إذا كان العالم يعاني اليوم من معضلات كبيرة أهمها الحروب الاقليمية والاهلية, والمجاعات, وشح المياه, والكوارث الطبيعية, مثل الزلزال الهائل الذي ضرب تركيا, مؤخرا, فهز أركانها وأحرق الاخضر واليابس في مناطق منها, وأهلك الارواح, ودمر المباني والمرافق وشرد مئات الآلاف من الناس فإن من المشكلات الخطيرة والحساسة في عصرنا الحاضر , مسألة هيمنة الدول الكبرى على الدول الصغرى, ومحاولتها تهميشها والعمل علي إبقائها في أدنى درجات سلم الحياة السياسية والعلمية والصناعية. صحيح ان الاولى كثيرا ما تقدم للثانية هبات وقروضا مالية ومساعدات غذائية ومنحا تعليمية وخبرات فنية, إلا أن هذا يتم ضمن ضوابط محسوبة وحدود معينة لاتسمح للأخيرة بأن تشب عن الطوق وتطور قدرات ذاتية تمكنها من الوقوف على أقدامها واثبات وجودها والاستغناء عن وصاية الاولى. فماذا نفعل ازاء هذا الوضع الذي اذا استمر, يعني بقاءنا على الدوام نلهث وراء أدنى درجات السلم الحضاري والمعيشي؟ هل نقول ان هذه سنة الكون, وان من عادة القوي ان يسعى للسيطرة على الضعيف وأخذ زمام المبادرة منه؟ هل نذعن ونسلم بأمر نشعر أننا لانستطيع له دفعا؟ ام ان علينا ان نفعل شيئا ما لتضييق هوة موازين القوى بيننا وبينهم؟ وما مدى قدرتنا على تحقيق هذا؟ علينا بادىء ذي بدء أن نقر بأن لقوة الدول الكبرى جانبا ايجابيا يتجلى في إشاعة الاستقرار النسبي في العالم, ولولا هذه القوة المهيمنة, فلربما فلت الزمام, ولاشتعلت حروب طاحنة لاتجد من يستطيع ايقافها. ولكن ما يقلقنا بالطبع, الجانب السلبي المتمثل بالنهج الذي يحقق للدول الكبرى مصالحها على حساب الدول الصغرى, ويجعل الاولى تنفرد باتخاذ القرارات التي تخص مصير العالم, بينما لايتبقى للثانية سوى المباركة والتنفيذ. هكذا كان الحال مع النظام الدولي القديم الذي انفردت فيه الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق بالهيمنة على مصير البشرية. اما ما اذا كانت الامور ستستمر على المنوال نفسه وبالنسق ذاته, مع النظام الجديد, فأمر غير معروف, لان معالم هذا النظام لم تتبلور وتتضح بصورة كاملة بعد, ومازال الغموض يلف بعض اهدافه, وان كانت هناك اقوال كثيرة بأن مصلحة النظام الجديد تقضي بتحقيق الديمقراطية والتنمية في جميع انحاء العالم, وتحرير الدول الصغيرة من الجهل والفقر والاستبداد. ولكننا تعلمنا من دروس الحياة بأن ما يقال شيء, وما يتم تنفيذه على ارض الواقع شيء آخر, وان المصالح لا المبادىء هي التي تحرك الدول بالدرجة الاولى. ولكن علينا ان نقر بأن الدول الغنية الآن كثيرا ماتلجأ الى شطب ديون الدول الفقيرة. وهذه علامة ايجابية. ونعود الآن الى تساؤلنا السابق حول ما اذا كان علينا ان نذعن لإرادة الدول الكبرى, ونقف مكتوفي الايدي امام قدراتها اللامتناهية, ولاسيما النووية والعلمية, ام ان نتحرك ونحاول تغيير بعض المسارات لصالحنا. اننا نعتقد ان اية دولة صغيرة لاتستطيع ان تفعل شيئا ذا بال بمفردها, ولابد من انتظام جميع الدول الصغرى في مجموعات ومنظمات, واتخاذها قرارات واجراءات جماعية لصالحها. ولكن هذا ليس بالامر السهل, بسبب تباين مصالح كل دولة منها. وهناك بالفعل تجمعات من هذا النوع, ولكنها لم تستطع ان تفعل اكثر من مجرد إصدار قرارات وتوصيات غير فعالة. ولنحاول الآن أن نتقصى بعض موازين القوى بين الدول الكبرى والدول الصغرى: فالاولى تتفوق على الثانية تفوقا ساحقا في المجالات العسكرية والعلمية والتكنولوجية والطبية. ولكن العسكرية هي الاشد حسما في المدى القريب, ولاسيما اذا هددت دولة كبيرة, دولة أخرى صغيرة, باستخدام السلاح النووي ضدها, كما حدث عندما اطلقت الولايات المتحدة قنابل ذرية على هيروشيما وناجازاكي, بعد أن عجزت عن قهر اليابان بالاسلحة التقليدية. وعندما يتعلق الامر بهذه الاسلحة العادية, فان الامور تختلف, والشواهد التاريخية تشير الى عجز الدول الكبرى عن تحقيق انتصارات حاسمة بواسطة هذه الاسلحة, واذا استعرضنا بعض احداث التاريخ القريب, نستذكر كيف عجزت الولايات المتحدة بقوتها الهائلة عن تحقيق نصر حاسم في الصومال, فاضطرت الى الانسحاب والتراجع منذ اعوام قليلة, وكيف اضطرت الى التحالف مع (32) دولة أخرى, حتى تمكنت من اجبار العراق على انهاء احتلاله للكويت. اضف الى ذلك, استعانتها بقوات حلف شمال الاطلسي لوقف الاعتداء الصربي على كوسوفو, ولو كانت هذه الدولة العظمى تستطيع تحقيق النصر بمفردها, لما تحالفت مع دول اخرى. والحال اسوأ مع روسيا التي لم تتمكن من الانتصار على دولة صغيرة كالشيشان. نستنتج مما سبق ان هناك حدودا للتفوق العسكري للدول الكبرى على الصغرى. وحتى في المجال النووي, فان المعايير القانونية والدولية والاخلاقية تجعل من الصعب اللجوء الى الاسلحة الذرية المدمرة, الا في حالات استثنائىة ونادرة جدا, تجد فيها دولة كبرى ما نفسها مضطرة الى استخدام ترسانتها الذرية في حالة الدفاع عن النفس أو إنقاذ مصالح حيوية للغاية. ونعتقد ان حوادث من نوع ماحدث في هيروشيما وناجازاكي, لايمكن ان تقع اكثر من مرة واحدة خلال عقود طويلة من الزمن, واذا تركنا الجانب العسكري, وانتقلنا الى جوانب اخرى, نجد ان الدول الكبرى تتفوق على الصغرى في المجالات العلمية والمعلوماتية والتكنولوجية تفوقا هائلا, وهي تعمل دائما على تصدير مصنوعاتها ونقل تكنولوجياتها الى الاولى, دون أن تفسح لها المجال, كي تطور صناعات وتكنولوجيات اهلية خاصة بها, حتى تبقيها في حالة اعتماد كامل عليها, والى جانب ذلك, فإنها باحتكارها المعلومات, تسيطر على الاعلام العالمي, وتوجهه كما تشاء, لصالحها. اما في المجال الاقتصادي, فان الدول الكبرى كثيرا ماتلجأ في محاولاتها اخضاع الدول الصغرى, والسيطرة عليها, الى المقاطعة الاقتصادية, وفي الحالات الاشد الى الحصار الاقتصادي, كما حصل في العراق وليبيا وكوبا وغيرها. وقد ثبت ان هذه الاجراءات تؤثر سلباً في حياة الشعوب اكثر مما تؤثر في مصير الحكام, او ان هذا على الاقل مايبدو للوهلة الاولى, او على المدى القريب. وفي المجال السياسي كثيرا ما تضع الدول الكبرى اسماء دول صغرى في قائمة دول الارهاب, كنوع من انواع الضغط السياسي. ولهذا الاجراء تأثير محدود. خلاصة القول ان في يد الدول الكبرى أوراقاً كثيرة عسكرية واقتصادية وعلمية, تحاول بواسطتها ان تحيل الدول الصغرى الى مجرد دمى لاحول لها ولا قوة في عالمنا المعاصر. ومع ذلك, فان الامل بتحسين هذا الوضع يكمن في مجالين: 1 ـ ان تغير الدول الكبرى توجهاتها, وان تتعامل مع الدول الصغرى تعاونا اخويا واخلاقيا, وتعدها شريكة لها في عالم تهدده اخطار بيئىة ساحقة. 2 ـ ان تتكاتف الدول الصغرى وتحاول تطوير نضالاتها القومية وصناعاتها وتكنولوجياتها الخاصة بها. * كاتب سوري