يؤمن غالبية الاسرائيليين بان ضباط الموساد(سفاحون يتظاهرون بالوطنية)فهم مستعدون للقتل في اي وقت . وقد ضربوا رقما قياسيا في احتراف القسوة .. وفي كل مرة يتركون فيها وراءهم الموت والخراب كانو يعودون في حالة نشوة ليصافحهم بفخر واعجاب رئيسهم القابع في مكتبه ذي النافذة الوحيدة التي تطل على الشارع الرئيسي العريض في تل أبيب والمسمى على اسم قائد اسرائيلي حربي في التوراة .. وهو الملك شاؤول . ولايكتفي رئيس الموساد بمصافحة القتلة الذين يعملون في خدمته .. بل يقرر دولارا واحدا فقط علاوة لكل قاتل عن كل شخصية عربية يقتلها .. ان سعر الانسان العربي مهما ارتفع شأنه وعلمه ودوره لايزيد عن 350 قرشا حسب السوق السوداء .. علاوة سنوية لقاتله. وقد كان رئيس الموساد ( في الفترة مابين 63 ـ 68) مئير اميت هو اول من اقترح سياسة اغتيال الشخصيات العربية اللامعة والمعادية لاسرائيل وهو ايضا اول من قنن دور المرأة واستخدام التقارير الجنسية في عمل الموساد .. وقد بدأ مشوار الدم في 25 مارس 1963 .. ومنذ ذلك الوقت والتصفية الجسدية والالعاب الجنسية ابرز السمات المميزة للمخابرات الاسرائيلية. وحسب آخر التقارير عن الموساد في عام 1998 فان وحدة الاغتيال التابعة له تضم 48 قاتلا منهم 6 نساء .. جميعهم في العشرينات من عمرهم .. لياقتهم البدنية عالية .. يعيشون بعيدا عن قيادة الموساد في منطقة مغلقة عليهم في قاعدة عسكرية في صحراء النقب ... فيها ماكيتات حية للبيوت والشوارع التي ستجري فيها عمليات القتل .. كما ان هناك عربات للتدريب على الفرار واجتياز العقبات ... والمدربون عادة من القتلة السابقين .. يعلمون الاعضاء الجدد كيفية استخدام مختلف انواع الاسلحة والقنابل .. وكيفية اعطاء حقنة مميتة وسط جمهور كثيف .. واظهار عملية القتل وكأنها مجرد حادث .. وهم يشاهدون افلاما لعمليات الاغتيال الناجحة مثل اغتيال الرئيس الامريكي جون كيندي .. والرئيس المصري انور السادات .. ويدرسون وجوه وعادات وتصرفات عشرات الشخصيات المرشحة للموت . وتخزن المعلومات في كمبيوتر محصن جيدا ضد الاختراق .. كما يحفظون التغيرات التي تجري على شوارع المدن الكبيرة في العالم .. وتخطيط المطارات والموانىء. وكل وحدة من وحدات هؤلاء السفاحين الذين يتظاهرون بالوطنية, تعمل على شكل فريق مكون من اربعة اشخاص يسافرون الى الخارج بانتظام للتعرف على المدن الرئيسية من لوس انجلوس الى القاهرة .. ومن سيدني الى الدار البيضاء .. ومن كيب تاون الى استكهولم .. وهم يقومون بهذه الزيارات بصحبة مدربيهم الذين يقدرون مهارتهم في تنفيذ العمليات دون لفت الانظار اليهم .. ويساعدهم في التنفيذ يهود من اهل المكان بعد اخبارهم بانهم يشتركون في تدريب امني لحماية اماكن يهودية .. بنك او معبد او كباريه .. حسب الظروف. وحدة من هذه الوحدات هي التي قتلت عالم الذرة المصري الدكتور يحيى المشد في باريس في مساء يوم الخميس 13 يونيو عام 1980 في غرفته رقم 9041 بفندق ميرديان بوليفار جوفيون بسان كير .. في باريس .. وقد اشرف على عملية الاغتيال ضابط الموساد الشهير يهودا جيل .. وكان المسؤول الاكبر عنه هو رفائيل ايتان الذي ظل لمدة ربع قرن نائب مدير العمليات التنفيذية في الموساد .. وقد بنى شهرته في قسوة قلبه ودمه البارد وتصرفاته الوحشية على عملية اختطاف النازي اودلف ايخمان في مايو 1960 ونقله مخدرا من بوينس ايرس عاصمة الارجنتين الى تل ابيب .. ليحاكم ويعدم ويحرق في فرن خاص بني له .. اما رئيس الموساد وقت تنفيذ عملية اغتيال المشد فكان اسحق هوفي. ويفخر رفائيل ايتان بانه لايعرف عدد الذين امر بقتلهم .. او عدد الذين قتلهم بيديه الغليظتين .. كل مايقوله: انه بعد كل عملية قتل يقوم بجمع قطع من حديد الخردة ويغطي وجه بواقي لحام وهو يشكل من النفايات تمثالا سرياليا بشعلة من نيران الاستلين .. واذا ما حاصره مساعدوه ليقص عليهم مشاعره لحظة الاستمتاع بالقتل قال: (اهم ما كنت احتاجه عند قتل احد ان انظر في بياض عينيه .. في هذه اللحظة يسيطر الهدوء على مشاعري .. واركز بشدة .. ثم اقتل . هذا هو كل مافي الامر. ان قصة قتل المشد بضربة على رأسه بآلة حادة بعد فشل الموساد في تجنيده هي قصة اصبحت شائعة بعد ان نشرت اسرارها وتفاصيلها لاول مرة منذ عشر سنوات بالضبط .. وقد ظللت اتابعها يوما بيوم .. وانشر كل جديد يكشف فيها .. وكانت مقالاتي في (الاهرام) مسرح النشر .. وقد نشرت في يوم السبت 10 يوليو 1999 آخر الاعترافات الاسرائيلية بقتل المشد .. وهي اعترافات ذكرها جوردون توماس في كتابه (جواسيس جدعون ـ التاريخ السري للموساد) المنشور في نفس العام في نيويورك عن دار نشر (سانت مارتين برس) .. وكان قد سبقه في هذا الاعتراف ضابط الموساد السابق فيكتور ستروفيسكي في كتابه (بطريق الخداع) الذي حاولت الحكومة الاسرائيلية مصادرته بالقانون وفشلت . وقد فوجىء غالبية الذين قرؤوا ماكتب في (الاهرام) بهذه الاعترافات .. وتبعوا صدمة المفاجأة بدهشة السكوت من جانبنا على الجريمة الوحشية التي راح ضحيتها واحد من اشهر العلماء المصريين .. فلا احد رسميا تطوع باخذ الثأر .. ولا احد طالب التعويض .. بل لا احد فكر في تقديم احتجاج لحكومة اسرائيل التي تدعي السلام .. وتطالب بالتطبيع معها. ان اسرائيل لم تترك ثأرا الا واخذته .. وهم يعتبرون ذلك نوعا من (العدالة الالهية للشعب اليهودي) قبل وبعد اعلان الدولة الصهيونية .. من ضحايا النازية الى ضحايا المقاومة الفلسطينية .. وحسب قاعدة التوراة (العين بالعين) وحسب وصف رجال الموساد لانفسهم بانهم (حارس اسرائيل الذي لايهجع ولا ينام) وهي عبارة مقتبسة من سفر المزامير. نحن ايضا لايصح ان نهجع او ننام او نسير على سياسة (ما فات .. مات) ونضع رؤوسنا في التراب .. ونضحك على انفسنا بخدعة السلام المدفون في قبر من رخام .. ولايجد من يناصره سوى قلة تتوه في الزحام والعاب الاعلام .. بل ان السلام .. لايمنع ان نطالب بحقوق ضحايانا .. بل هو فرصة للحصول على هذه الحقوق ... ان هذه الاقتراحات هي تلخيص دقيق وامين للرسائل التي تلقيتها تعليقا على ماكتبت. وقد وجدتني احيل الموضوع لرجل قدم الكثير من وقته وعلمه للعمل الوطني هو الدكتور هشام صادق العميد الاسبق لكلية الحقوق بجامعة الاسكندرية . وابرز رموز المجتمع المدني هناك ... وقد اقترحت عليه اقتراحا عمليا محددا هو : هل يمكن العمل بقاعدة اضعف الايمان ودراسة امكانية رفع قضية تعويض على الحكومة الاسرائيلية لصلاح ورثة المشد بعد ان اعترف بعض ضباط الموساد بقتله؟ .. قل لنا يادكتور هشام صادق بحكم خبرتك ودراساتك في القانون الدولي ما تقييمك لهذه القضية؟ على الفاكس تلقيت منه ثلاث ورقات تقيم بصورة خاطفة الاقتراح وتحاول ان تغطي ـ دون الدخول في التفاصيل ـ كافة جوانبه .. قال فيها: ان الدعوى المدنية بالتعويض ستكون مقابل الاضرار التي لحقت بالدكتور يحيى المشد وورثته .. وهي غير الدعوى الجنائية (وهي فقط من اختصاص المحاكم الفرنسية بوصفها محاكم الدولة التي وقعت الجريمة على ارضها ) .. والدعوى الجنائية يمكن ان تكون قد سقطت بالتقادم .. والغالب انها حفظت لعدم معرفة الفاعل الاصلي (عملاء الموساد) وقت التحقيقات (ولعدم اهتمام الدولة المصرية بالجريمة وقت التحقيقات في عام 1980) .. على ان سقوط الدعوى الجنائية بالتقادم لايمنع الورثة في حالتنا من رفع الدعوى المدنية بالتعويض ما لم تكن الدعوى قد تقادمت بدورها وفقا للقانون الفرنسي. والدعوى المدنية بالتعويض تسقط عادة بمضي ثلاث سنوات من تاريخ العلم الفعلي بمرتكب الجريمة بل تسقط في جميع الاحوال بالتقادم الطويل (10 ـ 15 سنة ) حسب القانون المختص وهو القانون الفرنسي في حالتنا. استنادا لهذا الرأي يمكن اعتبار تاريخ العلم الفعلي بمرتكب الجريمة هو تاريخ صدور كتاب جوردن توماس (جواسيس جدعون) الذي صدر في عام 1999 ومن ثم لاتكون مدة التقادم قد انتهت وحتى لو اخذنا باعتراف فيكتور ستروفيسكي في كتابه (بطريق الخداع) لاتكون مدة التقادم الطويل قد انتهت لان الكتاب صدر في اغسطس 1990. ويستطرد د.هشام صادق متسائلا عن مدى امكان رفع الدعوى امام القضاء المصري قائلا: الاصل انه يجوز رفع الدعوى المدنية بالتعويض اذا كان مرتكب الفعل او المحرض عليه او المسؤول عنه اجنبي متوطن او له محل اقامة في مصر وهو وضع متحقق في حالتنا لوجود سفارة لاسرائيل في القاهرة طالما استطاع المدعي ان يثبت تورط الموساد في الجريمة. وفي هذه الحالة من المتوقع ان تدفع اسرائيل بحصانتها القضائية عملا بالاعراف الدولية بوصفها دولة اجنبية (وهو نفس الدفع الذي ستتمسك به لو رفعت الدعوى امام المحاكم الفرنسية) ومع ذلك فإن الدفع بالحصانة في حالتنا محل للمناقشة القانونية لان الاصل هو تمتع الدولة الاجنبية بالحصانة ازاء تصرفاتنا كسلطة عامة اما في المسائل التجارية (والمالية) مثلا فلا تتمتع الدولة الاجنبية بالحصانة وفقا للفقه الحديث في القانون الدولي. ورغم ان الجريمة في حالتنا قد ارتكبت بتحريض من الموساد كسلطة عامة الا ان الامر مازال خاضعا للمناقشة