هنتنجتون وصدام الحضارات، الخلافات العميقة في العالم الغربي تنسف النظريةبقلم د. تيسير الناشف

رؤية صموئيل هنتنجتون استاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة, للنظام العالمي بعد انتهاء الحرب الباردة ليست رؤية بهيجة, لقد جاء بصيغ فكرية تفصح عن مفهومه للعلاقات بين الحضارات, عرف هنتنجتون الحضارة بأنها كيان ثقافي قائلا , بأن الحضارة اكبر تجمع ثقافي من الناس وأوسع مستوى من الهوية الثقافية التي يمتلكها الناس ورسم صورة قاتمة وفقا لها تدوم الاختلافات والخلافات الثقافية ويتحتم الصراع بين الحضارات ويسود تصور حرب تخاض حسب الانشقاقات الثقافية وخطوط الصدع الحضارية وتتضمن حجة هنتنجتون ان خطوط الصدع الرئيسية في السياسة العالمية ستكون من الان فصاعدا خطوط الصدع بين الحضارات. ورأى هنتنجتون ان عالم التوترات بين الدول العظمى لعله قد تلاشى وانه حل محله عالم اشد ايذاء واقل قابلية للتنبؤ به وهو عالم الصراع الثقافي والديني, ورأى ايضا ان السياسة العالمية لن تكون الاختلافات الايديوليوجية بين العالم الاول والعالم الثاني والعالم الثالث مسيطرة عليها ولكن ستسيطر عليها الصراعات بين الحضارات, وقال هنتنجتون ان قيم العالم الغربي المسيحي تتعرض لتهديد مجتمعات غير غربية, وحذر من ان الصراع من الآن فصاعدا سيكون بين الغرب وتحالف اسلامي كونفوشي وايضا بين الغرب والحضارة الغربية, من ناحية ومجموعة من الحضارات الاخرى الهندوسية والبوذية واليابانية وحضارة امريكا اللاتينية, والحضارة السلافية الارثوذكسية وخصوصا الحضارتين الاسلامية والكونفوشية وبعبارة اخرى في عهد ما بعد الحرب الباردة سيواجه الغرب بقية العالم. ولا يدع هنتنجتون مجالا للشك في ان هذا الغرب المسيحي يتكون على نحو رئيسي من اوروبا الغربية والولايات المتحدة, وتنبأ على نحو مشؤوم بأن غربا في ذروة قوته في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المعسكر الشرقي الاشتراكي, يواجه عالما غير غربي لديه الرغبة المتزايدة في تشكيل العالم بطرق غير غربية الارادة والموارد اللازمة لذلك التشكيل وينزلق هنتنجتون في بعض كتاباته من موقع المحلل الى موقع (المستشار للامير) وذلك بأن اقترح اتباع طرق يمكن للغرب بها ان يواصل حماية مركزه ووجه دعوة صريحة للغرب الى الاستعداد لخوض الصراعات التي يتوقعها مع العالم غير الغربي, وخصوصا العالمين الكونفوشي والاسلامي. لقد ركز هنتنجتون في كتاباته اقل على دراسة الابعاد الاوسع لمغزى العلاقات بين الحضارات بالنسبة الى الشؤون الدولية واكثر على الحضارات بوصفها وحدات جديدة للصراع ومصدرا للصراع وكيانات ستصبح عوامل معادية جديدة للغرب في عالم ما بعد الحرب الباردة. ونسب هنتنجتون الصراع الى وجود قيم وآراء وحضارات مختلفة يحتضنها المحتضنون في اماكن تزداد قربا بعضها من بعض وقال بأن الاختلافات ضمن مجموعة حضارية يحتمل احتمالا اقل ان تؤدي الى الصراع العنيف وان نشوب الصراع بين الحضارات يحتمل احتمالا اكبر من نشوبه داخل الحضارات غير ان من يدرس تركات الحروب الاهلية الكثيرة مثل الصراع الذي نشب في الصومال والصراع الشديد الذي نشب قبل بضع سنوات في رواندا, لامفر من انه سيشكك في صحة قول هنتنجتون هذا وكانت اصول الحربين العالميتين المدمرتين صراعات كانت ناشبة داخل مجموعة حضارية واحدة حسب تصنيفات هنتنجتون ولعله يمكن ان نصف المعارك الايديولوجية التي شهدتها الحرب الباردة بأنها جوهريا صراع نشب داخل الغرب نظرا الى ان النظامين الفكريين النظام الفكري الشيوعي والنظام الفكري الرأسمالي, نشآ الى حد بعيد داخل التقاليد الفكرية الغربية وتقوم دون ريب اختلافات وخلافات بين الحضارتين الغربية والاسلامية ولكن يمكن ان تكون اشد الخلافات التي تتعلق بالغربيين تفجرا هي الخلافات العميقة الماثلة في العالم الغربي. وحذر هنتنجتون من ان الصراع الحضاري يحتمل ان يكون اكثر شدة واوسع نطاقا من الصراعات الاقتصادية والايديولوجية التي سيطرت على الساحة الدولية طيلة عقود من الزمن, والسبب في ذلك في رأيه ان الحروب الكبرى وايضا الباردة طيلة قرن ونصف قرن دارت بين دول غربية ولكن من الآن فصاعدا سيكون الصراع في رأيه بين الحضارة الغربية والحضارات غير الغربية, ويكمن خطر في تفكيره هذا ويتمثل هذا الخطر في ان لهذا التفكير منطق النبوءة التي تحقق ذاتها, من الطبيعي انه قد تنشب صراعات بين دول منتمية الى حضارات مختلفة ولكن اندلاع الصراعات يصبح اكبر احتمالا اذا افترض مفترض ـ كما فعل هنتنجتون ضدها بدلا من ردم هوة الاختلافات معها. وفي الحقيقة فإن احد العيوب التي تعتور كتابات هنتنجتون حول هذا الموضوع هو ان مجاله يبلغ من الشمول والعموم حدا كبيرا لدرجة انه يبدو احيانا كثيرة مفتقرا الى الجوهر, لم يسق المؤلف دلائل تؤيد اطروحاته, ان قسما لا يستهان به من تعليقاته عبارة عن افتراضات وملاحظات تحزرية والتقسيمات التي رسمها بين الحضارات قاطعة اكثر مما هي في الواقع, واشار الى وجود اختلافات دينية او عرقية ولكنه لا يخبرنا فعلا باسباب الصراعات وهي صراعات تترسخ اصولها احيانا كثيرة في مسائل سياسية او اقتصادية. ويزعم هنتنجتون بأنه في التنافس الحضاري توجد قيم يوليها الغرب اهمية اكبر من الاهمية التي يوليها العالم غير الغربي لها, من هذه القيم اي قيم غير ذات اهمية بالنسبة الى الدول غير الغربية؟ مما يبعث على الاستغراب والدهشة قوله ان تحديد الاسلحة الذي هو مفهوم غربي احدى هذه القيم لا يمكننا ان نحمل هذا الكلام محمل الجد, ان مفهوم (تحديد الاسلحة) ليس غريبا على الحضارات غير الحضارة الغربية لقد نشرت وباعت دول غربية خلال الحرب الباردة وبعدها اسلحة بلغت اسعارها عشرات المليارات من الدولارات لدول مختلفة في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية, وتفيد مصادر بأن الغرب صدر ما بين 1981 و1988 اسلحة متطورة بلغ ثمنها 381 مليار دولار لبلدان صديقة في العالم النامي. ويقر هنتنجتون في تحليله بأن الغرب سيطر على النظام الدولي واستعمله لتعزيز مركزه وللنهوض بمصالحه وقيمه, مروجا اياها في اغلب الاحيان بوصفها قيما عالمية وهي قيم يقر هو نفسه بأنها ليست مقبولة لدى حضارات اخرى. وثمة عيب آخر يعتور فرضية هنتنجتون الاستفزازية وهو ان لها سمة تقريرية قوية وان من الممكن ان تكون ذات اثر اذا كان لافكار المفكرين اي اثر في عالم الواقع, ثم ان السمات الرئيسية التي نسبها الى الغرب مثل سيادة القانون والحكم المقيد (بفتح الياء) والديمقراطية ـ هي ظاهرة حضارية وثقافية وايضا مؤسسات وممارسات تتجلى في الثقافات والمجتمعات المختلفة وليس في المجتمعات والثقافات الغربية فقط. ورأى هنتنجتون ان الرؤيتين البديلتين للمستقبل هما اما حضارة عالمية قائمة على انتشار النزعة الاستهلاكية الغربية والثقافة الشعبية الغربية او ما يعتبره هو الواقع الذي يتمثل في الخط الفاصل الحضاري ولكن مما له صلة بالموضوع هو ان العالم يتحرك الآن صوب خط فاصل بين مجتمعات ديمقراطية منفتحة لها حكومات مسؤولة امام الشعب ومجتمعات ليست كذلك. وكما يعرف هنتنجتون فإن الصيغ المتطورة لنظرية التحديث لم تتوقع او تتوخ التقاء ثقافات مجتمعات اخرى في نموذج غربي عام, مما عناه التحديث هو التكييف المتبادل مع التصنيع مع توقع نشوء نظم متزايدة التعقد تجمع وتمزج عناصر كثيرة غربية وغير غربية. وكتب هنتنجتون ان الدول غير الغربية حبيسة ثقافاتها والحقيقة هي انه حدثت تغييرات لافتة للنظر في الثقافة السياسية في مجتمعات غير غربية كبيرة وكثيرة ومن التطورات الاشد لفتا للنظر في عهد ما بعد الحرب العالمية الثانية التحول التام للبنى السياسية والاجتماعية لدول آسيوية كثيرة مثل اليابان, ويبين ذلك خطأ رأي هنتنجتون هذا. ومما تتسم فرضية هنتنجتون به انها توفر ايديولوجية جاهزة ومن السهل فهمها لدعم العلاقات الأمريكية بأوروبا, فبانتهاء الحرب الباردة بدا ان اللجوء إلى الحضارة الغربية بمفهوم هنتنجتون ـ التي تفصل (نا) عن (البقية) ـ وسيلة ملائمة للبدء بابقاء الغراء اللازم لتماسك التحالف الأطلسي, ومن دواعي الأسف ان خطابه هذا قد يحل مشكلة واحدة وهي كيفية تعزيز هوية أطلسية مشتركة, ولكنه يوجد مشاكل أشد خطرا بين الغرب ودول عبر محيطات وقارات أخرى. وتشهد أمريكا اللاتينية, شأنها شأن مناطق أخرى في العالم, تطورا في شتى المجالات. ويرى الذين يرون رؤية هنتنجتون ان أمريكا اللاتينية تتطور بوصفها منطقة منتمية إلى الغرب, والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لا تعتبر مناطق أخرى انها تتطور بهذا الاتجاه؟ لقد وضع هنتنجتون قائمة بالمقاييس المريبة التي تقرر ما هو البلد الذي هو عضو والبلد الذي هو ليس عضوا في النادي الغربي, ووفقا لتلك المقاييس يبدو ان بلدانا مثل اليابان والهند ليست أقرب إلى الغرب من أمريكا اللاتينية على الرغم من وجود سمات النظم الديمقراطية في تلك البلدان واقتصاداتها المحررة والتحالف الطويل لقسم منها مع الغرب. ويبدو ايضا ان تلك المقاييس تستبعد الاتحاد الروسي بسبب السمة الارثوذكسية لمسيحيته عن الانتماء إلى الحضارة الغربية. ان تركيز هنتنجتون على الصراع على حساب التعاون يوازي تركيزه على الاختلاف على حساب السمات المشتركة بين الحضارات, ويتجلى ذلك في الموقف الذي اتخذه حيال بعض قوى التغيير في المحيط الدولي, وهي القوى التي يذكر بعضها في ثنايا كتاباته. يشير هنتنجتون إلى ان العالم يصبح مكانا من الأسهل والأسرع اجتياز اجزائه, فوجوه التقدم في التكنولوجيا وخصوصا النقل والاتصالات تقضي على (استبداد المسافة) سكان العالم أكثر معرفة وأشد تأثرا بعضهم ببعض, ان هذه التفاعلات الأكبر بالنسبة إلى هنتنجتون تقوي الوعي الحضاري وادراك الاختلافات بين الحضارات والسمات المشتركة داخل الحضارات, وذلك بالتالي يقوي الاختلافات والعداوات. وبذلك لم يراع الجانب الآخر من العملة, أي المدى الذي يمكن أيضا عنده للتفاعل الأكبر ان يجعل الناس الذين ينتمون إلى حضارات مختلفة يدركون المصالح المشتركة والشواغل المشتركة. لنأخذ على سبيل المثال نمو الحركات عبر الوطنية مثل الحركة البيئية أو قدر أكبر من الاتصالات بين السكان الأصليين في العالم مما يمكنهم من الالتقاء لمناقشة مشاكل مشتركة, وفي مجالات مثل حقوق الانسان عززت الروابط عبر الوطنية الوعي بالشواغل المشتركة, ووفرت في بعض الحالات الدعم والمساعدة عبر الحدود الوطنية, وفضلا عن ذلك فإن زيادة التفاعل يمكنها ان توجد روابط جديدة بين حضارات مختلفة, مما يوجد مصالح مشتركة وربما درجة من التكافل. وتقوم رابطة قوية بين قوى التنمية الاقتصادية ونشوء الديمقراطية وحقوق الانسان تؤدي التنمية الاقتصادية الى مطالبات بالديمقراطية وبالاستقلال الفردي, ان النزعات الاقليمية الاقتصادية التي عبر هنتنجتون عن خوفه منها والتي يعتبرها قوى تعزز الوعي الحضاري يمكن ان تكون قوى تقلل الخلاف أو الاحتكاك في العالم, وبخلاف تأكيده على ان النزعة الاقليمية على الأغلب ظاهرة تحدث داخل الحضارات فإن منظمة أمم جنوب شرقي آسيا أحد الأمثلة الساطعة على تجمع اقليمي نجح في اقامة مصلحة مشتركة على الرغم من ان الأمم الأعضاء في المنظمة تنتمي إلى أربع حضارات. وبالنظر في النتائج المترتبة على صيرورة العالم ما يشبه قرية عالمية قد يكون من الأصح ان نشير إلى ان قوى اضفاء الصبغة العالمية (العولمة) يمكن ان تجعلنا أشد وعيا بهوياتنا وذلك باظهار الاختلاف بين ثقافة تنتمي إلى حضارة وثقافة تنتمي إلى حضارة أخرى, وان تولد في الوقت نفسه مصالح وأفكارا وقيما مشتركة, وليس من السهل دائما التوفيق بين الوعي الأقوى بالهوية واشتراك المصالح والافكار والقيم. وفي الحقيقة انه لا توجد حضارة بمعزل عن التأثر بالحضارات الأخرى وعن التأثير فيها. وبالتالي ليس من الممكن رسم الحدود بين الحضارات لأن الحضارات تتداخل وتتشابك عموديا, أي تاريخيا, وأفقيا أي حاضرا, وقصد الكثير من الكتاب من المفكرين والأدباء والفلاسفة والسياسيين ليس رسم الحدود بين الحضارات ولكن أخذ جوانب منها تساعد في تحقيق الرفاهة الاقتصادية والاجتماعية. وفي النظر في فكرة (الارتباط البناء) يمكن القول بان الحضارات تتكيف وتتواءم بعضها مع بعض, ان الاستيعاب والامتصاص والتأليف والتركيب والدمج والتمثل من الخصائص الدائمة في التفاعل فيما بين الحضارات. * استاذ دراسات الشرق الأوسط ـ الولايات المتحدة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات