حزب العمال الرأسمالي، بقلم: أحمد عمرابي

يقول المفكر الافريقي البروفيسور علي المزروعي(من تنزانيا)ان الرأسمالية(حالة ذهنية).. فاذا كان نمط تفكيرك استغلاليا, بمعنى ان النزعة الغالبة في ذهنك هي استغلال جهد الآخرين ممن قد يعملون لحسابك اذا صرت يوما ما مخدما من أجل تعظيم ربحك الشخصي فأنت رأسمالي(محمّل)حتى ولو كنت فقيرا معدما بلا رأسمال . ولا أرى ان هذه النظرية الفريدة تنطبق على أحد مثلما تنطبق على توني بلير رئيس الحكومة في بريطانيا, لكن الذهنية الرأسمالية في هذه الحالة لا تقتصر على شخص بلير وحده وانما تتجاوز ذلك لتشمل الهيكل الاداري لحزب (العمال الجديد) بأسره, بحيث بات اطلاق اسم (العمال) على ذلك الحزب العريق تناقضا لفظيا اذا أحسنا الظن, وخداعا معنويا اذا حكمنا النظرة الموضوعية كما يعكسها واقع الحال. غير ان عملية تغيير الجلد والذهن لحزب يساري اشتراكي ليست بدعة تنفرد بها بريطانيا وحدها. فالموضة منتشرة في أوروبا الغربية كلها مع توالي اكتساح الاحزاب (اليسارية) الانتخابات وتسلم السلطة. ولكن الخدعة موحدة فيما يبدو. فهذه الاحزاب, مثل حزب (العمال) البريطاني لاتزال تحتفظ بأسمائها الموحية بتوجهات اشتراكية, فالخدعة ضرورية كوسيلة للاستمرار في اجتذاب أصوات الطبقات العاملة. لقد تميز حزب (العمال) البريطاني تاريخيا بأنه الصوت الأعلى لجماهير العاملين أصحاب الدخول المحدودة في مواجهة الشريحة الرأسمالية من أصحاب شركات الصناعة والتوزيع. وعلى هذا الأساس كان التأميم هو الركن الأساسي في منظومة مبادئه الاقتصادية. وعلى الطرف الآخر كان حزب (المحافظين) هو التنظيم الذي يعول عليه أصحاب رأس المال. لكننا نرى الآن ان هذه الصورة تتبدل, فقد اكتشف أصحاب رأس المال ان سمعة حزب (المحافظين) تزداد سؤا مع تنامي الوعي السياسي الشعبي مع انكشاف هويته الحقيقية كتنظيم سياسي لا يعمل الا لخدمة مصالح الأقلية الارستقراطية. من هنا كان التفكير في استغلال حزب (العمال) اذا كان في الامكان شراء قيادته. وهذا بالضبط ما جرى في بريطانيا وفرنسا وغيرهما من الدول الاوروبية الغربية. بالتالي فاننا نشهد قرب نهاية القرن العشرين خدعة كبرى ستدخل التاريخ كنقطة تحول في التاريخ السياسي الأوروبي تحت اسم (حزب العمال الجديد) أحدثت قيادة الحزب تغييرات جذرية في المرتكزات الثابتة فألغت نهائيا شعار التأميم ليحل محله شعار الخصخصة. وألغت مبدأ تحميل الشركات العبء الأكبر في فرض وجباية الضرائب. وأكثر من ذلك انضم الى قيادة الحزب عدد من كبار الرأسماليين تحت اسم (مستشارين) أبرزهم لورد سايمون رئيس شركة (بريتش بتروليوم) ولورد ساينسبيري صاحب شركة ساينسبيري العملاقة والشهيرة عالميا في مجال صنع الاغذية. وتضم القائمة ايضا جورج سيمسون رئيس شركة (جنرال اليكتريك) وأندرو سنون المدير العام لشركة (ماركس وسبنسر) في مجال التوزيع السلعي, واجمالا فان 28 شركة من بين شركات المقدمة المائة في بريطانيا تقف الآن وراء حزب بلير. وللقضية أكثر من مغزى واحد, فمع استمرار الشركات الامريكية العملاقة (متعددة الجنسية) في شراء وتملك شركات بريطانية في مجالات مماثلة, فان النفوذ الذي يمارسه أصحاب رأس المال الامريكي على توجهات وسياسات (البيت الأبيض) في واشنطن لابد ان ينتقل بالضرورة ايضا الى بريطانيا. وهذا مما يفسر لنا التحالف الأمريكي البريطاني الراهن في ساحة العلاقات الدولية وانصياع بلير لسياسات كلينتون الى درجة التبعية أحيانا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات