بعد حادث بورسعيد، حديث التقصير ومهمة التغيير!بقلم: جلال عارف

يأتي حادث بورسعيد بعد ان اعلن الرئيس مبارك عن تغييرات مرتقبة بعد الاستفتاء على رئاسة الجمهورية. فليكن التغيير بحجم صدمة المجتمع من الحادث, وبقدر ما كشف عنه من خلل يحتاج للاصلاح السريع والشامل, وليكن التغيير بحجم المهمات الثقيلة الملقاة على عاتق مصر وهي تصنع المستقبل في اصعب الظروف . مرة اخرى تكشف محاولة الاعتداء الاثيم على الرئيس مبارك عن هذا الداء الدفين الذي تعاني منه بعض الاجهزة المسؤولة, والذي يتجلى في حالة الاسترخاء التي تشعر بها هذه الاجهزة كلما استتب الامن وحوصر الارهاب. لقد ساد هذا الشعور قبل سنوات ومع انحسار التيارات الارهابية في صعيد مصر, فكانت النتيجة هي حادث الاقصر الذي مازالت مصر تدفع ثمنه وتحاول استعادة ما فقدته في هذا الحادث الذي ضرب السياحة في القلب واغلق ابواب الرزق امام الملايين. وهاهي المأساة تتكرر مرة اخرى.. ورغم اصوات التحذير التي كانت تنطلق خوفا من حالة مماثلة من الاسترخاء الامني, تقع الواقعة ويأتي حادث بورسعيد ليكشف عن مواطن الخلل والاستهتار التي بادرت الدولة ـ بعد الحادث ـ بالتصدي لها ولكن ما ينبغي ان يكون واضحا ان نقل ضابط او اثنين لن يحل المشكلة, فالقضية تحتاج لمواجهة اكثر حسما تتعدى الاشخاص الى السياسات, ولا تكتفي بمعالجة المسائل المظهرية, بل تدخل الى جوهر القضايا وتتعامل معها بالعقل والموضوعية والحسم المطلوب. ان كم المعلومات الذي نشر بعد الحادث عن مظاهر الخلل الذي كان وراء ما وقع في بورسعيد يثير التساؤل: هل كانت هذه المعلومات خافية ثم ظهرت فجأة؟ ومن المسؤول عن اخفائها؟ ام ان المعلومات كانت معروفة ومع ذلك لم يتم التعامل معها بالقدر المطلوب من الحسم والرشد السياسي والاداري؟ اننا نتجاوز الحادث الاثيم في حد ذاته, بعد ان ثبت ان مرتكبه مجرد بلطجي مريض عقليا, ونحاول التركيز على ما كشف عنه الحادث من سلبيات لا يمكن ان تستمر اذا اردنا تحقيق طموحاتنا في النهضة والتقدم. فهل من المعقول ان تظل بعض قيادات الامن في المدينة الهامة 15 عاما متواصلة كما نشر؟ وهل من المعقول ان ينشغل البعض عن واجباتهم بالتجارة و(البزنس) ؟ وهل من المعقول ان تحاول بعض القيادات اصلاح بعض الامور فلا تنجح لان الضغوط اقوى والفساد له انياب؟ وهل من الممكن ان تنشغل الادارة في المدينة بالصراع مع المجالس الشعبية والقيادات السياسية فتضيع مصالح المواطنين بدلا من توحيد الجهود لتكون المدينة ـ بحكم الخبرة والكفاءة ـ هي القاطرة التي تقود المشروع القومي الكبير في شرق التفريعة والتي كان الرئيس مبارك يتفقد العمل بها يوم الحادث؟ ان الخلل الامني الذي كشفه الحادث لا يمكن ان يكون معزولا عن مظاهر اخرى للخلل والفساد في المجالات السياسية والادارية والاجتماعية كانت نتيجتها انتشار البلطجة والتسيب, وضياع الفرصة الحقيقية لتأخذ المدينة مكانها كواحدة من اعظم موانئ العالم كله. ورب ضارة نافعة, فقد كشف الحادث الاثيم عن مظاهر الخلل الذي يحدث في وقت يدخل فيه المشروع العملاق في شرق بورسعيد مرحلة متقدمة من العمل. وهو المشروع الذي يمثل املا لمصر كلها, ويحتاج لتضافر الجهود وتكاملها, ليصبح مع غيره من المشروعات الكبيرة بابا حقيقيا للتقدم والنهضة. لقد كشف الحادث الاثيم عن حقيقة عجز بعض الاجهزة عن القيام بواجبها.. فما بالنا باحتياجات المستقبل وما تتطلبه المشروعات العملاقة من كفاءات استثنائية تستطيع حشد الجهود وتوفير الامكانيات, واستئصال الفساد والتسيب وكل المعوقات التي تقف في وجه التنمية المطلوبة. لكن ذلك كله ليس الا وجها واحدا للحادث واسبابه ووسائل مواجهته, اما الوجه الاخر فيثير تساؤلا هاما هو: لماذا كانت بوسعيد بالذات هي مسرح الحادث.. وهل يعني ذلك شيئا يجب ان يوضع موضع الدراسة والبحث ام هي الصدفة التي تقودنا الى ان نرتطم بها ثم ننساها بعد حين ولا نتعامل معها بالجدية الواجبة؟ بورسعيد ( اذا كنتم مازلتم تذكرون!) هي المدينة العظيمة التي دخلت التاريخ من اوسع ابوابه حين تصدت للعدوان الغاشم على مصر عام 1956 واوقفت زحف الجيوش الانجليزية والفرنسية فكان صمودها هو السبب الرئيسي في فشل قوات العدوان في السيطرة على قناة السويس واستعادة السيطرة على الشركة العالمية لادارة قناة السويس التي اممها عبدالناصر. دخلت بورسعيد التاريخ فقد كانت معركتها المنتصرة هي الاعلان الرسمي بانتهاء عصر الاستعمار التقليدي وانهيار الامبراطوريتين الفرنسية والبريطانية, كما كانت اعلانا عن ثورة الشعوب العربية وكل الشعوب المغلوبة على امرها في آسيا وافريقيا وامريكا الجنوبية. دخلت بورسعيد التاريخ, ودخلت عقل وقلب كل عربي, لتصبح الانشودة التي يترنم بها العرب اجمعين. وبدأت المدينة المناضلة تضمد جراحها وتعيد بناء ما تهدم فيها, وكانت المهمة صعبة خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي كانت تمر بها مصر وهي تعاني من حصار امريكي يحاول ان يمنعها من بناء السد العالي واستكمال خطط التصنيع وتعويض ملايين الفقراء من المصريين عن سنوات الحرمان الطويلة. وزاد من صعوبة المهمة ان تآمرا غربيا حدث لحرمان مدينة بورسعيد من تجارة الترانزيت.. وكانت وقتها اهم موانئ المنطقة في هذا المجال. كمال ان ظروف تشغيل قناة السويس بالامكانيات المصرية حتمت تعديلا في نظام مرور السفن في القناة بحيث لم تعد سفن الركاب تتوقف ساعات في المدينة ليملأ السياح الاجانب شوارع المدينة بالحياة. وعرفت المدينة بعد ذلك كسادا تجاريا تحملته على امل ان يتحقق المشروع الكبير لانشاء منطقة حرة بها تستغل موقعها الفريد في اقامة منطقة صناعية هائلة تكون مركزا للتجارة العربية والافريقية, وهو المشروع الذي رعاه عبدالناصر, وكان مقدرا ان يبدأ العمل به في ديسمبر 1967 بعد استكمال الدراسات الفنية التي قامت بها بيوت خبرة اوروبية على اعلى مستوى, ولكن الامل اغتيل في يونيو ,67 ووجدت بورسعيد نفسها مرة اخرى في قلب المعركة وفي خط المواجهة مع العدو. وعادت العائلات للهجرة خارج المدينة, وعاد الرجال ليشاركوا في القتال ويخوضوا معارك الاستنزاف ثم العبور العظيم. وكان لابد من جهد هائل لاعادة تعمير مدن القناة قبل ان يعود سكانها في منتصف السبعينات, ومع العودة كان خط سياسي جديد يتبلور عند السادات في اتجاه المصالحة مع اسرائيل. وفي هذه الظروف جاء قرار تحويل مدينة بورسعيد الى منطقة حرة, وتم الامر بطريقة عشوائية وباهمال تام لكل الدراسات العلمية التي تمت من قبل والتي كانت تركز على تحويل بورسعيد الى منطقة عالمية لتجارة الترانزيت والى مركز للتصنيع يبدأ بصناعات التجميع ثم ينطلق بعد ذلك في نفس الطريق الذي سارت فيه هونج كونج والصين وغيرهما من بلاد جنوب شرق آسيا. بدلا من ذلك اقتصر الامر على استيراد بعض السلع الاستهلاكية التي يتم تسريبها الى داخل البلاد بالطرق القانونية او غير القانونية, وهو الامر الذي اشاع ـ في البداية ـ موجة من الازدهار الكاذب كان لابد ان تكون نهايته قريبة مع تشبع الاسواق من ناحية ومع خفض الجمارك تطبيقا لاتفاقيات الجات من ناحية اخرى. وكان ثمن هذه الموجة من الازدهار الكاذب فادحا على جميع المستويات فقد غرقت المدينة في هذه الموجة الاستهلاكية وطفت على السطح جماعة من الاثرياء الجدد, وتكونت عصابات لتهريب البضائع, وترك الموظفون اعمالهم ليشاركوا التجار الصغار اعمالهم, وتدهور التعليم بعد ان وجد الصبية ان بيع الملابس في الشوارع اكثر جدوى! وعندما هدأت العاصفة بعد سنوات كان الموقف شديد الارتباك.. الحصيلة الحقيقية لسنوات الازدهار الاستهلاكي ذهبت الى قلة قليلة نقلت نشاطها بعد ذلك الى خارج بورسعيد, والاغلبية باتت تواجه الكساد وتواجه ايضا نتيجة اهمال استمر سنوات للميناء والمصيف اللذين كانا المصدر الاساسي لرزق المدينة. ولعل هذه التقلبات الاقتصادية والاجتماعية العنيفة والسريعة تفسر بعض جوانب ظهور الاتجاهات المتشددة والاضطرابات النفسية, في هذه المدينة التي كانت مثالا على التسامح والانفتاح على العالم كله واستيعاب مختلف الثقافات بحكم معايشتها الطويلة لها من خلال وجود الجاليات الاجنبية فيها او من خلال الميناء ونشاطاته. لقد افرزت تجربة المدينة الحرة في بورسعيد عدة دروس لابد من استيعابها ودراستها, لان ما افرزته تجربة الانفتاح بطريقة الـ (سداح مداح) ينتقل الان الى مواقع اخرى, واظن ان الصراخ مما يجري على ايدي الطبقة الجديدة في مارينا والساحل الشمالي ليس بعيدا عما نتحدث عنه. ومن هنا وجب الحذر وتحتم ان تتم المراجعة. ولقد زاد الامر سوءا ان الدولة حين تنبهت اخيرا الى هشاشة تجربة الانفتاح الاستهلاكي وبدأت التركيز على الانفتاح الانتاجي واجهتها العقبات العديدة. وبورسعيد ايضا تصلح مثالا لذلك فالمستفيدون من التجربة المشوهة القديمة حريصون عليها, ولا يريدون الدخول في نشاط انتاجي له تكلفته وعائده لا يأتي سريعا مثل الصفقات المضروبة أو عمليات التهريب أو التهليب, والاجهزة الادارية والسياسية والتنفيذية اصابها الخلل واقتحمها الفساد, وربطت المصالح بينها وبين مليونيرات التهليب. وهكذا عندما عادت الدولة الى طريقة التخطيط العلمي واطلقت مشروع تحويل شرق المدينة الى منطقة استثمار عالمي وهو الامل الذي عاشت المدينة تنتظره سنوات عديدة, بدأت الاجهزة البيروقراطية في وضع العراقيل امام التجربة, وبدلا من ان يتحول المشروع الى مشروع يتبناه المواطنون ويكونون جزءا اصيلا فيه, ليس فقط باستخدام الايدي العاملة المتوفرة وضرب البطالة, وانما بأن يتحول الى جزء من نسيج العمل الوطني, بدلا من ذلك بدأ الحديث عن التعاقد مع شركات عالمية لانجاز المهمة وباستخدام الايدي العاملة الاجنبية, وبنظام تسليم المفتاح وهو نظام قد يصلح لمناطق اخرى ولكن لا يصلح في هذه التجربة ولا في غيرها من المشروعات العملاقة التي يجري تنفيذها في مصر الآن, والتي ينبغي مراقبة اساليب العمل فيها لتحقيق اكبر قدر من الكفاءة في التعامل مع الواقع وضمان المستقبل. ولعل ما ذكره الرئيس مبارك في نفس يوم حادث بورسعيد وهو يتفقد المشروعات الجديدة من قواعد للعمل في هذه المشروعات وغيرها لم يلق ما يستحقه من اهتمام بسبب الحادث نفسه. فقد اكد مبارك على ان هدف التنمية هو المواطن, وان دعم القطاع الخاص مرتبط بأدائه لدوره الاقتصادي والاجتماعي, وان دور الدولة سيظل اساسيا, وهي امور كان التأكيد عليها واجبا حتى لا تختلط الامور ويظن البعض ان مصلحته الخاصة فوق الجميع حتى ولو دفع المجتمع ثمن انحرافه, مثلما يفعل الهاربون بقروض البنوك, او المتآمرون على الصناعة الوطنية لصالح الاجانب, او المتهربون من الضرائب, او الساعون لافساد اجهزة الدولة للسيطرة عليها وتسخيرها لمصلحتهم. (ويبقى الكثير مما ينبغي الوقوف عنده في حادث بورسعيد.. فليكن لنا مع الحادث وآثاره وقفة اخرى. ولكن المهم الآن ان نتذكر ان الحادث قد جاء بعد ان اعلن الرئيس مبارك عن تغييرات مرتقبة بعد الاستفتاء على رئاسة الجمهورية في اواخر سبتمبر الحالي.. فليكن التغيير بحجم صدمة المجتمع من الحادث, وبقدر ما كشف عنه من خلل يحتاج للاصلاح السريع والشامل. وليكن التغيير بحجم المهمات الثقيلة الملقاة على عاتق مصر وهي تبني المستقبل في اصعب الظروف.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات