أريد ان أتوقف أمام تعبير يظهر في كثير من التحليلات السياسية والاجتماعية التي تتعلق بنماذج التنمية الناجحة, وأقصد بذلك كلمة(المعجزة), فلسنوات طويلة كان هناك حديث عن المعجزة اليابانية والمعجزة الكورية ومعجزة النمور الآسيوية . واستخدام كلمة (المعجزة) كوصف لهذه الخبرات ليس بمحض الصدفة, وليس بدون معنى أو دلالة, بل هو تعبير عن نمط من التفكير وعن افتراضات معينة ينبغي ان نتوقف أمامها ونكشف عما تقوم عليه من أفكار. فكلمة المعجزة مليئة بالايحاءات فهي بحكم التعريف حدث استثنائي, وهي واقعة خارقة وغير متكررة ومن ثم توصف بالمعجزة, والدليل على ذلك ان استخدامها اللغوي الدقيق يرتبط بالأفعال والأقوال التي صدرت عن الأنبياء والرسل, والذين أثبتوا نبوتهم من خلال أنماط للسلوك يعجز عنها البشر, وكان فيها اثبات انهم رسل من عند الله سبحانه وتعالى, مثل ما حدث في غار حراء, وواقعة الاسراء والمعراج, يترتب على ذلك ان المعجزة تحمل طابعا غير اعتيادي, وتخرج عن طاقة البشر. لذلك فإن المعجزة بحكم التعريف لا تخضع للتحليل العلمي أو التفكير المنهجي ومن ثم فهي تتعدى قدرات العقل البشري لأن العلم والتفكير المنهجي يقومان على وجود أنماط متكررة في الطبيعة والسلوك البشري, ومعنى هذا ان العلم يخاطب ظواهر ووقائع لها صفة التكرار, فيسعى لرصدها وتحديد مدى انتظامها, ويسعى للكشف عن جذورها وأسبابها ومصادرها, ويحاول تجميعها في أنماط, وربما التنبؤ بمسارها ومستقبلها, يحدث هذا في دراسة الطبيعة والكون والفلك, كما يحدث في دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ففي مجال العلاقات الدولية مثلا هناك بحوث ودراسات عن ظاهرة الحروب بين الدول وأسبابها ودوافعها وأنواعها ونهايتها, وهناك بحوث ودراسات عن الثورات والانقلابات العسكرية, وبحوث أخرى عن النتائج المترتبة على تطبيق سياسات اقتصادية معينة. ومن هنا تتضح النتيجة المترتبة على وصف ما يحدث في اليابان أو كوريا أو ماليزيا, على سبيل المثال, بالمعجزة لأنها تصبح عندئذ خبرة فريدة لا يمكن الاستفادة منها أو نقل دروسها أو حتى فهمها, لأن وصفها بالمعجزة يجعلها تبدو وكأنها تستعصي على التحليل والتفسير, أو يجعلها مرتبطة بأسباب تنفرد بها دول معينة, ومن ثم لا يمكن الاستفادة من انجازاتها مثل القول مثلا بأن نجاح التنمية الاقتصادية في اليابان مرده الثقافة السياسية المتميزة والفريدة لليابانيين, والعلاقة الخاصة التي تربط العامل الياباني بمصنعه والتي تجعل منها علاقة أبدية أقرب ما تكون إلى الزواج الكاثوليكي, فالعامل يقدم الولاء الكامل لمصنعه ولا يهدد أبدا بالاضراب أو الانقطاع عن العمل, مقابل بذلك يرعى المصنع العامل وأسرته طول حياته, بل وبعد مماته, ويدخل في هذا أيضا تفسير نجاح سياسات التنمية في كوريا الجنوبية بظروف الحرب الباردة ورغبة الولايات المتحدة في انجاح تجربة التنمية في كوريا الجنوبية في اطار المنافسة مع الاتحاد السوفييتي وكوريا الشمالية. والحقيقة, ان كلا العاملين لا يفسرا بمفردهما ما حدث في اليابان أو كوريا فالعلاقة بين العالم والمصنع قد تفسر استعداد العمال للعمل والتفاني فيه, ولكنها لا تفسر اتباع سياسات اقتصادية ناجحة ولا تفسر قدرة النخبة السياسية والاقتصادية على تغيير هذه السياسات مع تغيير الظروف, ولاتفسر عمليات التكيف الصناعي والاقتصادي التي قامت بها اليابان أكثر من مرة في الثلاثين عاما الماضية, أما بالنسبة لكوريا الجنوبية, فالأمر المؤكد ان حجم تدفق رؤوس الأموال الأمريكية إليها لم يكن أبدا مغاليا فيه مقارنة بما حصلت عليه دول نامية أخرى, كما انه لا يفسر قدرة الاقتصاد الكوري في العامين الأخيرين على تجاوز أزمته واستعادة عافيته, والنهوض من جديد. والنقطة التي أريد التأكيد عليها انه لا توجد معجزة انفردت بها دولة واحدة, كما انه لا يوجد سبب وحيد يمكن به تفسير خبرات التنمية الناجحة في آسيا. فنحن اولا لسنا ازاء حالة واحدة وانما مجموعة دول كررت خبرة النجاح ثم واجهت ازمة طاحنة منذ عامين, ثم تجاوزت الازمة وقد استطاعت هذه الدول تحقيق الانجاز في ظروف جد مختلفة, بعضها كان مدمرا بسبب ظروف الحرب مثل اليابان وكوريا الجنوبية وبعضها اقرب ما يكون الى شكل مدينةـ دولة مثل هونج كونج وبعضها دول صغيرة العدد مثل سنغافورة وبعضها دول اسلامية مثل ماليزيا واندونيسيا وبعضها دول كبيرة العدد مثل الصين التي تضم اكثر من ربع سكان العالم ثم ان هذه الدول استطاعت تحقيق معدلات عالية من التنمية الاقتصادية والتكنولوجية في فترة زمنية محدودة. دعونا اذن نخرج عن السجن النفسي الذي تضعه كلمات مثل المعجزة او ان نبحث عن سبب تفردت به هذه الدولة او تلك ودعونا ننظر في منظومة العوامل والاسباب التي ادت بهذه الدول الى النجاح والانجاز والتي تتضمن الاخذ بالعلم والمنهج العلمي, وبوضع اهداف محددة مرتبطة بتوقيتات زمنية وميزانيات محددة, وسياسية وطنية تضع التعليم في مقدمة اولوياتها وانفتاح على العالم يجعل مؤسسات الدولة والمجتمع قادرة على المنافسة وبوجود قيادة سياسية واقتصادية قادرة على التجديد والابداع وتتمتع بالمرونة اللازمة للتراجع عن السياسات التي ثبت خطؤها او تغيرت الظروف التي استدعت تبنيها. والخلاصة انه لاتوجد معجزة خارج اطار جهد البشر وعملهم ولايوجد سبب وحيد يمكن ان نفسر به النجاح ولا توجد وصفة جاهزة يمكن ان تطبقها كل البلاد بغض النظر عن ظروفها, والوصفة الناجحة هي تلك التي تعكس خصوصية وظروف كل مجتمع في اطار القواعد العامة التي اشرت اليها. *عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة