لاول مرة في الاعلام الفرنسي المنحاز عادة ككل اعلام غربي للطروحات الاسرائيلية ـ نجد مقالة مطولة في احدى كبرى صحف باريس/ليبراسيون في عددها الصادر31اغسطس99بعنوان كبير هو:(كتب مدرسية اسرائيلية تشكك في الخرافات المؤسسة للدولة الاسرائيلية).ووقع المقالة احد الصحفيين بالصحيفة(كرستوف بولتنسكي)مع العلم ان رئيس تحرير صحيفة ليبراسيون هو السيد جون لوك علوش , اليهودي من اصل جزائري والملفت للنظر في هذه المقالة هو اولا العنوان الذي اشتمل نفس العبارة التي حوكم من اجلها رجاء جارودي منذ اكثر من عامين اي عبارة الخرافات المؤسسة لاسرائيل, واكثر من ذلك فجارودي استعمل العبارة منسوبة الى السياسة الاسرائيلية اما عنوان المقالة فنسب الخرافات المؤسسة لدولة اسرائيل نفسها.. اي ان المقالة ذهبت ابعد من رجاء جارودي وشككت في الاساطير التي تعتمدها رسميا الكتب المدرسية القديمة في اسرائيل بل التعليم كله في كل مراحله. يبدأ المقال باستعراض شهادة المؤرخ الاسرائيلي ايال نافيه الذي يقول (ان شكل الخرافات المتمثلة في التفوق الاسرائيلي يمكن ان يصبح خطيرا على الاجيال الاسرائيلية الحالية والقادمة. ويضيف: لقد بدأ شعوري بذلك في خريف عام 1973حين كنت قائدا لكتيبة عسكرية في الجولان, وكان لدينا ثمانية مدافع بينما نصب السوريون قبالتنا الفا ومائتي مدفع, وقبل بداية حرب اكتوبر 73 بأيام, زارنا وزير الدفاع موشي دايان واعلمته بالفارق الكبير بين سلاحنا والسلاح السوري فكان جواب الجنرال دايان: (اعرف ذلك ولكننا نحن اسرائيليون.. وهذا هو الفرق..) ويمضي المؤرخ ليروي البقية فيقول: وبعد ايام اندلعت الحرب المفاجأة يوم 6 اكتوبر 73 وسقط ضحايا اسرائيليون كثيرون ورفضت ان آمر جنودي بالانسحاب لكي لا اكون اول من ينسحب من الجيش الاسرائيلي, وخسرنا ضحايا كثيرين بسبب تلك العقلية الحمقاء) . هذا كان المنطلق بالنسبة للمؤرخ ايال نافيه, اما اليوم فقد نشر كتابه في منتصف شهر اغسطس 99 بعنوان (القرن العشرون) وهو كتاب مدرسي يتجه لتلاميذ الصف الثالث ثانوي ويعطي للطلبة سيناريو جديدا وطريفا لحرب 1948 اي لما يسميه الاسرائيليون رسميا (حرب التحرير) وهذا النص المدرسي يبتعد كثيرا عن السيناريو الرسمي الذي يدرس في مدارس اسرائيل, يقول كاتب المقال حرفيا, ان الاسطورة الصهيونية تلقن للطلبة اسطورة صراع (ديفيد ضد جوليات) اي تروي الاسطورة الرسمية قصة صراع فيلق صغير من الجيش الاسرائيلي ضد جيوش خمس دول عربية اما (الحقيقة) حسب المؤرخ فهي ان الجيش الاسرائيلي كان اقوى واكثر تنظيما وعتادا من الجيوش العربية, وفي كتاب آخر يقول المؤرخ للطلبة بأن من نسميه نحن حرب تحرير يسميه العرب (النكبة) ويدعو كاتب التاريخ الشباب الاسرائيلي الى ان يضع نفسه مكان الشباب الفلسطيني ليفهم الاحداث وينزع عن عينيه القناع الذي يجعل من العرب شياطين ومن الاسرائيليين ملائكة ولا ينسى الكتاب بأن يشير الى مذبحة قرية دير ياسين في 19 ابريل 1948 ويحرص المؤلف على ان يسمى العرب باسمائهم وكذلك الشعب الفلسطيني ويؤكد على ان اللاجئين لم يغادروا فلسطين طوعا عام 48 ولكن تحت القهر والسلاح لقوى الاحتلال. نعم هكذا يسمي المؤرخ الوجود العسكري الاسرائيلي عام 1948. وهذا الفهم الجديد للتاريخ يلقى مؤيدين من بين النخبة ومنها السيد ميخائيل يارون مفتش التاريخ بوزارة التربية والتعليم الاسرائيلية الذي يقول نحن نسمى الفلسطينيين باسمائهم وحتى حزب الليكود اصبح يعترف بذلك, ويضيف هذا الموظف المثقف قائلا: ان الكتب المدرسية الاسرائيلية لم تتغير منذ عشرين عاما, لقد كان الحال مختلفا آنذاك فقد كانت رئيسة الوزراء جولدا مائير ترفض حتى وجود شعب اسمه الشعب الفلسطيني. ويضيف لقد اصبحنا اقوى وانضج ويمكن ان نتحدث بجرأة عن تشعب التاريخ عوض مفهوم: اما ابيض او اسود.. المنطق السائد رسميا في اسرائيل مع الاسف. يقول كاتب المقالة: ان هؤلاء المؤرخين لا ينضمون الى جيل المؤرخين الجدد امثال توم سغيف وبيني موريس وايان بابي وآفي شلايم الذين غيروا منطق تدريس التاريخ اي شككوا في الاساطير المؤسسة لدولة اسرائيل, ولم تكن مصافحة اسحاق رابين لياسر عرفات ممكنة بدون المناخ الجديد الذي اشاعوه في التربية والتعليم باسرائيل. لكن بالطبع يلاقي هذا التيار المعتدل صعوبات رسمية فقد منعت وزارة التعليم الاسرائيلية نشر صورة اللاجئين الفلسطينيين عام 1948 وهم مطاردون من طرف الجيش الغازي, ويقول الاستاذ دانيال برطال عالم اجتماع في جامعة تل ابيب: مع الاسف تواصل بعض الكتب المدرسية لدينا نقل صورة العربي البربري المتوحش العنيف وهي صورة مغايرة للواقع ويضيف مع الاسف ايضا ان هذه الكتب التاريخية الجديدة لا تمس إلا 7% من طلبة اسرائيل لان 30% يرتادون المدارس الدينية وممنوع عليهم ان يطلعوا على الحقائق كما هي, بل ممنوعون من اي تدخل للدولة في شؤون التعليم الذي يتلقونه. هذا هو خلاصة ما يحدث من تغيير في العقلية الاسرائيلية وهي عقلية تتغير واصبح ا لمؤرخون الاسرائيليون اكثر جرأة من رجاء جاردوي نفسه مما يدعو اما الى محاكمتهم حسب قانون جايسو الفرنسي او.. الى تبرئة رجاء جارودي من تهمة الاساءة لليهود. * استاذ بقسم الاعلام ـ جامعة قطر