غني عن القول ان تحرير اي شبر من ارض الوطن المحتل, او اطلاق سراح اي اسير من مناضلي شعبنا القابعين خلف القضبان, هو امنية وطموح لكل وطني فلسطيني, شريطة ان يكون الثمن افدح واغلى والا كانت الصفقة خاسرة بكل المعايير.ومعروف, في هذا الصدد, ان اتفاق شرم الشيخ كان على قضايا يجري التفاوض عليها للمرة الرابعة, منذ اتفاق اعلان المبادئ في اوسلو , فقد كان بعد اوسلو اتفاق القاهرة, او ما سمي بأوسلو ,2 وكان اتفاق الخليل, وكان اتفاق (واي ريفر) , وها هو اتفاق شرم الشيخ او (واي2) , كما يحلو لبعض الصحفيين تسميته. ومعروف كذلك, ان الامر لا يقتصر على كسب الوقت, لصالح الطرف الاسرائيلي, باعادة التفاوض على قضايا تم الاتفاق عليها ومهرتها الاطراف المعنية بتواقيعها, وكذلك (راعي) العملية التفاوضية والشهود, بل الاهم هو انه خلال هذه الدورات الشيطانية, كان الطرف الاسرائيلي يعزز موقفه, المتفوق اصلاً, على حساب الطرف الفلسطيني, في ضوء الوقائع الجديدة التي يخلقها على الارض خلال هذه الفواصل الزمنية, وبالتالي: يضيق الخناق على الطرف الفلسطيني استعداداً لجولة التسوية النهائية. وفي البدء, لا بد من تسجيل بعض الملاحظات الاولية على هذا الاتفاق: اولاً: فرض الطرف الاسرائيلي استبعاد الطرف الامريكي خلافاً لما جرى في (واي ريفر) وانفرد بالطرف الفلسطيني, بعد ان حاول خلق حساسية بين الطرفين الفلسطيني والسوري حول اي من المسارين يبدأ اولاً, وذلك في اجواء انعدام التنسيق بينهما, وفرض معاييره في قضية الاسرى وسواها. ثانياً: تراجع التعامل مع قراري مجلس الامن 242 و338 من اعتبار تنفيذهما هدف المفاوضات, كما نص بيان مدريد واعلان اوسلو, الى تسجيل قناعة الطرفين بأن محادثات التسوية الدائمة تؤدي الى تطبيق هذين القرارين, وبهذا التراجع عن الالتزام بتطبيق هذين القرارين على غرار ما جرى ويجري على الجبهات العربية الاخرى المتصلة بالنزاع, ينفتح المجال لاحلال البديل, وهو (اطار التسوية) الذي جرى ادخاله واصبح بدوره يشكل مرحلة اضافية جديدة من مراحل التسوية وبسببه ربح الجانب الاسرائيلي خمسة شهور اضافية, كما يعترف الاسرائيليون بذلك. ثالثاً: ان المرحلة الثالثة والاخيرة من الانسحابات والتي ينبغي لها ان تشمل بقية الارض الفلسطينية المحتلة, عدا المستوطنات ومعسكرات الجيش الاسرائيلي, جرى دمجها, عملياً, في مفاوضات المرحلة النهائية ـ كما كان يطالب نتانياهو ـ حيث ان اللجنة المشتركة المنوط بها التفاوض عليها, والتي ستبدأ عملها في 13 سبتمبر الجاري ليس لها سقف زمني محدد, وهذا يعني, سلفاً, انها لن تصل الى اتفاق قبل اقرار (اطار التسوية) الذي سيحدد سقف المطالب الفلسطينية من القضايا الاساسية الخمس المؤجلة, هذا وقد التزم الجاني الامريكي, في كتاب الضمانات للطرف الاسرائيلي, بألا يتدخل لتحديد حجم المرحلة الثالثة من الانسحاب. رابعاً: وفقاً للمادة العاشرة من الاتفاق التي تنص:(انطلاقاً من الاعتراف بايجابية خلق اجواء حيوية للمحادثات, لن يباشر او ينفذ الطرفان خطوات تغير الوضع القائم في الضفة الغربية وقطاع غزة وفقاً للاتفاقية المرحلية, فإن هذا النص العام يحقق للطرف الاسرائيلي انجازين معاً, فهو اولاً لم يأت على ذكر الاستيطان وضرورة ايقافه, حتى ولو خلال العملية التفاوضية حول الحل النهائي, وتجربتنا في هذا الاطار معروفة ومع النص نفسه, وهو ثانياً, سيفسر من الطرف الاسرائيلي باعتباره حق النقض (فيتو) على اعلان اقامة الدولة الفلسطينية من طرف واحد, ولتكبيل هذه القضية وسد كل الثغرات على التحايل عليها, فقد اعتبرت المرحلة الانتقالية مستمرة حتى الاتفاق على التسوية النهائية وبهذا لا ينشأ فراغ (قانوني) كما كان الحال بعد 4/5/1999 يتيح حرية الحركة للطرف الفلسطيني, وهنا ايضاً التزمت واشنطن, في كتاب الضمانات لاسرائيل بمعارضة اعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد. هذا, وقد وقع الطرف الفلسطيني الاتفاق, دون ان يرى خرائط الانسحابات الاسرائيلية, التي تركت للطرف الاسرائيلي وحده يعيد رسمها على هواه. اعلان الدولة مادة للمساومة قضي الاتفاق الجديد بأن يتم التوصل حتى فبراير المقبل الى اتفاق على (اطار التسوية) , ومن الواضح ان هذا الاطار سيحدد سقوف التوقعات الفلسطينية بالنسبة للقضايا الخمس الاساسية في التسوية النهائية: الحدود, القدس, اللاجئين, المستوطنات والمياه, وبعد تحديد السقوف تبدأ المفاوضات على التفاصيل ولكن كما برهنت التجارب الماضية, وعلى نحو لا يحتمل التأويل, فهذه السقوف غير ملزمة للطرف الآخر, بينما الطرف الفلسطيني لا يستطيع الارتفاع فوقها, بل ينبغي توقع الهبوط دونها. وبموجب نصوص الاتفاق الجديد, فإن موضوعة اعلان الدولة لم تعد مادة للضغط بين الطرف الفلسطيني, بل انتقلت لتغدو مادة للمناورة والمساومة بيد الطرف الاسرائيلي فإذا تعسر الاتفاق على (اطار التسوية) المذكور حتى فبراير المقبل, ومن المحتم ان يتعسر في ضوء النوايا المعلنة للطرف الاسرائيلي من هذه القضايا, بما في ذلك لاءات باراك الاربعة المعروفة, فإن الطرف الاسرائيلي سيلوح باستعداده للموافقة على اعلان الدولة الفلسطينية مقابل موافقة الطرف الفلسطيني على (اطار التسوية) المذكور, ولكن اية دولة؟ بعض نوايا الطرف الاسرائيلي في لقاء اجرته صحيفة (يديعوت احرونوت) مع باراك ونشرته في 17/8/,1999 واعادت صحيفة (هآرتس) نشر مقاطع اساسية منه تحت عنوان :(خطة باراك ذات المراحل للسلام مع الفلسطينيين) يشير باراك الى القمة المخطط لها في فبراير المقبل, موعد انجاز (اطار التسوية) ويقول: ان القمة المقررة يمكن ان تنتهي بواحدة من ثلاث نتائج ـ اما باتفاق (اطار التسوية النهائية او مرحلية تستمر لعشر او عشرين سنة) مع عناصر للتسوية النهائية (او بالفشل, الذي سيقع على عاتق الفلسطينيين ـ كما يعتقد) . بينما يرى بعض وزرائه بأن اسرائيل ستضطر للاكتفاء بتسوية مرحلية لفترة طويلة, وخلالها تتشكل بالتدريج عناصر التسوية النهائية: في البدء تعلن الدولة الفلسطينية, وبعد ذلك تتقرر حدودها والترتيبات الامنية, واخيراً, وربما بعد عشرين سنة, يأتي دور القدس. يلاحظ من هذا الطرح ان اعلان الدولة الفلسطينية يأتي في البداية, ولكن كبديل لتحرير الارض, واذا تحقق ذلك فسيكون تكرار المأساة مفاوضات رودس 1949 والهدنة التي اعقبتها وكانت تجاوزاً خطيراً على حدود التقسيم, ثم عاد الطرف الاسرائيلي ليخرقها عام ,1967 بينما غدت العودة الى حدودها مطلباً وأمنية. وبخصوص مصير الضفة الغربية, يقول باراك في اللقاء نفسه:(هم اي (الفلسطينيون) يعلمون بأنهم سوف لن يحصلوا على 92% من مساحتها, ونحن نعلم اننا سنقدم اكثر من 41%) . وعقب توقيع اتفاق شرم الشيخ, مباشرة, ادلى باراك بتصريحات صحفية لا تختلف في جوهرها عن طرحه سابقاً, ويقول ردا على التساؤل فيما اذا كان ممكنا التوصل الى التسوية بالسرعة التي يتحدث عنها, قال:( من لا يتوصل خلال عام لتسوية لا يتوصل لذلك خلال عشر سنوات كما انه لا يوجد سبب في ألا نصل خلال خمسة شهور الى اطار تسوية على الاقل نعلم حينها على ماذا يمكن الاتفاق وعلى ما لا يمكن الاتفاق نكتفي بتسويات مرحلية لعدة سنوات) . ثم ينتقل باراك الى موضوعه اخرى حساسة بالقول:(واذا ما نشأت في المستقبل مشكلة وجرى البحث عن الملوم ـ هذه المرة لن نكون نحن) هذا هو الفرق بينه وبين نتانياهو. ان اتفاق شرم الشيخ يؤكد من جديد تخلف آلياتنا التفاوضية, والخلل في مرجعياتها وعندما جرى توقيع اتفاق اوسلو الاول, قال مهندسوه انه كاطار مبادئ, يمكن ان يؤدي الى الدولة المستقلة او يمكن ان يؤدي الى الضياع بمعنى: ان ذلك رهين بالمفاوض اللاحق على ترجمة المبادئ العامة وتنفيذها وقطعاً لا يمكن اعتبار اتفاق شرم الشيخ يؤدي الى الدولة المستقلة, كما يطمح اليها شعبنا وناضل في سبيلها, بل تصب هذه الاتفاقية في الاتجاه المعاكس, وتضاعف المخاطر على مصير القضية برمتها. * كاتب فلسطيني