إن اهدافنا التفاوضية محدودة, ولكن صبرنا ليس بغير حدود, بهذه الجملة الوجيزة ذات الصياغة اللفظية المنتقاة بمنتهى العناية ختم عبقري الدبلوماسية الامريكية د. هنري كيسنجر مذكرة رسمية موجهة الى نظيره(لي دوك تو)رئيس الوفد التفاوضي الفيتنامي . كان مسار المفاوضات بين الرجلين في باريس عام 1968 قد وصل الى طريق مسدود رغم الهدنة التي اوقفت القتال مؤقتا بين القوات الامريكية والقوات الفيتنامية. وفحوى رسالة كيسنجر الى المفاوض الفيتنامي هو استئناف الهجوم الامريكي. (صبرنا ليس بغير حدود) تلك كانت العبارة المنتقاة التي تلخص الرسالة, دون ان تصم واشنطن بأنها الطرف الذي سوف يبدأ العدوان القتالي مرة اخرى, وهذه هي اللغة الدبلوماسية. كان مجرد مصادفة أني اعيد قراءة كتاب (حرب العشرة آلاف يوم) لمؤلفه الكندي مايكل ماكلير الذي عمل لفترة ثلاثة عشر عاما في فيتنام قضى معظمها مراسلا للتلفزيون الكندي وتلفزيون (بي بي سي) بينما كانت تجرى مفاوضات تنفيذ (واي) بين الفلسطينيين والاسرائيليين. وعندما طالعت نص الاتفاق الجديد (واي ـ 2) الذي افرزته المفاوضات اخيرا وجرى التوقيع عليه في (شرم الشيخ) تذكرت على الفور هنري كيسنجر فنصوص الوثيقة مصاغة بلغة دبلوماسية روعي فيها كل حيل الابهام المتعمد التي تجعل منها وثيقة اسرائيلية احاديه لا وثيقة مشتركة, واذا كان هناك اجماع بين المعلقين الغربيين بأن النتيجة النهائية التي اسفرت عنها المفاوضات هي في اجمالها كسب اسرائيلي جديد فإن صياغة بنود الوثيقة تعكس ذلك بالقطع. ولنراجع الوثيقة معا: منذ الوهلة الاولى يستلفت انتباهك العنوان.. فهو من حيث الشكل على الاقل غريب الطول, ونص العنوان كما يلي: (مذكرة تتضمن التطبيق والمراحل الزمنية للالتزامات المعلقة للاتفاقات الموقعة ولاستئناف المفاوضات حول الوضع النهائي) . هذا السخاء اللفظي ليس شكليا, فالفريق التفاوضي الاسرائيلي الذي يبدو انه انفرد بالصياغة يشدد اولا على ان الوثيقة (مذكرة) .. وهذه عبارة اقل الزاما من عبارة (اتفاقية) وثانيا ترد عبارة (الالتزامات المعلقة) مع تعمد عدم الاتيان على تسمية اية جهة محددة مسؤولة عن هذا (التعليق) لأن الجهة هي الطرف الاسرائيلي. وثالثا, وهذا هو بيت القصيد, يربط العنوان بوضوح قاطع لا لبس فيه بين تطبيق بنود المذكرة واستئناف مفاوضات الوضع النهائي مسجلا بذلك عزم باراك على جعل قضايا الوضع النهائي ـ مثل الدولة الفلسطينية ـ رهينة للقضايا الثانوية الحالية مثل اطلاق سراح سجناء فلسطينيين وبالانتقال من العنوان الى جسم الوثيقة نكتشف الآتي: ان كلا من الانسحابات العسكرية الاسرائيلية من مساحات ارضية واطلاق سراح اعداد السجناء الفلسطينيين المتفق عليها وزعت بعناية اسرائيلية خبيثة على مواعيد متفرقة... وبذلك تكون كل مرحلة صالحة مقدماً لمماطلة اسرائيلية ابتزازية. ان البندين المتعلقين بانشاء ميناء في غزة وفتح طريق بين غزة والضفة للسماح للفلسطينيين بالتنقل بينهما صيغا بشح لفظي لافت يسقط تماما اية اشارة الى الجهة التي تملك سلطة الاشراف على الميناء أو الطريق. وفي غياب مثل هذه الاشارة يكون الامر الواقع ـ اي السلطة الاحتلالية الاسرائيلية ـ هي صاحب الاشراف والامر والنهي. واخيرا فإن الوثيقة تتضمن بندا يحرم القيادة الفلسطينية من اعلان قيام دولة مستقلة من جانب واحد. وهذه هي عاشرة الاثافي! وبعد فإن اللغة الدبلوماسية ـ كاللغة العادية ـ تحفل بالبلاغة لمن يملك القدرة على استخدامها.