أبجديات، بقلم عائشة إبراهيم سلطان

تجادل الزميلان الصحفيان (عبدالرحمن الراشد) رئىس تحرير صحيفة الشرق الأوسط, و(أحمد علي)رئيس تحرير صحيفة الوطن القطرية, وأثبتا جدلهما واختلافهما علنا على صفحات الجرائد التي يرأسانها, وتعود اسباب الخلاف بينهما الى ذلك الخبر الذي رصدته(الشرق الاوسط)حول وزير بلدية سابق في قطر أقدم منذ مدة على قتل أختيه غير الشقيقتين وجرح زوجة أبيه . الخلاف يعود إلى احتجاج رئيس تحرير الوطن القطرية (وليس رئىس الشرطة أو وزير الداخلية) على نشر الخبر على صفحات الشرق الاوسط ما دفع رئيس تحريرها عبدالرحمن الراشد لكتابة عمود على مدى يومين حول تداعيات الخلاف والقضية تحت عنوان (رداً على اشكالية زميل) يومي الخميس والجمعة الماضيين (9,8/9/1999) . حالة الخلاف تستحق التأمل باعتبارها حالة ذهنية عربية سائدة وليست منطق خلاف فردي ضيق, فغريب حقا موقف رئىس تحرير الوطن التي تتغنى بالحرية والديمقراطية, والأغرب ان يبادر صباح نشر مقال الراشد إلى إعادة نشره في صدر الصفحة الاولى لصحيفته الوطن انطلاقا من (إيمانه بحق القارىء في الاطلاع على الرأي الآخر مهما كان متعارضا مع رأيه او رافضا له) هكذا قدم أحمد علي للمقال بنفسه. وكلنا يعلم ويتابع الخط المنفتح العام الذي تنتهجه قطر في الفترة الاخيرة, كما نعلم ان نغمة قناة (الجزيرة) تكاد تكون معزوفه عامة في الاعلام القطري والحياة العامة بشكل أو بآخر. ما يعني ان هذه الدولة والتي تتحرك ضمن نطاق ومناخ يحسب حساباته باللوغاريتمات الدقيقة لموضوع حريه التعبير, تتحدث بثقة مفرطه وتؤسس حالة مغايره غير معتاده في هذا المناخ ان لم نقل غير مستساغة, بسبب موروث التربية, وتراكم التجربة السياسية, وذهنية ما قبل الدخول في الدولة الحديثة التي مازالت تحكم نظرة الكثيرين من أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي والديني وحتى الاعلامي والثقافي ايضا! وعليه فإن عبدالرحمن الراشد يضع يده على الجرح تماما حينما يقول (اهل الدوحة الذين هزتهم الحادثة لم يشاهدوا ولم يقرأوا عنها, لان بعض وسائل الاعلام مثل (الوطن) و(الجزيرة) مشغولة بترديد الحديث عن سعة حريتها ولاهية في النبش في خلافات الخليجيين والمصريين والسوريين والجزائريين وغيرهم, ان يقدم وزير على جريمة كبيرة يقتل فيها ابرياء ولايذاع خبره اصعب من ان يبرره اي عذر) . والحقيقة أن هذه هي اشكالية الدول التي مازالت ترزح تحت أثقال الاعتبارات الجهوية, وتركة المصالح الخاصة لبعض الفئات الاجتماعية, ففي كل صحيفة هناك صفحة للحوادث تتصدرها صور مهربي المخدرات من الجنسيات الآسيوية وصور فتيان عاكسوا فتيات في مركز تجاري, وخادمة سطت على منزل مخدومها.. الخ. اما اصحاب الجرائم الحقيقيون المتسترون خلف السواتر المنيعه فلا يأتي أحد على ذكرهم, لماذا؟ لا أحد يريد ان يعترف بالحقيقة! ان القارىء بالتأكيد لايشتري الصحيفة ليقرأ عن حادث محاولة اغتيال مبارك أو اتفاق شرم الشيخ فهذه كلها اخبار (بايته) تابعها مساء الامس في كل قنوات العالم, انه يشتري صحيفته لانها توفر له شيئا آخر أكثر أهمية, أو تثبت له حقيقة يتمناها ان تكون كذلك, الا وهي: وجهه النظر الأخرى للأحداث أو الرأي الآخر بمعنى أصح. ما يعني ان هناك حرية تعبير وكلمة, ما يعني ايضا ان هذا القارىء أو المواطن موجود وفاعل ومراقب لكل قنوات العمل في المجتمع وليس مجرد رقم مهمل في احصائىة سكانية قديمة ومنسية, الرأي الآخر في الاعلام هو الفيصل في كل المجتمعات بين كون الافراد فيها مواطنين أم مجرد رعايا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات