قبل ان يسقط جدار برلين وينتهى الاتحاد السوفييتي الى ما انتهى اليه من دويلات متفككة لا حول لها ولا قوة, كان الغرب بقيادة الولايات المتحدة الامريكية يبني دعايته المعادية للايديولوجية الاخرى على اساس ان الحرب الباردة تستنزف البشرية, بسبب تكديس الاسلحة الناتج عن(سباق الرعب)بين القوى الكبرى خوفا من هجوم من الطرف الآخر او تخويف للطرف الآخر حتى لا يبادر بالهجوم وظلت هذه الفلسفة سائدة لفترة من الزمن وكانت مبررا للحروب التي كانت تخوضها او تشارك فيها او تحض عليها القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة باعتبارها الطريقة الوحيدة لحل المشاكل او الحفاظ على الامن والسلام على الطريقة الغربية او بمعنى اصح على طريقة حلف الاطلسي باعتباره الممثل والقائد لتلك السياسة. بل ان هذه الفلسفة التي زرعها الغرب لم تكن قاصرة على شعوبها بمعنى انها لم تكن تكلف الشعوب الغربية اموالا لا طائل من ورائها, بل امتدت لتشمل معظم الدول المتخلفة التي كانت تحاول الخروج من تخلفها الناتج عن عهود الاستعمار الغربي الطويلة, فبدلا من ان تحاول توجيه مواردها للتنمية كانت الميزانيات العسكرية تلتهم كل انتاجها, فيتكرس تخلفا في هذا السباق الذي لم تكن لها فيه ناقة ولا جمل, لكنها كانت تفعل هذا تحت رعب الخوف, واستجابة لمطالب المستعمر القديم, فكانت اموال تنميته تغذي مصانع اسلحته, وتحافظ على رفاهيته, فيما تكرس في الوقت نفسه لتخلف شعوبها. كان تخوفها من عودة الاستعمار اليها من جديد, كان يدفعها الى ان تساهم في مزيد من انتاج الاسلحة المدمرة لشعوبها, لتمويل المجتمع الغربي الذي كان يتمتع بالرفاهية على حساب تلك الشعوب. لذلك كان سقوط جدار برلين املا انتظرته البشرية طويلا وحاولت ان تشارك فيه على الرغم من بعد المسافة ما بين برلين وآسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية التي تنتمي اليها معظم تلك الدول المتخلفة التي كانت تشارك في تمويل مصانع الاسلحة وتخوض الحروب نيابة عن القوى الكبرى طواعية او اجبارا. كان من المنتظر ان يكون سقوط جدار برلين نهاية للمواجهة الايديولوجية, والامل في نهاية الصراع الذي استنزف الكثير من حياة البشرية واموالها, لكن السنوات تمر ولا تزال الحرب الوسيلة الوحيدة لانهاء الخلافات وخلق المزيد من الصراعات ومصانع الاسلحة تعمل بكامل طاقتها, والاستنزاف من اموال الدول المتخلفة لايزال مستمرا فمن حرب الخليج الثانية الى حرب البوسنة والهرسك, الى مذابح زائير ثم كوسوفو التي لن تكون آخر تلك الحروب الدامية لان الولايات المتحدة تستعد من جديد لحروب اخرى, فقد بدأ العد التنازلي لبدء حرب جديدة في كولومبيا في غضون اسابيع قليلة, ومن يدري اين تتوجه الاسلحة بعد ذلك. التساؤل حول التأكيد على ان تلك الحروب لن تنتهي, وان الحرب قادمة مهما حاولنا تخيل خرائط اخرى للعالم بعد سقوط جدار برلين باعتبارها نهاية الحرب الباردة الاجابة عنه تكمن في ان الحرب الباردة انتهت بسقوط الايديولوجية الاخرى لكن العقليات التي كانت تدير الصراع من الطرف الآخر ـ الولايات المتحدة الامريكية وأوروبا الغربية ـ لا تزال كما هي على حالها لم تتغير بل لم تحاول ان تتوقف لدراسة نتائج الوضع الجديد الناتج عنه. الدليل على ذلك ان مهام حلف الاطلسي تم توسيعها في ظل غياب القوة الاخرى التي كانت تواجهه, بل ان الدول الرئيسية في الحلف التي تشكل قوته العسكرية الرئيسية اتفقت على زيادة ميزانيات التسلح المخصصة لقواتها العاملة فيه, فقد قررت الدول الاوروبية الاعضاء في الحلف زيادة هذه الميزانيات لتصل الى 174 مليار دولار سنويا, يضاف اليها ما تخصصه الولايات المتحدة وكندا لتصل الميزانيات النهائية للحلف الى ما يقرب من 450 مليار دولار. بل انه في الوقت الذي كان يؤكد فيه المحللون على ان حلف الاطلسي مبرر وجوده باختفاء حلف وارسو فإن سكرتير عام حلف الاطلسي خافيير سولانا اكد بعد ايام قليلة من وقف الضربات الجوية ضد يوغسلافيا وقبيل اسابيع قليلة على اعلان تخليه عن منصبه على اهمية زيادة حجم تلك الميزانية استجابة لمتطلبات ما بعد الحرب الباردة, فهو يرى او يعكس رؤية السياسيين الغربيين في ذلك ان مهام الحلف بإنتهاء الحرب الباردة اصبحت اكبر مما كانت عليه من قبل, بعد ان اصبح العالم كله مجالا لعمل قوات هذا الحلف, التي يصل تعدادها الى ما يقرب من اربعة ملايين ونصف المليون جندي, تساهم فيها الدول الاوروبية الاعضاء في الحلف بحوالي ثلاثة ملايين جندي والباقي تقدمه الولايات المتحدة وكندا ومن المنتظر ان يزيد عدد هذه القوات في المستقبل بعد انضمام عدد من دول اوروبا الشرقية الى التشكيلات العسكرية للحلف. الاعلان عن زيادة التسلح من جديد على الرغم من سقوط الدعاوى التي كانت تتحدث عن خطر الاتحاد السوفييتي لا يعنى سوى ان نهاية القطبية السابقة لم تكن تعني شيئا على الرغم من ثبوت عدم جدوى المواجهة السابقة التي كانت تعتمد على التسلح او ماكانوا يسمونه (توازن الرعب) في حل مشاكل العالم. بل العودة الى التسلح من جديد في ظل غياب عدو حقيقي يمكن خشيته لا يعني سوى ان السياسيين الحاليين في الغرب, الذين شهدوا هذا التغير الضخم في عالم الايديولوجيات والذين يقودون العالم حاليا ليست لديهم القدرة على متابعة المتغيرات التي حدثت في العالم, والتي اعتبروها هم انفسهم بمثابة اكثر المتغيرات التاريخية اهمية في العصر الحديث, لذلك تصبح المسألة عسيرة على الفهم وتطرح العديد من الاسئلة الصعب الاجابة عنها: لماذا علينا الآن ان نتقبل منطق القوة في حل المشاكل الدولية وان نتقبل منطق أن القوة هي السبيل الوحيد الى تحقيق الامن والسلام في العالم في الوقت الذي لم يعد فيه وجود لتلك القوة الاخرى التي كان يشاع انها الخطر الوحيد على العالم؟ واصبح علينا ان نتساءل الآن حول الاحلام التي منانا بها الغرب عن مدى اهمية التخلص من الاتحاد السوفييتي باعتباره (الشيطان) المسؤول عن كل الشر والاشرار والمساوىء والسيئات التي تسببت في تخلف دول العالم كله المتقدم منه والمتخلف خلال القرن العشرين, ولا نجد اجابة لاسئلة مثل: هل لا يزال هناك سبب لهذا الرعب الذي نعيشه والذي يبدو اننا سنظل نعيشه تحت رعب تهديد الاسلحة على الرغم من نهاية ذلك الشيطان؟ الاجابة الوحيدة التي يمكن ان يعثر عليها محللو الغرب, والتي يمكن لشعوبهم قبولها هي: ان السياسيين الذين يقودون المرحلة الحالية ليست لديهم القدرة على التخيل, لانهم لم يحاولوا قراءة الواقع والتعامل معه بعقلية جديدة ومناسبة توافق الحدث نفسه, بل مازالت تسيطر عليهم عقلية (الأبوية) التي تعطيهم الحق في فرض حمايتهم على العالم كله, حتى على الدول التي لاترضى بهذه السيطرة, بل تحول الغرب, او فرض نفسه من طرف واحد, الى وصي على قيم العالم, ويملك في يديه تفسير مايريد وبالطريقة التي يريد, ابسطها تعريفاته الفضفاضة وغير الثابتة لما يسميه بـ (الارهاب) , وخلطه في تعريف مسألة الكفاح المسلح من اجل الحرية , والحفاظ على حقوق الانسان التي تعتبر من اهم القيم التي صدع بها رؤوسنا في السنوات الاخيرة, بل استغل انفراده بتلك التعريفات لممارسة القهر ضد الشعوب باسم تلك القيم طبقا لتعريفاته الخاصة. هذا بالطبع يرجع الى ان الغرب يملك القوة التي تمكنه من فرض مايريد, وعلى الضعفاء الرضوخ دون شكوى, او حتى مجرد احتجاج, ودون ان تتاح الفرصة للآخر لابداء وجهة نظره. لكن في الحقيقة ان هؤلاء الذين يملكون القوة ليست لديهم القدرة على اقامة شكل من اشكال التعامل القابلة للتطبيق على الواقع الجديد الذي يقولون انهم انتظروه طويلا, او حتى مجرد البحث عن هذا الشكل الجديد المطلوب لمواكبة هذه التغييرات التي بشروا بها وهللوا لها, حتى قبل ان تكتمل شروطها وتتحول الى واقع. هذا هو الواقع بعد عقد من سقوط جدار برلين, وتهليل المهللين لسقوط وتفكك الاتحاد السوفييتي, وازاء هذا الواقع علينا ان نعثر نحن على اجابة لكل ما حدث ويحدث لنا من خلف هذه العقلية التي تحكم في الغرب بمنهجها الذي كانت تنتهجه قبل سقوط الجدار, وتفرض احكامها علينا. الوضع بالنسبة للدول التي تقع في ما كان يسمى بالعالم الثالث او المتخلف اصبح اسوأ بعد سقوط جدار برلين مما كان عليه قبل سقوطه, ويبدو انه لكي تتحسن الاوضاع لابد من خلق اتحاد سوفييتي آخر. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا