لا نحتاج الى الكثير من المعادلات والاجتهاد لتعود اجسادنا وادمغتنا الى سابق تناغمها مع منظومة الحياة التي تركناها قبل السفر, فنحن مؤهلون على ما يبدو لامتصاص الصدمات والتغييرات المفاجئة وبدون تلكؤ! ولذلك نلتقط تفاصيلنا منذ اليوم الاول ونمضي في توازناتنا كل على طريقته . نكتشف ان الناس مازالت تعاني من مدراء مملوئين بعقد النقص وامراض الداخل تجاه موظفيهم, فتبدو سلوكياتهم المؤسسية داخل محيط العمل صورة اخرى لذلك النقص الكامن فيهم, ومدراء آخرين واقعين في فخ النرجسية وتعظيم الذات ما يحولهم الى بؤر فساد داخل مؤسساتهم ينتجون الاخطاء والمشاكل بدل الابداع والتطوير, وغيرهم جاءوا الى مناصبهم بضربة حظ او بطريق الخطأ او باحدى طرق الترقي المعروفة في العالم النامي, وأولها الاعتبارات الشخصية والعلاقات الخاصة والواسطات اللعينة. نكتشف ان احداً من اصحاب المناصب والمسؤوليات الخطيرة لا يريد ان يعترف بخطئه ودوره في الازمات الفادحة في ميدان عمله ويظل متشبثاً بكرسيه ومبدئه حتى الرمق الاخير, ولهذا فنحن لن نصل الى حل لغز الصيانة في مدارس التربية والتعليم, لان التربية تؤكد براءتها من (التهمة) ملقية القضية برمتها في ملعب الاشغال, بينما تصر هذه على عدم مسؤوليتها تجاه فوضى الصيانة!! اذن فلا شك ان الطلاب والمعلمين هم السبب! او ربما الفراشين, من يدري؟ وعليه فلا شك ان عمال المطابع الباكستانيين والهنود هم سبب التأخير في طباعة بعض الكتب المدرسية! ألم نتحدث طويلا عن سلبيات التركيبة السكانية؟ هذه احداثها حتى لا نتهم مسؤولي التربية المظلومين دائماً. أحد السادة من كبار المسؤولين يصر على ان افضل الموظفين لديه هم من الاخوة (الوافدين) وعليه فهو يتحيز وبشكل مبالغ فيه في امر تعيينهم والتمسك بهم, ومع شديد احترامنا للجميع, فان هناك دعوة مستمرة, ومناداة على اعلى المستويات القيادية الرسمية في الدولة لتوطين الوظائف خاصة في القطاع الحكومي والاتحادي, ولكن يبدو ان هذا السيد الفاضل لم يسمع بذلك كله! السر الذي كشفه لنا بعض الاخوة في مؤسسة هذا المسؤول انه يعمل جهارا على استغلال هؤلاء (الوافدين) في اعماله وشركاته الخاصة بعد انتهاء الدوام الرسمي وبأجور زهيدة! ولا عزاء لسياسة التوطين. أمر كهذا وغيره مما يملأ صفحات لا يجب ان ينظر اليه على انه ممارسة عادية علينا تقبلها ضمن منظومة الاخطاء الشائعة والمسكوت عنها, فما الذي يجبرنا على السكوت عن الاخطاء؟ ثم ان هذه الاخطاء ليست مجرد تجاوز بسيط لحدود السلطات الوظيفية, انها (عقيدة) باطلة متفشية بشكل او بآخر, وهي تندرج تحت حالة سيئة يطلق عليها عالميا (الفساد الاداري) في دول العالم الثالث, هذا الفساد هو أول المستفيدين من حالة بقاء الركود والأوضاع على ماهي عليه. ان اسوأ ما في الامر هو ان تتربى اجيال على قبول هذا الفساد والسكوت عليه, وبالتالي اعتياده وممارسته, هذه الاجيال التي نضع املنا فيها من اجل قيادة تظاهرة التغيير كي لا نبقى للابد نحلم بأن نكون كالآخرين تقدما وتنظيما وابداعا والتزاما بالقانون, ذلك ان تحقيق هذا الحلم رهن بعقول مؤمنة وقادرة على القيام باستحقاقاته, اما الحلم على طريقة العجزة فله حديث آخر. التغيير يحتاج الى ارادة وظروف مشجعة وزمن, هذه حقيقة, لكن الحقيقة الصارخة تقول: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) .