مع توقيع اتفاق تنفيذ اتفاقية(واي ريفر)في شرم الشيخ, تواجه الادارة الامريكية في الوقت الحالي جدول اعمال حافلا. وقد كان هناك بعض التكهنات قبل اسابيع قليلة مضت حول ان الولايات المتحدة ستقلل بصورة كبيرة من دورها في عملية السلام في الشرق الاوسط . غير ان متحدثين باسم الادارة نفوا ذلك واكتفوا بالقول ان الدور الامريكي في هذه العملية سيتغير, حيث لايتوقع من الولايات المتحدة ان تقوم بدور الحكم الذي يتلقى الشكاوى, ولكن فيما عدا ذلك فان الدور الامريكي سيظل دور القائم بتسهيل الامور في المراحل الحرجة ودور الوسيط اذا ما اقتضى الامر ذلك. وقد بدا ذلك جليا الى حد ما خلال زيارة مادلين اولبرايت, وزيرة الخارجية الامريكية, الاخيرة للشرق الاوسط, وسيظل الحال كذلك في العام المقبل. وقد كانت الاعوام الثلاثة الماضية مؤلمة بالنسبة لعملية السلام, حيث تعرض الفلسطينيون للمعاناة في ظل الاوضاع الصعبة المقترنة بالسلم الناقص, فقد اصبحوا اكثر فقرا وتعرضوا للبطالة بشكل اكبر, وعانوا من حرية اقل في الحركة وتضاءل املهم اكثر من اي وقت مضى منذ بدء عملية السلام. وخلال هذا الوقت وبفعل العرقلة من جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي, اقتربت الولايات المتحدة بشكل اكبر من الفلسطينيين واقامت روابط شخصية وعلاقة ثنائية لاسبيل الى التراجع عنها مع السلطة الوطنية الفلسطينية. وخلال زيارة الرئيس كلينتون التاريخية لغزة, اقتربت الولايات المتحدة الى اقصى قدر ممكن من التعبير عن تأييدها لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. ومع بدء الشعور بالضغط الاسرائيلي الحقيقي وان لم يكن صريحا على رئيس الوزراء الاسرائيلي, انهمك الاسرائىليون في مناقشة محتدمة حول قضايا السلام. وقد كان فوز باراك في الانتخابات في جانب منه نتيجة لتبني الولايات المتحدة لهذا النقاش الاسرائيلي. وتماما كما كان فوز اسحق رابين في عام 1992 قد تحقق بضغط خفي من ادارة بوش, وكذلك الآن ومع توقيع الاتفاق الجديد, يواجه الرئيس كلينتون والوزيرة اولبرايت تحديات ومسؤوليات جديدة. واذا كان الامر كما قال الرئيس كلينتون: لقد اقتربنا خطوة اخرى من اقرار سلام دائم وعادل وشامل في الشرق الاوسط, واذا كان هذا السلام سيتم اكماله قبل انتهاء مدة رئاسة كلينتون, فان الولايات المتحدة تواجه مسؤولية ثقيلة يتعين عليها الاضطلاع بها في غضون الاثني عشر شهرا المقبلة. وفي التصريح الذي اقتطفنا منه الملاحظة السابقة, قال كلينتون ايضا: (ان الفلسطينيين والاسرائيليين يقومون بما يتعين عليهم وينبغي ان نقوم نحن كذلك بما يتعين علينا انجازه) وكخطوة اولى, فقد دعا الرئيس كلينتون الكونجرس الى (ان يمول بشكل كامل الالتزام الذي قطعناه على انفسنا عندما وقعت اتفاقات (واي) (لاول مرة) . والواقع ان الكونجرس لم يوافق حتى الآن على تقديم 1.2 مليار دولار لاسرائيل و 400 مليون دولار للفلسطينيين. ومع توقيع الاتفاق الجديد, فان الادارة الامريكية سيتعين عليها ان تضغط بشدة لتحقيق تحرك سريع من جانب الكونجرس. وربما يسعى بعض اعضاء الكونجرس للتلاعب بالسياسات الحزبية في مواجهة صفقة المساعدة هذه التي تزعم اسرائيل انها تحتاج اليها لتنفيذ خططها الخاصة باعادة انتشار قواتها ومتطلباتها الأمنية التي يحتاجها الفلسطينيون لانجاز البنية التحتية واتاحة فرص اقتصادية. والخطر من جانب الكونجرس لايدور بالطبع حول المطلب الفلسطيني وانما هو يتمثل في ان بعض اعضاء الكونجرس سوف يحاولون تقييد صفقة المساعدة للفلسطينيين بشروط صارمة, وقد اشارت الادارة الى انها ستعارض مثل هذه الجهود. وهذا ليس التحدي الوحيد من جانب الكونجرس الذي ستواجهه الادارة الامريكية فهناك في الوقت الحالي اربعة مشروعات قوانين متعلقة بالقدس مطروحة امام الكونجرس, واكثر هذه المشروعات خطورة يسعى الى تجاوز صلاحيات السلطة الرئاسية والمضي قدما بشكل فوري بعملية نقل السفارة الامريكية الى القدس والادارة الامريكية ملتزمة باحباط مثل هذه الجهود, وقد تلقت مؤخرا دعما غير متوقع لموقفها من جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك الذي قام في عدد من المناسبات من بينها زيارته الاخيرة للولايات المتحدة بابلاغ اعضاء في الكونجرس بضرورة عدم استباق عملية السلام. وبالاضافة لجهود الادارة الامريكية في الجانب التشريعي, فقد التزمت بتدعيم الدوافع الاخرى التي طورتها لتشجيع كل من الاسرائيليين والفلسطينيين في جهودهم في اطار عملية السلام. وعلى سبيل المثال, فان مسؤولي البنتاجون ووزارة الخارجية الامريكية سيعملون مع نظرائهم الاسرائيليين على احياء لجنة تخطيط السياسة الاستراتيجية التي ستقوم بتنسيق قضايا الدفاع والسياسة بين البلدين وهذه اللجنة قد تبرهن على انها مثيرة للقلق بالنسبة للدول العربية, حيث انها تأخذ الالتزام الامريكي التقليدي بتفوق اسرائيل العسكري وبالعلاقات الامريكية ـ الاسرائيلية الاستراتيجية الى مستوى اعلى من ذي قبل. وسوف تواصل الولايات المتحدة العمل في ضوء جهود (اللجنة الامريكية الفلسطينية الثنائية) والتعاون في مجالات اخرى الذي يتم تطويره خلال السنوات الثلاث الماضية. وسوف يقوم ياسر عرفات قريبا بزيارة واشنطن للقاء الرئيس الامريكي ولعقد دورة عمل لهذه اللجنة, وهناك اضافة جديدة للجنة تتمثل في (المجموعة الاستشارية للاعمال) التي توجد عنصرا متعلقا بالقطاع الخاص يدفع باتجاه تطوير هذه العلاقة وهو الامر الذي يناظر اللجان الامريكية ـ المصرية, والامريكية ـ الروسية وغيرها من اللجان الفرعية التي تضم الولايات المتحدة في عضويتها, وقد قصد من ( المجموعة الاستشارية للاعمال) تطوير التجارة والاستثمار وتحسين علاقات الاعمال الشاملة بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية. وبعد ست سنوات مليئة بالمتاعب, يتعين على الولايات المتحدة ان تبدأ بالتعامل على نحو جدي مع الاهتمامات الفلسطينية المتعلقة بالتنمية الاقتصادية, والى ان تتم ازالة العوائق التي فرضتها اسرائيل في المقام الاول والتي لاتزال قائمة في وجه الاستثمار والتنمية فان الفلسطينيين سيظلون بعيدين عن الحصول على ثمار السلام, وهذا من شأنه ان يعقد الجهود المبذولة للتقدم نحو جدول اعمال الوضع النهائي. ولاشك ايضا في ان الولايات المتحدة سوف تضاعف ضغطها على الدول العربية لاحياء الاجتماعات متعددة الاطراف وجهود التعاون الاقليمية. وكما يقال فانه من اجل (تحسين مناخ صنع السلام) , فان الجهود في هذا المجال قد لاتكون سهلة هذه المرة, حيث ان الكثير من الدول العربية وقطاعا كبيرا من الرأي العام العربي قد شعر بالضيق الشديد حيال المغامرات السابقة, ويبدو انه يفضل موقفا قوامه انتظار مبادرة من الطرف الآخر, قبل القيام باي ايماءة على مستوى كبير نحو اسرائيل. ومن المجالات الاضافية التي ستشارك فيها الولايات المتحدة الجوانب المختلفة في مفاوضات الوضع النهائي بين الاسرائيليين والفلسطينيين وفي الجهد الذي سيبذل لاستئناف المفاوضات بين سوريا واسرائيل ولبنان واسرائيل والوصول بها الى نتيجة نهائية. واذا تركنا جانبا للحظة المسارين الاخيرين, فان مفاوضات الوضع النهائي قد تشكل للولايات المتحدة اعظم تحدياتها. غير ان هذه المحادثات الحرجة اذا لم يتم الاهتمام بها وتقديم المساعدة لطرفيها قد تنهار, فتضع الولايات المتحدة امام نهاية مؤسفة لجهودها لاكمال عملية السلام بأسرها. وحتى الآن استخدمت الولايات المتحدة الطرح الهائل بان (الاطراف المعنية ينبغي ان تصنع السلام معا) وذلك للاشارة الى تفضيلها ألا تنخرط بشكل مباشر في عملية التفاوض ذاتها. وعندما سئل مسؤول الادارة الامريكية عن طبيعة الدور الذي يعتزمون القيام به خلال مفاوضات الوضع النهائى, اشاروا في معظم الاحوال الى ان دورهم سيكون دورا (داعما) وذلك (لازالة العراقيل من الطرق) او (لتقديم افكار تكون بمثابة مد للجسور) وذلك للمساعدة على تجاوز مراحل الجمود في المحادثات او تقديم الدعم للاسرائيليين والفلسطينيين عندما يخاطرون من اجل السلام. ولكن اذا اريد اكمال عملية السلام في غضون عام اي قبل انتهاء فترة عمل ادارة كلينتون, فان الولايات المتحدة سيتعين عليها النظر في القيام بدور اكثر قوة ونشاطا. وهناك عاملان يتعين على الولايات المتحدة ان تمعن النظر فيهما وهي تخطط لمشاركتها في عملية السلام خلال العام المقبل. العامل الاول هو بالطبع الاختلال في القوة الذي يحدد طبيعة العلاقات الاسرائيلية الفلسطينية, وقد شكل هذا العامل بصورة جزئية عملية المفاوضات منذ الجهود الاولية لتنفيذ اتفاق اوسلو قبل ست سنوات, وقد اعرب الفلسطينيون عن شكواهم من ان الاسرائيليين في معظم الاحوال قاموا بدلا من التفاوض باملاء شروطهم من دون ان يتركوا للفلسطينيين اي خيار الا التعامل مع التفاصيل او رفض مايطرح عليهم. وقد اقر رئيس الوزراء السابق شيمون بيريز بذلك عندما اعترف بأن (ليس الامر كما لو كنا نتفاوض مع الفلسطينيين فنحن نتفاوض مع انفسنا والسؤال هو ما مقدار ما نحن على استعداد لاعطائهم اياه) . والبديل الوحيد الحقيقي امام الفلسطينيين هو القدرة على ان يقولوا لا والتسبب في حدوث ازمة, وفي هذه المرحلة, فإن تمحيص الحد الاقصى الذي يبدو ان اسرائيل مستعدة لاعطائه في اتفاقات الوضع النهائي والحد الادنى الذي يمكن للفلسطينيين قبوله يوضح انه في غضون عام واحد, فإن ازمة ستكون هي نتيجة هذه المحادثات في حقيقة الامر. وعلى سبيل المثال, فانه فيما يبدو ان الاسرائيليين على استعداد لقبول مفهوم الدولة الفلسطينية, فان تعريفهم لتلك الدولة هو وصفة لكارثة, ذلك ان الفلسطينيين لايمكنهم قبول دولة صغيرة ممزقة ذات سيادة محدودة ولاسيطرة لها على الحدود ولا اتصال لها بالاردن او مصر ولا وجود لها في القدس. وما يمكن للولايات المتحدة القيام به للحيلولة دون وقوع ازمة هو المساعدة في دفع النقاش داخل اسرائيل نحو قدر اكبر من التفهم لمشروعية التطلعات الفلسطينية وعواقب اخفاق عملية السلام. والامر نفسه ينبغي ان ينطبق اذا ما اريد تحقيق تقدم على الجبهتين السورية واللبنانية وبينما ستواصل الولايات المتحدة بلاشك السعي للوصول الى صيغة لاستئناف المحادثات المتوقفة على المسار السوري, فان ما يتعين القيام به كذلك هو مساعدة الاسرائيليين على اختراق الحواجز النفسية التي تحول دون رؤيتهم لمستقبل بديل. ان الولايات المتحدة يمكنها بل وينبغي عليها القيام بدور قوة اخلاقية تلهم وتحفز (وتطرح رؤية للمستقبل هي من القوة بحيث يجتذب الاسرائيليين والعرب نحوها ويرغبون في تقديم التضحيات للوصول اليها) . وفي حفل توقيع الاتفاق في شرم الشيخ اختتمت مادلين اولبرايت, وزيرة الخارجية الامريكية خطابها بالاشارة الى ان : الولايات المتحدة ستقوم بكل ما يمكنها فعله لتسهيل هذا الجهد وتوسيع نطاقه وللمساعدة في انجاح المفاوضات, وهذا يعكس اهتماماتنا والتزاماتنا بالقيم التي نتمسك بها. واذا ما اريد للتاريخ ان يسجل ان ادارة الرئيس كلينتون قد جعلت السلام في الشرق الاوسط واقعا قائما فإن هذه الادارة ستواجه جدول اعمال حافلا في العام المقبل. وامامها الآن بالفعل حشد من المهام الاقتصادية والتشريعية والسياسية يتعين عليها القيام بها لدعم عملية صنع السلام ولكن المزيد يتعين القيام به اذا ما اريد تحقيق السلام.