القانونية ذلك ان تمتع السلطة العامة الاجنبية بالحصانة يصعب تصوره اذا ما انحدرت هذه السلطة الى مستوى ارتكاب الجرائم الجنائية فالمفروض ان التمتع بالحصانة انما يكون ازاء تصرفات الدولة الاجنبية كسلطة عامة شريفة وفي الامور المألوفة بما تحمل من صواب وخطأ وفي حالتنا فإن الجريمة خالية من الشرف وهي نوع من القرصنة والوحشية تأباه الانسانية. على انه وعلى فرض رفض المحاكم المصرية لدفع اسرائيل بالحصانة فستبقى العقبة الخطيرة المتعلقة بالدفع المؤكد من جانب اسرائيل بتقادم الدعوى وتقادم الدعوى في حالتنا يخضع للقانون المصري في رأي البعض بوصفه مسألة اجرائية بينما نرى مع البعض الاخر انه يخضع لنفس القانون الذي يحكم موضوع النزاع وهو القانون الفرنسي في حالتنا بوصفه قانون محل وقوع الجريمة (الفعل المنشىء للالتزام بالتعويض عملا بالمادة 22 من القانون المدني المصري) وعلى كل حال فاحكام التقادم متشابهة في القانون المصري والفرنسي على النحو الذي اشرنا اليه من قبل. لكن رغم ذلك فإن لرفع الدعوى اهمية سياسية غير خافية وهي كشف حقيقة الموساد (الجهاز القبيح لدولة العدو الصهيوني) امام من يجملون صورة اسرائيل في عيون الشعب العربي كما ان هذه الدعوى يمكن ان تعين المفاوض العربي في مهمته الشاقة ( في المفاوضات النهائية متعددة الاطراف) والاهم من ذلك تردد اسرائيل في المستقبل في تكرار مثل هذه الجريمة عملا بقاعدة ان الفرعون طغى واستشرى لانه لم يجد من يردعه.. او يحاسبه او حتى يلفت نظره. ورفع الدعوى على هذه النحو هو شرط جوهري لرفع الحكومة المصرية دعوى دولية ضد اسرائيل فممارسة مصر لحقها في الحماية الدبلوماسية ورفع تعويض امام القضاء الدولي مشروط باستنفاد طرق التقاضي الداخلية. ان من حق اي دولة ان تتصدى لحماية مواطنيها الذين اصيبوا باضرار من جراء افعال ارتكبتها دولة اجنبية هذا هو المبدأ في القانون الدولي الذي يجيز لمصر ان ارادت ان ترفع دعوى بالتعويض امام القضاء الدولي ضد اسرائيل وهو حق لمصر وليس لورثة يحيى المشد فقط. وللدولة ان تتغاضى عن هذا الحق لاسباب سياسية ولكن ليس من العدل ان تترك مصير مواطنيها للقتل دون اي رد فعل سياسي او قضائي. وبطبيعة الحال فإن من حق ورثة الدكتور المشد رفع الدعوى الداخلية امام القضاء الاسرائيلي لتفادي الدفع بالحصانة لكن مصير الدعوى في هذه الحالة مشكوك فيه من الناحية القانونية لاسباب ليست خافية. انتهت رؤية الدكتور هشام صادق ويبقى ان نطالب اتحاد المحامين العرب بالتدخل لتولي الدعوى ومتابعتها واتصور ان نجوم المحاماة في مصر والعالم العربي مستعدون لتبني الدعوي مهما كانت نتائجها فهي عملية سياسية ووطنية قبل ان تكون قضائية وجنائية وما الذي يمكن ان يجده انصار مقاومة التطبيع افضل من هذه القضية التي تنقلهم من مرحلة الغضب الى مرحلة الفعل العلمي. ولايهم ان نكسب القضية او نخسرها المهم ان لا احد بعد ذلك يستسهل قتلنا ونحن نرحب به ونقبله ونعطره بتصريحات لايحتملها عن سلام قبر الرخام.