أبجديات، بقلم: عائشة إبراهيم سلطان

بداية, وبعد غياب قصير مارسناه اختيارا بالسفر والترحال, نعود ثانية لننجدل في تفاصيلنا كلها التي كانت قبل الغياب, لا فرق بين الحميم منها والمؤلم, فكل ما حولنا كما تركناه لم يتغير شبرا ولا ملمحا.. كل الأشياء باقية كالخلود بدءا بالألف وانتهاء بياء الأبجدية.. وكأن التغيير في مناخات (البعض) من الكبائر التي يجب اجتنابها! وقبل ان نمعن في الدخول إلى قلب الأحداث والتفاصيل , وقبل ان نضع أنفسنا في مواجهة الأخطاء توقا ورغبة لاجتثاثها.. نحتاج في هذا الصباح ـ الذي يأبى إلا ان يكون حارا ورطبا ـ لأن نبادر كل التفاصيل والملامح قائلين: صباح الخير أيها الوطن.. صباح العمر أيتها التفاصيل الحميمة. أما أنت أيها القارىء العزيز فقد طال بنا الشوق للتواصل معك, وما كانت هذه الزوايا المتناثرة في الصحف التي بين يديك إلا لأجل ان نصنع معا رأيا آخر نراكمه عبر الزمن ليصنعنا من جديد في زمن مقبل.. وبرغم اننا نشكو عبء الكتابة, ونهرب منها أحيانا, إلا ان جميع الذين يؤمنون بتفجيراتها وقوة الحرائق في جمارها يعلمون ان هذه الكتابة هي صوتنا جميعا ـ كتّابا وقراء ـ فرحنا وبعضا من معاناتنا, لغتنا الحقيقية, وطعم الصرخة في كل الأفواه, أناشيد الرفض والاحتجاج, وهي وحدها لون الارتياح في كل القلوب. ولذلك نعود نقبض على جمارنا لنكون معا أنت ونحن والوطن, ثلاثية الحقيقة التي تجدل التفاصيل برؤية أخرى هي الأمل والأمنيات والتوق للأفضل. ومنذ اللحظة التي انتظمت فيها في عملي وجلست إلى مكتبي في مقر الصحيفة وأنا أقاوم الكتابة وأهرب بعيدا عن ضفاف (الأبجديات) خوفا من حالة التورط التي لا ترحم, والالتزام اليومي الذي لا يعرف الرأفة والذي سأجد نفسي فيه (مصلوبة) على نار الوقت والمسافة والتواصل والمعاناة.. هذا سبب أول لتأخري في الكتابة! وسبب آخر هو ان كل الأمور التي تركناها صغيرها وكبيرها المهم منها والتافه, الجميل والسيىء, الخ... لم يطرأ عليها أي شيء من تغيير أو تبديل وكأن السنن الكونية تخطئنا دائما مع سبق الاصرار! ولا أدري ـ حقيقة ـ من أين جاءتنا تلك الثقة المفرطة بأننا إذا ألقينا حجرا في بحيرة الركود وغادرنا مناخ الوطن فإننا سنفاجأ بتغيير جذري حال عودتنا يطال كل شيء ابتداء بقوانين السير والمرور والادارة ونظم الصحة والتعليم وانتهاء بحالة الطقس والبحر ودرجات الرطوبة! فنكتشف حقيقة الوهم منذ اللحظة الأولى للعودة, حيث كل الأمور كما تركناها في حفظ الله ورعايته, وفي حفظ المسؤولين ورعايتهم صغارهم وكبارهم! في مساء العودة يدفعنا الحنين للعادات السيئة لتقليب المحطات الفضائية, وفي الصباح يدفعنا الادمان لمطالعة الصحف, والالتزامات لمراجعة البنوك وشركة الاتصالات والتنقل في الشوارع و... فنكتشف سريعا بأننا ذهبنا وعدنا فإذا قنواتنا غارقة في سياسة التسطيح و(اللبننة) وإذا التربية كما نعرفها تأبى مروءة أولو الأمر فيها ان تصلح فسادها, وإذا مشاكل المرور باقية ومشاكل التوطين مستمرة والتركيبة السكانية ما زالت مختلة و... للحديث بقية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات