اقتلعت هزيمة 1967 كثيرا من المحاذير التي أحاطت بالتكييف الفكري العربي المعمق للصراع مع الصهيونية اسرائيل, وكان ذلك التعامل محصورا بدوائر محدودة معظمها رسمي الطابع مأخوذ بالشعارات, وهكذا ارتفع الحظر الضمني عن التحليلات العلمية الرزينة , وأضحى لهذه الجهود فضلا في ادارة الصراع لا يقل عن فضل العسكريين الذين احتكروا مطولا دور تفهم الصراع وتقديمه الى الازمة وفق تصوراتهم. ولكن على الرغم من فيض ادبيات الصراع الذي غمر الساحة الثقافية العربية من ذلك الحين, فمازالت هناك مناطق فكرية مهمة تعاني من التصحر والجفاف وتحتاج الى الاغناء والاضاءة, وتقديرنا ان علاقة الاقتصادي بالسياسي في صعود وهبوط الكيانية الفلسطينية تمثل واحدة من هذه المناطق, وان الحاجة الآن باتت ملحة لخوض هذا المبحث بشكل شامل ومتكامل, ولا يحمل هذا التقدير استخفافا بأعمال عرجت الى قضية التطور الاقتصادي للمشروع الصهيوني, ودور الاقتصاد في فكرة المشروع من الاصل, ولكن المقصود اكثر لدينا هو المعالجة من الجانب الآخر, الجانب الفلسطيني. فالكيانية الفلسطينية السياسية, تأثرت بقوة سلبا وايجابا, بمدى توفر القاعدة الاقتصادية الرديئة بالمعنى التاريخي, والظاهر ان التفاعلات الراهنة تنذر باستمرارية هذا التأثير حتى انه من غير اللائق موضوعيا ان نتحدث عن استقلال ودولة فلسطينية ذات بال بمعزل عن حال هذه القاعدة. ليس بوسعنا في هذه العجالة متابعة المسار التاريخي للكيفية التي تم بها افراغ القطر الفلسطيني من بنيته الاقتصادية الذاتية, وذلك وصولا الى الادعاء بعدم اهليته للاستقلال كبقية الاقطار العربية, وتمهيدا لابتلاعه كليا او جزئيا في جوف المشروع الصهيوني, ومع ذلك فان تاريخ التطور الكياني الفلسطيني زاخر بالامثلة الدالة على الصلة الوثيقة بين عملية الافراغ هذه وحجب الاستقلال عن فلسطين ووقف نمو أطرها السياسية من مدخل تعجيزها اقتصاديا. وينطوي هذا التاريخ ذاته على محاولة موازية لتعميد المشروع الصهيوني البديل من فلسطين, من مدخل تعزيز قدرات اطره السياسية بسد حاجاتها الاقتصادية باستمرار, فلنتأمل بعض هذه الامثلة باقتضاب شديد: 1 ـ في باكورة الغزو الاستيطاني الصهيوني, راجت اقاويل حول دور المستوطنين في جذب رؤوس الاموال والخبرات الصناعية والزراعية والعلمية الى فلسطين. وكانت تلك مقدمة ضرورية لدحر المخاوف الفلسطينية التي تلصصت من اهداف الغزاة الجدد. وراح الانتداب البريطاني يساعد لاحقا على بيان بحبوحة العيش المنتظرة في كنف الصهيونية وبيان اثر توسعها الاقتصادي في البلاد. وكانت تسهيلات الحكم الانتدابي للاقتصاد الصهيوني ومحاربته للاقتصاد الفلسطيني الاصل, ابرز العوامل المساعدة على ترسيخ تلك الاقاويل, وقد ينبغي الاعتراف بأن هذه الادعاءات وجدت من يتجاوب معها حتى بين ابناء فلسطين انفسهم من الذين لم يقدروا الابعاد السياسية طويلة الاجل التي سوف تترتب عليها. 2 ـ من الملفت ان الاطر السياسية الفلسطينية تعلقت وجودا وفاعلية او ضعفا وغيابا الى حد كبير بمدى توفر الموارد الاقتصادية المساندة لها. حدث ذلك قبل النكبة وبعدها. فحين تكونت الهيئة العربية العليا بمداخلة عربية شديدة عام ,1946 كانت لديها فرصة للاستمرار والوجود وتكوين حكومة وطنية تستقبل تطورات ما بعد الانسحاب البريطاني وامكانية اعلان الاستقلال. وقد اعترفت بها الامم المتحدة كممثل للجانب الفلسطيني في الصراع. الا ان الذي حدث فعلا هو الاخلال بالوعود المالية المقطوعة للهيئة من النظام العربي, الامر الذي ادخلها دائرة العوز وافقرها ومنعها من تنفيذ برامجها الدفاعية والتسليحية ومن الانتشار السياسي القائم على اسس من الموارد الاقتصادية.. لقد وقع الكيان السياسي الذي مثلته الهيئة بين مطرقة العوز الذاتي نتيجة سياسات الانتداب المتراكمة لافقار الفلسطينيين وسندان العزوف العربي عن العون الخارجي. 3 ـ بوقوع النكبة, تصاعد دور العامل الاقتصادي, المالي بخاصة, في حياة الاطر السياسية الفلسطينية وحمايتها, لسبب بسيط, هو غياب الاقتصاد الذاتي كظهير محتمل لهذه الاطر بالتكامل تقريبا. كان حجب الاموال والعتاد هو ابرز ادوات القضاء على وحدات الجهاد المقدس الذي كانت تعول عليه حكومة عموم فلسطين والهيئة العربية العليا لاعادة احياء العسكرية الفلسطينية والكفاح المسلح. ولم يكن من المتصور ان تستقل هذه الاطر بسياسة خاصة بها وقد خلت يديها من الموارد الذاتية والدعم الخارجي هذا طبعا الى جوار عوامل اخرى. 4 ـ يقال ان منظمة التحرير الفلسطينية نشأت في حينها بمنتصف الستينات, بسبب تبلور رأسمالية فلسطينية بشكل بلغ حد النزوع الى كيانية سياسية تعبر عنها, وهو ما لا يخلو من مغزى, والمؤكد ان توفر القاعدة الاقتصادية المالية للمنظمة درء عنها مصير الكيانات السابقة عليها. فقد كان لها صندوق قومي وسمح لها بممارسة عمليات الجباية من كل مصدر ممكن, بما في ذلك رأسمال الفلسطينيين. ولعل ما يصدق على المنظمة يصدق نسبيا بالنسبة للتنظيمات والفصائل السياسية, فمن المرجح ان من كتبت له الديمومة منها هو الذي أمن له موردا اقتصاديا وماليا. 5 ـ تتضح دلال النقطة السابقة بالنظر الى تحولات السياسة الفلسطينية في مطلع التسعينات بخاصة, ضمن التعليلات المتداولة لهذه التحولات بشأن التسوية وشروطها, واخضاع الكيان السياسي الفلسطيني, اي المنظمة, لقيود وتجفيفات اقتصادية وتوقيف الدعم عنها ضمن تداعيات ما بعد حرب الخليج الثانية.. هذا في الخارج, اما في الداخل فقد تعرضت الانتفاضة بالتداعي وفي الوقت نفسه لما جعلها غير محتملة للاستمرار من الزاوية الاقتصادية. 6 ـ بعد توقيع اوسلو وتصاعد الجدل حول مصير المنظمة في وجود السلطة داخل الضفة وغزة, وتضارب الآراء بين مايسمى بالقيادة والمعارضة, أصبح حديث الاقتصاد طاغياً, ومتعدد الاستخدامات السياسية, فبصفة عامة راحت الوعود بالرخاء الاقتصادي بعد الضنك تحلق في اعلاميات التسوية داخل الارض المحتلة. وباتت القضية الوطنية وكأنها تراوح بين فئة تبشر بالسلام زائد الرخاء واخرى تعارض ذلك. وفي التراشق السياسي المتبادل بين قوى السلطة والمعارضة, اتهمت السلطة معارضيها بالاعتماد على دعم قوى خارجية, وردت المعارضة بأن السلطة تعتمد وجودا او عدما على اموال الدول المانحة التي يمكن ان تصبح دولا مانعة ان لم تتسق السلطة مع برامجها الكبرى للتسوية في (الشرق الاوسط) , ما يخضع القضية الوطنية لضغوط لا قبل للاخيرة بمواجهتها. والحق انه بينما يستمر هذا التراشق بين الحين والآخر, فإن اسرائيل تعمد قدرتها على ربط احشاء فلسطين الحاضر والمستقبل باقتصادها ومن غير المستبعد ان اسرائىل تعي جيدا ما تنطوي عليه حال الاقتصاد الفلسطيني من ارتباط عضوي بها وتداعيات ذلك على مآل فكرة الاستقلال السياسي وهذا لا يخفي على بعض الفلسطينيين الذين يسرون تخوفهم من ان تكون هذه الفكرة غير عملية ولا مفيدة بفعل غياب الاقتصاد الوطني والمستقل. ندرك انه ليس بالاقتصاد وحده تحيا الشعوب. وان الحسابات الاقتصادية لم تحسم اتجاه كثير من الشعوب نحو ايثار الاستقلال السياسي, لكن الحالة الفلسطينية كما تبرز الامثلة السابقة لا تشبه غيرها تماما. ولذلك لن يضير في شيء ان نولي تبصرا وتدبرا اكثر بالزحف الاقتصادي الاخذ بناصية السياسية الفلسطينية. * كاتب وباحث فلسطيني. القاهرة