يرمز الانتقال الذي سنتحدث عنه في هذا المقال الى طريق تجاوز الفكر العربي المعاصر لاحد العوائق التي تجعله متعثرا في مساهمته الايجابية في تحليل واقعه المباشر.نقصد بالتفكير بضمير الغائب كل تفكير يستند الى الغير ويقف عند هذا المستوى دون تجاوزه . لابد مع ذلك, من بعض التوضيحات لفهم الانتقال الذي نريد الاشارة اليه في حدوده الموضوعية واول هذه التوضيحات ان اعتبارنا الانتقال من التفكير بضمير الغائب الى ضمير المتكلم لايتخذ صفة الاطلاق بالنسبة للطرفين المكونين له. لانقصد ان نقول بضرورة الاقصاء التام للاسناد الى الغير والاعتماد في تطوير ماهو ضروري من الافكار لتحليل الواقع والتأطير المفاهيمي للتعامل معه, ولا نقصد من جهة اخرى القول بان التفكير بضمير المتكلم يمكن ان يكون وحده حلا للازمة الفكرية التي يعرفها الفكر العربي في علاقته مع واقعه المباشر. نقول بصدد القضية الاولى: ان الاعتماد على الغير امر طبيعي بالنسبة لكل فكر, وان العلاقة بالغير لاتشكل في حد ذاتها عائقا للتفكير الموضوعي والملائم للوقائع, فليس هناك فكر يفكر لوحده دون علاقة بالغير, ودون استناد الى ما انتجه الغير من افكار وتحليلات وعلوم وآداب, وسواء اخذنا الامر داخل المجال الثقافي والحضاري الواحد, او اخذناه عند الانتقال من مجال الى آخر, فانه لا وجود لفكر يفكر دون الاعتماد على السابق من الافكار يحاورها وينتقدها ويقبلها ويعدل منها ويرفضها كلا او بعضا, كما يعمل على السير في طريقها او في الطريق المعاكس, ولايمكن ابدا ان نقول ان فكرا ما يتعثر في رسم علاقة موضوعية مع واقعة لكونه يستند الى الغير, لقد علمنا تاريخ الفكر ان هناك تشاركا بين العقول الفردية, من زاوية من النظر, وبين الثقافات والحضارات من زاوية اخرى في انتاج الافكار وتطويرها, وان ما نحياه اليوم من تطور فكري وتقدم علمي وحضاري نتاج لمساهمة عقول انسانية من مختلف العصور والحضارات, فالتشارك والاستمرارية في الافكار مظهران طبيعيان في الفكر البشري, ولا يشكلان في حد ذاتهما عائقا لتطور الفكر ولعلاقته الحسية بواقعه المباشر. هناك اذن حالات محددة هي التي تسمح للعلاقة بفكر الغير ان تصبح عائقا, وهي التي تقود الى نوع من الازمة في علاقة الفكر بواقعه, ويمكن تركيز هذه الحالات في اضفاء نوع من الاطلاق على فكر الغير واتخاذ موقف التبعية له, ثم الاكتفاء بدور البحث عن مدى مطابقة الواقع له. نعبر عن الحالة التي يكون فيها الاستناد الى فكر الغير عائقا عندما يكون مرجعا للتفكير بالقول ان هذه الحالة تحصل عندما تكون الاولوية معطاة لسلطة المرجع النظري على الواقع, وتكون هذه الحالة عائقا للتفكير لان العلاقة بين الفكر والواقع تكون فيها مقلوبة, ولان الاولوية فيها تكون معكوسة. اذا اردنا ان نوضح الانتقال الذي جعلناه موضوعا لمقالنا هذا, اي الانتقال من التفكير بضمير الغائب الى التفكير بضمير المتكلم, فاننا نقول انه يكون عند قلب العلاقة سالفة الذكر بين المرجعية والوقائع فهذا القلب للعلاقة هو الذي سيسمح للفكر العربي اليوم بتجاوز عائق كبير نراه مانعا له من المساهمة الايجابية في تطوير الافكار الموضوعية والملائمة لواقعة من جهة, ثم المساهمة في اثراء الفكر الانساني عامة من جهة اخرى. نقصد بالتفكير بضمير المتكلم ذلك التفكير الذي يصدر عن ذات مفكرة تكون لها سلطة على الواقع بفضل ما تبدعه من افكار وتصورات ومفاهيم ونظريات تتجه كلها الى رصد مظاهر ذلك الواقع وتحليلها, وفي اطار النسبة التي قلنا منذ بداية حديثنا انه ينبغي اخفاؤها على الطرفين اللذين يكون الانتقال المطلوب لدينا من واحد منهما الى الآخر, فاننا نقول ان ما نعنيه بالذات المفكرة التي تكون لديها عبر نظرها سلطة على الواقع ليست ابدا ذات بدون مرجعية سابقة ترجع اليها, ان ما نعنيه يقف عند حدود القول بان هذه الذات تمنح عناصر الواقع الذي تفكر فيه اولوية على مرجعياتها النظرية والمفهومية. كان التفكير بضمير المتكلم, اي الصادر عن ذات نؤمن بفعالية علاقتها المباشرة بالواقع وقدرة هذه العلاقة على الابداع, هو الذي اسس في تاريخ الانسانية باكملها العلم كما اسس الفكر والفلسفة وابدع الاداب والفنون, يصدق هذا الامر على كل الحضارات التي ساهمت في بلورة الواقع الراهن للفكر الانساني, ويصدق بصفة خاصة على الحضارة السائدة اليوم منذ بدايتها قبل اربعة قرون مضت. هذا الطريق هو الذي ندعو الفكر العربي اليوم الى السير فيه من اجل استعادة المطابقة مع الواقع وامكان التأثير فيه, انه طريق لايلغي المرجعية ولايرفض بصفة مطلقة الاستناد اليها, ولكنه في الوقت ذاته يضفي عليها النسبة, وبتعبير آخر, انه اذا كانت الافكار التي نستد اليها واسطة بيننا وبين الواقع الذي نفكر فيه, فان علينا الا نجعل الواسطة تخفي عنا مظاهر ذلك الواقع. يتجاوز الفكر العربي اليوم عوائقه اذا ما سار, في نظرنا, في الطريق الذي يجعل لعلاقته الحية بالواقع اولوية على كل الوسائط النظرية التي يتوسط بها لفهم ذلك الواقع. لا ينبغي ان نظن ان الامر يسير حيث للوسائط التي ندعو الى تجاوزها قدرة على المقاومة, فهي بمثابة المكبوتات بالمعنى المقصود في التحليل النفسي لهذه الكلمة, وتحليلها هو بمثابة التحليل النفسي للذات العارفة التي تستخدمها وتخضع لتأثيرها, والوضع كما نراه سيكون جدلا فيه صراع بين رغبة الذات في التحرر من الاثر السلبي لتلك الوسائط سالفة الذكر وبين قدرة تلك الوسائط ذاتها على ضمان استمرار وجودها بمبررات مختلفة. ونستطيع القول ان مظهرا من مظاهر ازمة الفكر العربي هي الصراع الذي يدور بداخله بين الوسائط النظرية التي يستخدمها في صيغتها المطلقة وبين تلك الوسائط ذاتها عندما تتخذ صيغتها النسبية والموضوعية. يزيد الامر وضوحا اذا ما عرفنا, ولو بصورة عامة انواع الوسائط النظرية التي تشكل عائقا بالنسبة للفكر العربي المعاصر. نبدأ هذا بالقول ان كل فكرة او نظرية تحمل في ذاتها عنصرين متعارضين: فهي تبدو من جهة اولى صيغة للتعبير عن واقع ما وتفسيره, لكنها حين تتخذ صفة الاطلاق تظهر بمثابة العائق الذي يعوق الفكر عن بلوغ ما يسعى اليه. ومن جهة اخرى, فان الوسائط النظرية التي تعرض ذاتها على الفكر في علاقته بالواقع نوعان اساسيان لكل واحد منهما شروطه النوعية التي تضمن وجوده واستمراره. هناك, اولا, الافكار والنظريات التي ترجع الى التراث الخاص بالفكر العربي الاسلامي, وميزة هذه النظريات ان علاقتها الوثيقة بهذا الفكر ناتجة عن كونها من نتاجه التاريخي. فمع هذه الافكار والنظريات التراثية شكل مضمون الفكر العربي الاسلامي ذاته, وتشكلت مع ذلك طريقة مواجهته للواقع. وهذه العلاقة الصميمية التي تربط هذه الافكار بالفكر العربي الذي يحملها بوصفها مكونات له هي مصدر المقاومة عندما تظهر الارادة الموضوعية الى تعديلها او مراجعتها الجزئية او الكلية, وينبغي ان يتكامل النقد المعرفي والنقد الايديولوجي لكشف آليات فعالية تلك الافكار ومظاهر مقاومتها لكل تعديل او مراجعة ضرورية, ذلك ان ارتباط الافكار التي انتجها الفكر العربي عبر التاريخ بتشكله تجعله يتعرف ذاته بواسطتها, وهذا ما يقود أحيانا الى الحديث عن هوية للفكر مع انه لا هوية للفكر في علاقته بالواقع سوى المطابقة الموضوعية له. النوع الثاني من الافكار هو الذي استمده الفكر العربي الاسلامي المعاصر من حضارات اخرى, مع امتياز للحضارة الاوروبية التي بدأت منذ اربعة قرون. واذا كنا قد وصفنا علاقة الفكر العربي المعاصر بافكار وتصورات التراث بكونها صميمية لارتباط تشكل ذلك الفكر بها, فاننا نقول عن افكار الحضارة الغربية بأن علاقتها بالفكر العربي المعاصر في علاقة سيادة: انها افكار العلاقة السائدة المتمثلة سيادتها على اصعدة مختلفة يكون الصعيد الفكري واحدا منها في تفاعل مع الاصعدة الاخرى, وتذهب علاقة السيادة هذه اكثر مما نتصورها في الوهلة الاولى, اذ هي لا تعني مجرد تفوق علمي ونظري, كما لا تعني مجرد مجموعة من الافكار التي استخدمها الفكر الغربي في تحليل واقعه. فالذي حدث هو ان مفاهيم ونظريات وافكار مفكري الحضارة الغربية قد اصبحت تبدو من الشمولية الى الحد الذي يوحي بأن موضوعيتها قابلة للانطباق على اي واقع مهما يكن. ومن جهة اخرى, فان تلك الافكار لم تستخدم لتحليل واقع اوروبا والغرب بصفة عامة, بل استخدمت بقوة من طرف المحللين الغربيين انفسهم للتفكير في ظواهر العالم غير الغربي, ومنه العالم العربي والاسلامي, وقد ادى هذا الى اختلال في التوازن المعرفي لدى المحللين المنتمين الى العالم غير الاوروبي وغير الغربي بصفة عامة, حيث ان مرجعيتهم المفهومية الاساسية في العلوم الانسانية تصبح رغم نقدهم لها هي المرجعية الغربية ذاتها, فقد كان موطن نشأة العلوم الانسانية هو الحضارة الغربية, وضمن هذا الاطار نشأ نسقها المفهومي (اشرنا الى هذا الاختلال المعرفي في الفصل الاخير من كتابنا: العلوم الانسانية والايديولوجي, دار الطليعة, بيروت ,1983 كما عدنا اليه في كتابنا: كتابة التاريخ الوطني, دار الامان الرباط 1995). ان السيادة المفهومية سالفة الذكر هي مصدر المقاومة التي نجدها في النظريات والمفاهيم التي يأخذها المحللون العرب عن الحضارة الغربية, وهنا ايضا نرى ضرورة التكامل بين النقد المعرفي والنقد الايديولوجي من اجل ابراز آليات اشغال تلك المفاهيم والنظريات ضمن الفكر العربي وتعامل هذا الفكر معها. النقد الذي دعونا الى ان يتكامل فيه العنصر المعرفي بالعنصر الايديولوجي مدخل ضروري, في نظرنا, للانتقال من ذات مفكرة بضمير الغائب الى ذات مفكرة بضمير المتكلم. ذلك ان هذا النقد سيقود الى ادراك المسافة الزمنية والواقعية الفاصلة بين المفاهيم والنظريات التي يتم الاستناد اليها وبين الواقع الذي يراد لها ان تكون اداة التفكير فيه ومصدرا لتغيير مظاهره, وهكذا تظهر فائدة هذا النقد في كونه يحرر الفكر من صفة الاطلاق في الافكار والتصورات فيتمكن الفكر بفضل ذلك من التعامل بها تعاملا موضوعيا. الواقع العربي اليوم في تداخل عناصره المكونة وفي علاقته بالواقع العالمي المعاصر, وامام ضرورة اخذ مكانة ملائمة, في حاجة الى هذا الفكر الذي اذ لا يترك المرجعية بصفة مطلقة يعمل على تنسيبها ويكون بعد تحرره من اطلاقها قادرا على اتخاذ المبادرة ازاء الواقع بوصفه ذاتا مفكرة مبادرة. لايغيب التفكير بضمير الغائب في هذه الحالة ولكنه يحضر مندمجا بصورة موضوعية ضمن ما تكون الذات المنكرة في حاجة اليه من اجل علاقة حسية بواقعها, هذا طريق نتمناه للفكر العربي في جميع المجالات الفكرية والادبية والفنية. *كاتب ومفكر مغربي