ذلك حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. إذا كانت هذه طبيعة السيطرة البريطانية على الهند, فإن منطقة امارات الساحل كانت تحظى بالأهمية المماثلة بالنسبة لبريطانيا, حيث كان مجتمع الامارات آنذاك مجتمعا منتجا معتمدا على مواطنيه. ولم يكن منع التجار واندثار التجارة المصيبة الوحيدة التي نزلت بامارات الساحل, ذلك ان المحيط الهندي شهد احتكار بريطانيا الذي وضع حدا للتجارة العربية وحتى التجارة الهندية ولم تترك سوى هامش محدود للقوى المحلية, في الوقت الذي عملت فيه بريطانيا على تشجيع ا لهجرة من شبه القارة الهندية إلى منطقة امارات الساحل. فالسؤال هنا: ما الأسباب التي أدت للهجرة من شبه القارة الهندية إلى امارات الساحل في ظل الوجود البريطاني؟ وما الآثار التي ترتبت على تلك الهجرة؟ لقد كانت هناك أسباب عديدة للهجرة أوجزها في النقاط التالية: 1ـ ان السياسة البريطانية كانت تتحكم بالهجرة في المناطق التي تقع تحت سيطرتها كما تقتضيه مصالحها فيها, فالبنسبة لشبه القارة الهندية, لم تكتف بريطانيا بكونها راعية المصالح الهندية في منطقة امارات الساحل, بل تؤكد باستمرار رغبتها في مواصلة اشرافها على الهجرة كلما أثارت الحكومة الهندية مخاوفها من قلة المهاجرين الهنود, وحتى قانون العمل الهندي الذي صدر عام 1932 لم ينجح في الحد من الهجرة, إلا في حدود ضيقة, أما بالنسبة لامارات الساحل فقد وضعت حكومة بريطانيا قواعد وشروطا ملزمة للشركات البريطانية الراغبة في الحصول على امتيازاتها, أهمها ان يكون العاملون في منطقة الساحل من الجنسية البريطانية. 2 ـ ان طبيعة الأوضاع الاقتصادية في الدولة لعبت دوراً بارزاً في عملية الهجرة. 3 ـ ان طبيعة الظروف الاجتماعية في شبه القارة الهندية لعبت دوراً أساسيا في الهجرة كذلك. 4 ـ ان ظروفا استثنائي مؤقتة كانت تحدث, فيضطر بعض الهنود إلى الهجرة, فمثلا: استغلال أصحاب المصانع للعمال إلى أقصى حدود الاستغلال ـ البطالة نتيجة الاستغناء المفاجىء عن كثير من الأيدي العاملة...إلخ. آثار الهجرة من الآثار التي ترتبت على تلك الهجرة, انه منذ تلك اللحظة دخل (البانيان) تجارة الذهب والفضة والمواد الغذائية وفي مقدمتها الأرز والشاي اللذين كان السكان في أمس الحاجة إليهم في تلك الفترة, وكونوا مراكز تجارية ومالية فعالة جدًا. وبما ان امارات الساحل كانت تشكو آنذاك من نقص القوى العاملة, فقد احتاج التجار إلى عمالة أجنبية غير مؤهلة, وكان يشغلها الهنود والباكستانيون والبنغاليون آنذاك. والسؤال الآن: كم كانت نسبة الجالية الهندية في تلك الفترة؟ وهل استطاعت ان تؤثر في مجتمع الامارات؟ كانت النسبة حوالي 10% فقط, أما بخصوص تأثير تلك الجالية, فلم تستطع ان تؤثر في مجتمع الامارات كما هو حاصل الآن, فقد اقتصر تأثيرها على نوعية الطبخ والملابس والزينة, بالاضافة إلى اللغة الأوردية أحيانا, وذلك لحاجة بعض التجار إليها في عملية التعامل وخاصة المدن الساحلية. إذ انهم بقوا في تلك الفترة مجتمعاً منفصلا له تركيبته الهندية الخاصة به وذلك لسببين: الأول, بسبب مراقبة السلطات البريطانية لهم من جهة, والثاني كان عدد السكان المواطنين 90% أي يفوق عدد المقيمين بكثير. غير ان من أكثر التساؤلات التي شغلت المهتمين في هذه المشكلة بعد حصول شبه القارة الهندية على استقلالها وقيام دولة الامارات في 2 ديسمبر 1971م هو سؤال: متى بدأت المشكلة تتزايد حتى وصلت إلى الوضع الحالي؟ ولهذا السؤال قدمت اجابات ودراسات عديدة, عزا بعضها الأسباب إلى التسلل وتجارة التأشيرات وغيرها, وإذا حاولنا ان نتعرف على بعض هذه المصادر والأسباب التي أدت إلى تزايد المشكلة, فإننا نجد كل ذلك متوافراً بأشكال مختلفة. فبلدان شبه القارة الهندية مثلا انفصلت وأصبح بينها الكثير من عوامل الخلاف والتناقض في سبل العيش والتنافر, وكذلك تفكك الاتحاد السوفييتي مما أدى إلى وجود بطالة في ذلك المجتمع والبحث عن مصدر رزق, سواء بطرق مشروعة أو غير مشروعة, وهكذا نقيس على ذلك باقي الجاليات الموجودة في الدولة حسب الظروف التي تعيشها مناطقها. ولكن مازال المواطن الغيور حائرا امام ما يشاهده من امم مختلفة, ويصر على معرفة الاسباب الحقيقية لتفاقم هذه المشكلة. ولن اتتطرق الى كثير من التفصيلات في هذه الفترة, ولكن لابد ان نتوقف عند نقطة مهمة وهي: ما دور الحكومات الهندية والباكستانية والبنغالية من هجرة افرادها الى دولة الامارات العربية المتحدة في تلك الفترة؟ في الواقع, لعبت الحكومات الثلاث دورا مهما في عملية الهجرة, وشجعت افرادها على الهجرة, والدليل على ذلك عندما اصدرت الحكومة الهندية في عام 1971م حوالي ثلاثة ملايين جواز سفر لسكانها الراغبين السفر الى الخارج, وقد كان نصيب دولة الامارات 20% من تلك الهجرة, اضافة الى ان بعضهم قد هاجروا بصورة غير شرعية. اما الاهتمام الفعلي للهجرة من قبل الحكومة الهندية فقد بدأ منذ عام 1977م حيث اقامت في (كيرلا) في جنوب الهند شركة (سميث) الشركة الاستشارية للعمالة والتنمية عبر البحار, وكذلك كان لها فروع في بعض الولايات الهندية الاخرى, وفي عام 1978م شكلت وزارة العمل في الهند فريقا للذهاب الى منطقة الخليج بهدف دراسة اوضاع العاملين الهنود, وكان تقرير اللجنة يشير الى ان اوضاع العاملين الهنود في المنطقة غير مريحة, وفي نفس السنة طالب الهنود العاملون في الخارج حكومتهم بانتخاب ممثل عنهم في البرلمان الهندي يمثل جميع الهنود خارج بلادهم, ونتيجة لزيادة عدد الهنود الى الخارج بدأت حكومتهم بتقنين المسألة. اما بخصوص الجالية الباكستانية والبنجلاديشية فكانت لها نفس المنهجية. وقد اتبعت الدولة بعد قيامها سياسة الانفتاح الاقتصادي وحرية التجارة, الى جانب ارتفاع اسعار البترول بعد عام 1973م, فقامت المشاريع الكبرى الحكومية والخاصة, مما لفتت انظار تلك الدول التي كانت تراقب هذه الاحداث عن كثب, وقد فتحت تلك العوامل وغيرها الباب لدخول عمالة اجنبية اصبح وجودها ضروريا في تلك المرحلة, واستطاعت ان تؤثر على ابناء الدولة في جميع النواحي الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والامنية.. الخ. تلك كانت جذور مشكلة التركيبة السكانية في ماضيها وحاضرها, وقبل الخوض في الحلول يجب الاشارة الى نقطة مهمة جدا وتعتبر واقعية وملموسة في الحياة العامة, الا وهي علاقة دولة الامارات العربية المتحدة مع دول العالم الاسلامي وباقي دول العالم على السواء, وذلك بفضل السياسة الحكيمة لرئيس الدولة, وصدور اي نوع من الاحكام والحلول العشوائية يتنافى مع سياسة الدولة الداخلية والخارجية, ما هي الا احكام وحلول مهدئة ما تلبث المشكلة بعدها ان تظهر مرة اخرى. ولكن يجب علينا كباحثين ايجاد حلول تقريبية تتناسب مع سياسة الدولة, حتى يتسنى للدولة اصدار القرار السياسي المناسب للتخلص من المشكلة شيئا فشيئا, ومن هذه الحلول: 1ـ تشكيل لجنة او دائرة خاصة تهتم بقضية التركيبة السكانية, وفريق عمل مناسب متخصص مرتبط مع المؤسسات الحكومية والخاصة. 2ـ تنمية الموارد البشرية المحلية وتحسين قدراتها ومهاراتها وذلك عن طريق المزيد من التعليم والتدريب والتأهيل للمواطنين وخاصة في المجالات الفنية والتكنولوجية التي تحتاجها بعض المؤسسات الحكومية والخاصة. 3ـ بالنسبة للوافدين العرب فعددهم وخصائصهم يعتمدان اساسا على حجم وخصائص قوة العمل الوافدة, اللذين يتوقفان بدورهما على مستوى وطبيعة النشاط الاجتماعي ـ الاقتصادي, ونحن نعلم ان معظم الوافدين العرب لديهم قرار مسبق ضمني, بوعي او بغير وعي, ان يستمروا على هامش الحياة الاجتماعية تلك. 4ـ وضع حلول للفئة (بدون جنسية) والوقوف للتخطيط لها مطولا لخطورتها المستقبلية, ناهيك عن الخطورة الراهنة. 5ـ الحد من العمالة الوافدة ذات المهارات المنخفضة. 6ـ الاسراع في البحث عن الافواج التي دخلت الدولة بصورة غير شرعية ومازالت موجودة. 7ـ عمل بطاقات صغيرة وزي موحد للفئات غير المؤهلة, كالبقالة والسوبرماركت والكراجات.. الخ, على غرار بعض المؤسسات الحكومية والخاصة, حتى يتم معرفتهم بسرعة من قبل الجمهور. 8ـ عدم تعاطف المواطنين مع كافة الجنسيات غير العربية بحجة انهم عملاؤهم سواء في المصانع او المراكز التجارية الخ.. مما يؤدي على المدى البعيد لجلب اصدقائهم (غير المؤهلين) وتتفاقم المشكلة. 9 ـ الحد من عملية الترانزيت وتجارة التأشيرات. 10 ـ اعطاء الفرصة المناسبة لابناء دول مجلس التعاون للعمل في الدولة. واخيرا, هناك الكثير من الحلول بخصوص هذه المشكلة, ولكن قناعتنا ان كل هذا لايمكن ان يتم الا بتكاتف ابناء هذه الدولة مع بعضهم البعض, وتوعية الاجيال القادمة بواسطة وسائل الاعلام المختلفة والدراسات والابحاث المقننة حتى يتسنى لهم معرفة الجذور الحقيقية لمشكلة التركيبة السكانية, ومن ثم التصدي لها مستقبلا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات